الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكانت مؤهلات الوزارة آنئذ هي العلم والفضل، والأدب، والثقافة، والكياسة، والسياسة، فمن الوزراء الذين ترجم لهم -وهم في الوقت نفسه قمم الشعر في الأندلس- أبو الوليد أحمد بن زيدون، أبو بكر ابن عمار، أبو الحسن ابن الحاج، أبو محمد ابن عبدون، أبو الفضل ابن حسداي، وغيرهم من وزراء الأقاليم الأندلسية، وضمن المؤلف القسم الثالث من كتابه الترجمة لأعيان القضاة والعلماء والفقهاء، وكان كثير من هؤلاء يتسنمون رتبة الوزارة بل كان بعضهم -أعني الفقهاء- يتلقب بذي الوزارتين مثل الفقيه أبي أمية إبراهيم بن عصام الذي كان يلقب بذي الوزارتين وقاضي قضاة الشرق، ومن الذين شملهم هذا القسم الفقيه الإمام الحسن بن زنباع وغيرهم. وأما القسم الرابع والأخير فيترجم لأعيان الشعراء وفحولهم الذين غلبت عليهم صفة الشعر وسمة الأدب أكثر من أي سمات أخرى مثل أبي إسحاق ابن خفاجة، أبي بكر الداني المعروف بابن اللبانة، الأعمى التطيلي، أبي محمد ابن سارة الشنتريني، أبي جعفرالبني.
ثالثًا: بغض النظر عن الأهواء الشخصية التي كانت تتحكم كثيرًا في الترجمة للشعراء والأدباء فإن الفتح بن خاقان ما كان يستطيع أن يخمل شأن البارزين من الشعراء واللامعين من الأدباء، بل كان يخصهم -دون غيرهم- بتراجم طويلة مفصلة بعض الشيء، كما كان يكثر من تقديم النماذج المختارة من أشعارهم ويميزهم من غيرهم بمساحات أكبر من صفحات كتابه، لقد فعل ذلك للمعتمد بن عباد، وهو كبير ملوك الأندلس وملك شعرائها، وكما فعل مع ذي الوزارتين الشاعر المبدع أحمد بن زيدون، والفقيه الشاعر أبي محمد إسحاق بن خفاجة، وشاعر بني عباد أبي بكر الداني المعروف بابن اللبانة، وأبي محمد بن سارة الشنتريني، وأبي جعفر الأعمى التطيلي.
رابعًا: لما كان الفتح بن خاقان يقوم بأول محاولة من هذا النوع في تأليف كتاب في طبقات شعراء الأندلس، فإنه لم يجد كبير غضاضة في أن ينهج نهج أبي منصور الثعالبي في يتيمته وأن يرسم على منواله فيها، وإن مثل هذا التصرف من جانبه لا يعتبر عيبًا ما دام المؤلف يرتاد أرضًا لم يسبقه إليها مرتاد، وينهج نهجًا لم تسر فيه من قبله خطى سائر.
مطمح الأنفس ومسرح التأنس
في ملح أهل الأندلس:
إنه اسم طويل لكتاب آخر للمؤلف عينه الفتح بن خاقان، حاول أن يجعله ذيلًا للقلائد فترجم فيه تراجم مقتضبة لعدد من الشعراء النابهين وعددهم ستة وتسعون شاعرًا، من شعراء
الأندلس الذين عاشوا على أرضها على مختلف العصور، وليس في فترة زمنية محددة، فهو يترجم لشعراء عاشوا في القرن الثالث، مثل أحمد بن عبد ربه، وآخرين عاشوا في القرن الرابع مثل الفقيه منذر بن سعيد البلوطي، وأبي عمر يوسف بن هارون المعروف بالرمادي والفقيه المؤرخ أبي برك بن القوطية، ومحمد بن هانئ، كما يترجم لعدد وافر من شعراء القرنين الخامس والسادس.
من هنا يختلف المنهج الذي التزمه الفتح بن خاقان في هذا الكتاب عنه في قلائد العقيان، فالمطمح لا يختص بالترجمة لشعراء فترة بعينها، وإنما يختار شعراءه منذ أن بدأ الشعر ينمو ويترعرع في الأندلس، وأما القلائد فيختص بزمن معين سبق أن أشرنا إليه.
هذا هو المنهج الذي استخلصناه من قراءتنا لمطمح الأنفس، واستعراضه، ولقد قدم المؤلف لكتابه هذا في نطاق مفهومنا الذي أشرنا إليه قائلا بأسلوبه المزخرف الموقع المسجوع:"كان بالأندلس أعلام، فتنوا بسحر الكلام، ولقوا منه كل تحية وسلام، فشعشوا البدائع وروقوها، وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها، ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا، وبقيت مآثرهم غير مثبتة في ديوان، ولا مجملة في تصنيف أحد من الأعيان، تجتلي فيه العيون وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الوزير أبي العاص حكم بن الوليد عند من رحب وأهل، بمكارمه وانهل، وندبني إلى أن أجمع في كتاب وأدركني من التنشط إلى إقبال من ندب إليه، وكتابة ما حدث عليه، فأجبت رغبته، وحليت بالإسعاف لبته، وذهبت إلى إبدائها وتخليد عليائها"1.
ويقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام يشتمل أولها على "غرر الوزراء وتناسق درر الكتاب والبلغاء"، وثانيها يشتمل على "محاسن أعلام العلماء وأعيان القضاء والفهماء"، وثالثهما يشتمل على "سرد محاسن الأدباء النوابغ النجباء".
أما وأن المترجم لهم ليسوا من المعاصرين للمؤلف، فإن الحيدة والبعد عن التحيز يشكلان أساسًا لهذه الترجمات الست والتسعين والتي نهج فيها المؤلف نهج الاقتضاب الشديد، والإيجاز المسرف بحيث يكاد يخص المترجم له في حالات كثيرة بأقل من نصف صفحة، ولكنه لا يبخل على الأدباء الكبار والأعيان المرموقين بإيفائهم حقهم من الترجمة، ولو أدى ذلك به إلى إطالة لا تتفق مع نهج الإيجاز الذي التزمه المؤلف من مطمحه، فمن الأعيان التي أطال القول في ترجمتهم بعض الشيء الوزير أبو عامر بن شهيد، والفقيه أبو
1 مقدمة مطمح الأنفس "ص2".