الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6-
الحماسة البصرية:
إن هذه الحماسة، هي آخر الحماسات التي وصلت كاملة إلى أيدينا حتى الآن، جمعها صدر الدين، أبو الفرج بن الحسين البصري المتوفى سنة 659هـ.
إننا لا نكاد نعرف شيئًا عن حياة أبي الفرج البصري هذا أكثر من أنه جمع ديوانه، وأهداه إلى الملك الناصر أبي المظفر يوسف بن عبد الملك العزيز بن الملك الظاهر أمير حلب سنة 647هـ، وأن له مؤلفًا بعنوان "المناقب العباسية والمفاخر المستنصرية" في تاريخ الدولة العباسية.
ولسنا ندري على وجه التحقيق السبب الذي من أجله أهمل المؤرخون، وكتاب التراجم شأن أبي الفرج البصري، فأغفلوا ذكره وأخملوا شأنه.
بل إننا لا نكاد نلمس سببًا واضحًا لتسميةهذا الديوان من الحماسة باسم "الحماسة البصرية" إلا أن يكون المصنف قد نسبها إلى بلدته التي منها خرج وهي البصرة، على الرغم من أننا نستنتج أن أكثر مقامه كان في حلب.
وإذا كانت هذه الحماسة البصرية تعتبر من أكبر دواوين الحماسة عدة مقطوعات وقصائد وأوفرها عدد أبيات، وأكثرها احتواء للشعراء، فإننا لا نكاد نرى فيها جديد إلا القليل.
إنها تضم ألفًا وستمائة وثماني وأربعين حماسية بين مقطوعة وقصيدة، وربما كانت
المقطوعة بيتًا واحدًا، وربما ناهز عدد أبيات القصيدة عشرين بيتًا، ولا بأس في ذلك فإن أكثر مصنفي الحماسات قد نهجوا النهج نفسه. وإن عدد أبيات حماسياتها يزيد على ستة آلاف بيت، ومجموع الشعراء الذين وردت لهم فيها نماذج ومختارات من أشعارهم يناهزون خمسمائة شاعر، ولكنها مع ذلك صورة مهتزة لحماسة أبي تمام، وعالة على حماسة البحتري والخالديين وكتب الاختيارات التي صنفها المفضل الضبي، والأصمعي وأبو يزيد القرشي والحيوان للجاحظ.
ويمكن لنا أن نستعرض منهج هذه الحماسة أو بالأحرى نقدمها على النحو التالي:
أولًا: إنها من حيث عناوين أبوابها مطابقة كل المطابقة لعناوين أبي تمام في حماسته بزيادة بابين أحدهما في الإنابة والزهد مستمدًّا نهجه من بعض موضوعات البحتري في حماسته، والثاني جديد من ابتكار المصنف هو "باب ما جاء في أكاذيبهم وخرافاتهم".
هذا وقد قام صاحب الحماسة البصرية بغارة كبيرة على حماسة أبي تمام بحيث أخذ من باب الحماسة الكبرى وحده إحدى وأربعين قطعة، وقس على ذلك في بقية الأبواب، هذا فضلًا عن أن فصولًا بأكملها مثل الغزل، والرثاء، والهجاء تكاد تكون صورة أمينة لمثيلاتها عند أبي تمام وابن الشجري من حيث الحماسية، وصاحبها أو صاحبتها.
ثانيًا: إن أخطاء كثيرة تبدو واضحة من نسبة كثير من المقطوعات إلى أصحابها والشيء نفسه في نسبة الشعراء إلى قبائلهم، أضف إلى ذلك أخطاء أخرى في ربط كثير من الشعراء بأزمنتهم، فكثيرًا ما يذكر أن الشاعر أموي بينما هو مخضرم بين الجاهلية، والإسلام، أو مخضرم بين دولتي بني أمية، وبني العباس، والأمثلة لذلك أكثر من أن تحصى.
وبمناسبة الأزمنة، فإن المصنف بالرغم من أنه عاش حتى نهاية النصف الثاني من القرن السابع 656هـ فقد وقف بشعراء حماسياته عند منتصف القرن الثالث الهجري عند دعبل الخزاعي وديك الجن، ولا نكاد نجد عنده أثرًا لشاعر بعد هذه الفترة رغم تطاول الأزمان ووفرة المصادر لديه إلا مقطوعة وحيدة للخالديين في وصف قلعة1. ومن ثم كانت فرصة المصنف في أن يفيد قارئه صغيرة طفيفة.
ثالثًا: وقع المصنف في الأخطاء المنهجية نفسها التي وقع فيها ابن الشجري، من حيث إيراد أكثر من باب في خدمة غرض واحد، وبمعنى أوضح كان من الأفضل منهجيًّا أن يجعل باب الهجاء وباب الأضياف بابًا واحدًا موضوعه الهجاء؛ لأن كل الحماسيات التي جاء بها تحت عنوان الأضياف مقسمة على فصلين تقع كلها في نطاق فن الهجاء وذلك باستثناء
1 الحماسة البصرية "2/ 346".
المقطوعتين اللتين اختارهما من شعر الفرزدق والنجاشي الحارثي في نزول الذئب ضيفًا على كل منهما1. هذا ويمكن أن يقع باب مذمة النساء في النطاق نفسه وأن يميز بجعله فصلًا من فصول باب الهجاء.
رابعًا: أصاب أبو الفرج البصري كثيرًا من التوفيق في اختياراته التي ضمنها باب الصفات والنعوت، فقد أورد بعض غريب الأوصاف مثل وصف أبي حيان الأسدي للحية ذات الأجراس2 أو وصف مرو بن شاس لحية أخرى3، أو وصف أبي الشيص للهدهد4، أو وصف كل من كعب الأشقري والخالديين لقلعة5، أو وصف يحيى بن ثابت للديك، ولكنه لسوء الحظ لم يأت إلا ببيت واحد منها لم يف بالغرض هو قول الشاعر:
صوت النواقيس بالأسحار هيجني
…
بل الديوك التي قد هجن أشواقي6
ومن الغريب أن المقطوعة جاءت كاملة عند أبي تمام في حماسته في مكان لا ينسى؛ لأنها جاءت ختامًا لحماسياته. وإذا ما كان الأمر متعلقًا بوصف الديك فكان ينبغي للمصنف أن يلتفت إلى وصف الديك عند ديك الجن، خاصة وأنه تمثل له -أي لديك الجن- بمقطوعة في وصف سحابة، فكان من اليسير عليه لو كان باذلًا جهدًا أن يمتع قارئه وأن يزين مختاراته بقطعتين لا قطعة واحدة للشاعر ديك الجن يصف ديكًا.
خامسًا: أفرد مصنف الحماسة البصرية بابًا جديدًا للإنابة، والزهد، وجعل أكثر مختاراته من قول الجاهليين، مثل قس بن ساعدة، وحاتم الطائي، ولبعض المخضرمين، مثل لبيد، وأمية بن أبي الصلت، وتناسى المحدثين فلم يأت لهم إلا بمقطوعات قليلة: ثلاث لأبي العتاهية واثنين للعتابي وواحدة لأبي فراس، وكان من اليسير بمكان أن يجعل المصنف من هذا الباب واحدًا من أكثر أبواب حماسته ثراء وإمتاعًا، ولكنه كسول ضعيف الجهد قليل الالتفات يؤثر أن يكون عالة على من سبقوه، وليس مجددًا أو مبتكرًا في اختياراته.
سادسًا: ولعل الجديد الوحيد بين أبواب الحماسة هو ما أطلق عليه المصنف "باب ما جاء في أكاذيبهم وخرافاتهم" وقد أتى فيه باختيارات لعشرة شعراء كل مقطوعة تتصل بخرافة
1 المصدر "2/ 249، 250".
2 المصدر "2/ 344".
3 المصدر السابق "2/ 343".
4 المصدر "2/ 341".
5 المصدر "2/ 345، 346".
6 المصدر "2/ 341".
أو عادة من عادات العرب واعتقاداتهم، أو بالأحرى أوابدهم، مثل الاعتقاد في وجود الغول وأنها إذا ضربت ضربة واحدة ماتت، فإذا ضربت ضربة أخرى عاشت1، أو زعمهم أنه إذا عافت البقر الماء لكدرته فإن الجن تكون راكبة الثيران فتمنع البقر عن الشرب2.
هذا وقد ألحق المصنف بهذا الباب فصلًا في الترقيص -لعله مقحم عليه بعض الشيء- مكونًا من تسع مقطوعات جمعت مواضيع شتى بين تدليل الأبناء واسترضاء الأزواج وهجائهم والفخر والشكوى. وعلى طريقة الأقدمين في عدم الاستحياء من ذكر ما لا يتمشى مع الحياء أنهى المصنف فصل الترقيص بمقطوعة من بذيء القول ترقص امرأة بها موضع العفة منها.
ومجمل القول في الحماسة البصرية إن أهميتها لا تكمن فيما ضمته دفتاها مسبوق إليه، وإنما في كونها آخر "حماسة" تقع بين أيدينا من سلسلة الحماسات الكثيرة، التي توفر الأدباء العرب على مسرى تاريخنا الأدبي على تصنيفها وتقديمها كنماذج شعرية سائغة بين أيدي المتأدبين في فنون الشعر المختلفة لشعراء اختلفت أمزجتهم، وأزمنتهم وسمت أذواقهم ومشاعرهم.
1 الحماسة البصرية "2/ 398".
2 المصدر "2/ 399".