الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينزل فيه في مدينة مراكش، والفتح بن خاقان القائد قتل بالسيوف مع المتوكل على النحو المذكور في كتب التاريخ.
وأخبار الفتح بن خاقان الإشبيلي ليست مما يثلج الصدر دائمًا، فلقد كان على أدبه وفصاحته وبلاغته وشاعريته بذيء اللسان هجاء، سيء السمعة، ولعل هذه النقائص كانت السبب في نهايته المؤسفة.
ولكن الفتح -على الرغم من ذلك- واحد من رواد التأليف الأدبي أو بالأحرى التأليف في طبقات الأدباء في الأندلس، وإن كتابيه قلائد العقيان ومطمح الأنفس من الثراء الأدبي ومن الجهد الفني، ومن القيمة التاريخية بحيث لا يستغني عنها كل من عرض الدراسات الأندلسية بعامة، والأندلسية الأدبية بخاصة.
قلائد العقيان:
أولًا: كتاب قلائد العقيان يضم نصوصًا شعرية ونماذج نثرية لعدد وفير من معاصريه الأدباء والشعراء والوزراء، والرؤساء والأمراء الذين يبلغ عددهم ثمانية وخمسين عينًا.
ويذكر ياقوت الحموي أن الفتح عمد إلى طريقة بارعة بل ماكرة في جمع كتابه، فقد جعل يرسل إلى كل واحد من ملوك الأندلس، ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر يعرفه عزمه على تأليف كتابه ويسأله إنفاذ شيء من شعره ونظمه ونثره، ولكي يضمه إلى مادة الكتاب، فعمد أكثرهم إلى إرسال منتخبات من أعمالهم الأدبية إليه مصحوبة بالهدايا والمال، ويستطرد ياقوت قائلًا: فكل من أرضته صلته أحسن في كتابه وصفه وصفته، وكل من تغافل عن بره هجاه وثلبه1.
ويبدو أن رواية ياقوت على جانب كبير من الصدق، فإننا نلاحظ أن صاحب القلائد يسرف في مدح بعض من يترجم لهم إسرافًا شديدًا، ويمعن في النيل من شمائل بعضهم الآخر نيلًا شديدًا ولو كانوا من ذوي الأدب والفضل.
يقول ياقوت مدللًا على ذلك إن الفتح كان قد أرسل إلى أبي بكر بن باجه المعروف بابن الصائغ للغرض نفسه، وكان حينئذ وزيرًا لصاحب المرية، فلما وصلت إليه رسالته تهاون في الرد عليه، ولم يجبه إلى طلبه، وبالتالي لم يرسل إليه شيئًا من عطاء، فلم يكن من الفتح إلا أن أورد في كتابه "القلائد" ترجمة مليئة بالهجاء، مفعمة بالسباب كلها تشهير ونيل من فضل ابن باجه، يقول في مستهلها: "هو رمد جفن الدين وكمد نفوس المهتدين،
1 معدم الأدباء "جـ16، ص187".
اشتهر سخفًا وجنونًا وهجر مفروضًا ومسنونًا، وضل فيما يتسرع ولا يأخذ في غير الأباطيل ولا يشرع، ولا يرد سوى الغمة ولا يكرع، ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة
…
الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله العلي العظيم1.
ويمضي الفتح إمعانًا في هجر الوزير الفيلسوف والنيل من قدره، وتقبيح معتقده وتشويه صورته وكأنما قد صنع فيه قصيدة من أقذع أنواع الهجاء، الأمر الذي يجعلنا نصدق ياقوتًا فيما ذهب إليه؛ لأن ابن باجه كان صاحب عقل ومنطق وفكر وقلم وأدب وعلم وفلسفة ودين.
فإذا ما ترجم الفتح لمن وصله بعطاء، وأهدى إليه بعض المال ولو كان خامل الذكر، فإنه يخلع عليه من أسباب المديح ما يضعه في مرتبة الكواكب، فحين يترجم لأبي العلاء بن صهيب مثلًا -وهو أقل من أن يقارن بالفيلسوف ابن باجه- يقدمه هكذا "نبيل المنازع جميل المنازع، كريم العهد ذو خلائق كالشهد، كثير الافتتان، جال في ميدان الذكاء بغير عنان:
وكالسيف إن لاينته لان متنه
…
وحداه إن خاشنته خشنان
مع فخر متأصل، وفهم إلى كل غامض متوصل، شقي بأبي أمية أوانًا، ولقي كل من صاحبه خزيًا وهوانًا2.. إلخ" وهكذا نجد الفتح بن خاقان معيبًا في طريقة ترجمته لأعيان كتابته، ومن ثم فإننا نأخذ روايته الأخبار بحذر، وأما النصوص التي ضمنها كتابه فهي من الإمتاع بمكان، ذلك أنها انتقاء أصحابها، واختيار منشئيها، وليس للمؤلف فيها من فضل إلا التجميع والتحبير.
ثانيًا: وإذا كانت هذه هي مآخذنا على كتاب القلائد فإننا لا نستطيع أن نحجب مزاياه الظاهرة وفوائده الواضحة الوافرة، والكتاب يضم ثماني وخمسين ترجمة هي عدد الأدباء الذين تحدث عنهم، وهم يمثلون كل أقاليم الأندلس على زمانه تقريبًا، ومن ثم فإن الكتاب يغطي من هذه الناحية فترة زمنية محدودة بالنصف الثاني من القرن الخامس، والربع الأول من القرن السادس الأمر الذي يدل على غنى الأرض الأندلسية من الأدباء شعراء وكتابًا، وقد قسم الفتح كتابه إلى أربعة أقسام، صنف أعيانه تصنيفات متجانسة، فجعل القسم الأول للملوك والرؤساء، من أمثال المعتمد بن عباد، والمتوكل المظفري، والمعتصم بن صمادح وغيرهم ممن هم أمثالهم في المكانة والرئاسة. وجعل القسم الثاني في الترجمة للوزراء.
1 قلائد العقيان "ص298".
2 المصدر نفسه "ص281".