الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5-
شعر القبائل:
إن شعر القبائل من الكثرة بمكان والوفرة بمكان، ما من قبيلة إلا وكان لها عدد من الشعراء المبرزين فضلًا عن أولئك الذين كانوا يجيدون الشعر في نطاقها دون أن ينالوا حظًّا من الشهرة أو قسطًا من الاهتمام.
ومع ذلك فقد اهتم الرواة بجمع شعر القبائل يجوسون خلال ديارهم يسمعون أخبارهم ويروون أشعارهم، وأشهر من نعرف من جامعي شعر القبائل الأصمعي، وأبو عمرو إسحاق بن مرار الذي كان يجاور شيبان للتأدب فيها فنسب إليها وصار فيما بعد من الأئمة الأعلام في اللغة والشعر والرواية، ولكن نال من شأنه في الأخيرة اشتهاره بشرب النبيذ.
والذي يعنينا من شأن أبي عمرو أنه كان أحد المهتمين بجمع شعر القبائل. فلقد جمع وحده شعر نيف وثمانين قبيلة، وكان كلما فرغ من شعر قبيلة وقدمه للناس كتبًا مصحفًا وجعله بمسجد الكوفة حتى كتب نيفًا وثمانين مصحفًا بخط يده1.
ولم يكن جمع شعر القبائل هو العمل العلمي الوحيد الذي عمله أبو عمرو، فإن له أعمالًا أخرى علمية مجيدة منها "كتاب الخيل"، "وكتاب اللغات" ويعرف أيضًا بكتاب الحروف وأحيانًا أخرى يعرف بكتاب الجيم، وله أيضًا "كتاب النوادر الكبير"، و"كتاب غريب الحديث"، و"كتاب النخلة"، و"كتاب الإبل، و"كتاب خلق الإنسان".
ولا يستكثرن أحدهذه الأعمال -وخصوصًاهذا القدر الضخم من شعر القبائل- لأنه كان هو وأقرانه العلماء من أولي العزم والقوة. هذا فضلًا عن كونه وهب عمرًا مديدًا مباركًا فلقد عاش مائة وستة عشر عامًا، وقيل مائة وعشرة أعوام وتوفي سنة 123هـ في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي.
1 وفيات الأعيان "1/ 202".
شعر الهذليين:
إنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي قام بها العلماء والرواة من جمع شعر القبائل، فإنه لم يصل إلينا منها إلا شعر قبيلتين اثنتينهما مضر وهذيل، فأما مضر فلا يزال ما وصل إلينا من شعرها مبعثرًا في خزائن المخطوطات لم يشهد النور بعد. وأما شعر الهذليين فهو مطبوع في ديوان من مجلدين مع شرح أبي سعيد الحسن السكري المتوفى سنة 275هـ، وكان معاصرًا دون شك لأبي زيد القرشي صاحب جمهرة شعراء العرب التي مر ذكرها، والتي حوت بعض
قصائد لشعراء من هذيل.
ويضم المجلد الأول من ديوان شعر الهذليين شعر أحد عشر شاعرًا أشهرهم أبو ذؤيب -بطبيعة الحال- وأبو جندب، ومعقل بن خويلد، ومالك بن خالد. وإن أكثرهم عدد قصائد وفحولة قول هو أبو ذؤيب فإن له وحده في هذا الجزء من الديوان ثلاثًا وثلاثين قصيدة وأرجوزة واحدة أولاها وأولى قصائد الديوان قصيدته العينية المشهورة التي قالها في رثاء أولاده الخمسة، حين ماتوا جميعًا بالطاعون في مصر والتي مطلعها:
أمن المنون وريبها تتوجع
…
والدهر ليس بمعتب من يجزع
وهي من عيون قصائد الرثاء في الشعر العربي، ولا يكاد كتاب أدب نفيس يخلو منها. هذا وقد ضم هذا المجلد الأول خمس عشرة قطعة بين قصيدة ومقطوعة لأبي جندب، وإحدى وعشرين أخرى لمعقل بن خويلد، واثنتى عشرة قصيدة لمالك بن خالد، وتسع عشرة قصيدة مشتركة بين صخر الغي، وأبي المثلم؛ لأن أكثرها نقائض بينهما.
ويضم المجلد الثاني من الديوان قصائد لاثنين وخمسين شاعرًا وشاعرة واحدة هي عمرة أخت ذي الكلب ترثيه بقصيدة مطلعها1:
سألت بعمرو أخي صحبه
…
فأقطعني حين ردوا السؤالا
على أن أكثر هؤلاء الشعراء قولًا لم تصل عدد قصائده إلى عشر باستثناء أبي صخر الهذلي -الذي تعدل شهرته شهرة أبي ذؤيب ولا يقل شعره جودة عن شعر ابن عمه- فإن له في الديوان عشرين قصيدة أتى بها الشارح متتابعة وجعلها آخر ما أورده من شعر الهذليين2.
وإذا كانت هذيل واحدة من القبائل المشهورة بجودة الشعر ووفرته في الجاهلية والإسلام، فإنه يبدو أن أكثر شعرها في الجاهلية قد فقد وضاع؛ لأن ما بين دفتي ديوان الهذليين هذا الذي نتحدث عنه من شعر أكثره للإسلاميين منهم وأقله للجاهليين.
1 شرح أشعار "2/ 583".
2 المصدر السابق "2/ 913-976".