الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني:
العقد الفريد:
أسلفنا القول في التمهيد لهذا الباب من كتابنا أن كتاب العقد الفريد نال حظًّا وافرًا من الشهرة لم يشاركه فيها إلا كتاب الأغاني للأصبهاني، وهو قول حق في كتاب يعتبر الأول من نوعه في الأندلس من حيث الإفاضة والشمول والتنوع وكثرة التمثل، عن أدب قومه المشارقة.
وإذا كان "العقد الفريد" و "الأغاني" يعتبران أشهر كتابين في الأدب على الرغم من أن أولهما كتب في الأندلس، والثاني كتب في العراق، فإن للعقد كمؤلف أندلسي في الأدب عامة وأدب المشارقة خاصة، منافسًا في الشهرة ألف في المكان نفسه الذي ألف فيه العقد وهو كتاب: الأمالي لأبي علي القالي، الذي يجيء ذكره وذكر كتابه في باب "الأمالي" من أبواب هذا الكتاب. وإن الفارق الزمني بينهما غير بعيد، فقال: دخل أبو علي القالي قرطبة ضيفًا على عبد الرحمن الناصر عام 330 هـ أي بعد وفاة ابن عبد ربه بعامين اثنين، وما لبث أن أملى كتابه النفيس الذي عرف بـ"الأمالي". غير أن لكل من الكتابين مذاقه الخاص به وموضوعاته المتميز بها. فالعقد موسوعة أدبية اجتماعية تاريخية إخبارية ناعمة سهلة، والأمالي موضوعات لغوية منبثقة من خلال نصوص أدبية مع أخبار ونوادر حسبما نقدمها تفصيلًا في باب كتب الأمالي.
فإذا ما عرضنا لكتاب ابن عبد ربه من عنوانه وجدناه صورة من صاحبه، فالتسمية تسمية ناعمة "العقد الفريد" جمعت إلى خيال الشاعر واقع الأدب. وقد قصد المؤلف إلى هذه التسمية قصدًا، فهو قد تصور كل باب من أبواب الكتاب جوهرة من جواهر العقد في جيد الحسناء، وعقد الحسناء يتكون من خمس وعشرين حبة ثمينة، لكل واحدة منها اسم في اللغة والعرف. وأثمنها عادة هي الحبة الوسطى التي يكون عن يمينها اثنتا عشرة حبة وعن
يسارها مثلها، والحبة الوسطى تسمى الواسطة، ومن هنا شبه كل شيء نفيس بين أقرانه بواسطة العقد أي الأفضل بينهم، فإذا تصورنا عقدًا في جيد حسناء إن أثمن حبة فيه هي الواسطة، وكل حبة عن اليمين أو عن اليسار هي على الترتيب: المجنبة، ثم العسجدة، ثم اليتيمة، ثم الدرة ثم الزمردة، ثم الجوهرة، ثم الياقوتة، ثم المرجانة، ثم الجمانة، ثم الزبرجدة، ثم الفريدة، ثم اللؤلؤة، وعلى هذا النسق إذا أردنا أن نتصور العقد بشكل أوضح تكون كل من الحبتين الأوليين في طرفي العقد لؤلؤة، والحبتين اللتين تليانهما الفريدة، وهكذا حتى نصل إلى الواسطة.
وابن عبد ربه كصاحب مؤلف ضخم قضى في تأليفه، وجمعه وتنسيقه وتبويبه سنوات طوالًا، لم يفته شأن كل مؤلف عربي نابهٍ أن يقدم لقارئه منهاج كتابه. وهو منهج يخضعه صاحبه للمنطق العلمي ويقنع به القارئ ويتلمس لذلك الأسباب من قول الحكماء والبلغاء ضاربًا المثل بأقوال لجعفر البرمكي الأديب الأريب، وكلثوم بن عمرو العتابي الحكيم البليغ. ويورد ابن عبد ربه أخباره ورواياته من دون إسناد في أكثر الأحيان. ويتوقع أن ذلك النهج سوف يثير تساؤلات القارئ اللبيب الحصيف؛ لأن العرب قد ألفوا أن يردوا كل حديث إلى مصدره وكل خبر إلى منبعه عن طريق الإسناد الصحيح، فيعد المؤلف إجابة بادية التعليل على هذا التساؤل المتوقع. وهكذا نلمس في الرجل منهج العالم وذكاء الأديب، فلنستمع إليه يقدم كتابه وموضوعاته على النهج الذي رسمه والوضع الذي اختاره والنسق الذي تصوره1:
"وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كل كتاب، وأما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله وقال الشاعر:
قد عرفناك باختيارك إذا كا
…
ن دليلا على اللبيب اختياره
وقال أفلاطون: عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم.
فتطلبت نظائر الكلام وأشكال المعاني وجواهر الحكم وضروب الأدب ونوادر الأمثال، ثم قرنت كل جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابًا على حدته، ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كل باب.
1 العقد الفريد "1/ 2-6".
وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرًا، وأظهرها رونقًا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظًا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة، آخذًا بقول الله تبارك وتعالى:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} .
وقال يحيى بن خالد: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون ويتحدثون بأحسن ما يحفظون.
وقال ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كل شيء أحسنه.
وفيما بين ذلك سقط الرأي، وزلل القول، ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة.
وفي بعض الكتب: انفرد الله تعالى بالكمال، ولم يبرأ أحد من النقصان.
وقيل للعتّابي: هل تعلم أحدًا لا عيب فيه؟ قال: إن الذي لا عيب فيه لا يموت أبدًا، ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة.
وقال العتابي: من قرض شعرًا أو وضع كتابًا فقد استهدف للخصوم واستشرف للألسن، إلا عند من نظر فيه بعين العدل، وحكم بغير الهوى، وقليل ما هم.
وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبًا للاستخفاف والإيجاز، وهربًا من التثقيل والتطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتصاله، ولا يضرها ما حذف منها.
وقد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنة متبعة، وشريعة مفروضة، فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، ومثل سائر، وخبر مستطرف، وحديث يذهب نوره إذا طال وكثر.
سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى حائط وقال: هذا إسناده!
وحدث ابن السماك بحديث، فقيل له: ما إسناده؟ فقال: هو من المرسلات عرفًا.
وروى الأصمعي خبرًا، فسئل عن إسناده. فقال: هو من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى دليل وحجة.
وحدث الحسن البصري بحديث، فقيل له: يا أبا سعيد، عمن؟ قال: وما تصنع بعمن يا ابن أخي؟ أما أنت فنالتك موعظته، وقامت عليك حجته.
وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيًا شافيًا جامعًا لأكثر المعاني التي تجري على
أفواه العامّة والخاصة، وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعراء تجانس الأخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها، وقرنت بها غرائب من شعري، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته، وبلدنا على انقطاعه، حظًّا من المنظوم والمنثور.
وسميته كتاب "العقد الفريد" لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءًا في خمسة وعشرين كتابًا. وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد، فأولها:
كتاب اللؤلؤة في السلطان.
ثم كتاب الفريدة في الحروب ومدار أمرها.
ثم كتاب الزبرجدة في الأجواد والأصفاد.
ثم كتاب الجمانة في الوفود.
ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك.
ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب.
ثم كتاب الجوهرة في الأمثال.
ثم كتاب الزمردة في المواعظ والزهد.
ثم كتاب الدرة في التعازي والمراثي.
ثم كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب.
ثم كتاب العسجدة في كلام الأعراب.
ثم كتاب المجنبة في الأجوبة.
ثم كتاب الواسطة في الخطب.
ثم كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة.
ثم كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم.
ثم كتاب اليتمية الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة.
ثم كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم.
ثم كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه.
ثم كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي.
ثم كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه.
ثم كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن.
ثم كتاب الجمانة الثانية في المتنبئين والممرورين والبخلاء والطفيليين.
ثم كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان وتفاصيل البلدان.
ثم كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب.
ثم كتاب اللؤلؤة الثانية في النتف والهدايا والفكاهات والملح.
وإذا غضضنا النظر عن الدرر والجواهر التي جعل المؤلف من كل واحدة منها عنوانًا لموضوع من موضوعات كتابه، فإننا يمكن أن ننتهي إلى القول بأن الكتاب موسوعة ثقافية عربية كبيرة تشمل الفنون الأدبية والفكرية على النحو الآتي:
أولًا:- الشعر بمختلف موضوعاته، كل قصيدة أو مقطوعة يذكرها المؤلف حسب الغرض الذي استهدفه من التمثل بها، وهو يختار نماذجه بعناية فائقة يعمل فيها ذوقه الفني كشاعر صاحب إجادة وامتياز، هذا وكثير من فصول الكتاب يكاد الشعر يكون العنصر الأساسي في تكوينها كما هو الحال في "كتاب الفريدة" الذي خصصه للحرب، وهي مجال رحيب للتمثل بشعر الحماسة والمواقع الحربية. ولا يكتفي ابن عبد ربه في هذا المجال بالنماذج الكثيرة التي يوردها لكبار الشعراء، وإنما يتمثل بشعره أيضًا قائلًا:"ومن قولنا في وصف الرمح"، أو "ومن قولنا في وصف الفرس" وغير ذلك من الموضوعات التي كتب فيها بحيث جعل من كتابه بستانًا في جنباته أزاهير شعره وأبكارها. بل إنه يخص الشعر بأكثر من دراسة في أكثر من باب. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب الزمردة الثانية الذي جعله في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، وكتاب الجوهرة الثانية الذي جعله في أعاريض الشعر وعلله وقوافيه. فالمؤلف والحال كذلك لم يجعل من الشعر وسيلة استشهاد وأداة تمثل، وغاية إطراف وحسب. وإنما قدم عنه دراسة نقدية فنية عروضية.
كما صنع دراسة مفصلة لأوزان الشعر والعروض وزحافاته وعلله وقوافيه بشيء من التوسع، وألحق بها أرجوزة طويلة مشتملة على أصول علم العروض، ثم أتبعها بنماذج لكل بحر من بحور الشعر1.
ثانيًا:- الخطابة، وهي تتمشى في كيان الكتاب وجوهره وفي مواضع كثيرة كل في مكانها من فصول الكتاب، هذا فضلًا عن الحشد الكبير من الخطب التي زين بها ابن عبد ربه
1 العقد "5/ 424-518".
أعطاف عقده وركز عليها في "واسطة" العقد، فخصص الواسطة كلها للخطب، لقد استهله بخطبة الوداع للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ثنى بعدد من خطب الخليفة أبي بكر الصديق، وقدر مماثل لها للفاروق عمر، وخطبة واحدة قصيرة للخليفة عثمان -إذ لم يكن له كبير مشاركة في الخطابة- ثم أورد عددًا كبيرًا من خطب الإمام علي بن أبي طالب، وخطبًا كثيرة لكل واحدة من ملوك بني أمية وقوادهم، وأخرى كثيرة لملوك بني العباس، ثم عرج على خطب من عرفوا بالفصاحة والإبانة من العرب والمسلمين فتمثل لكل منهم بخطبة أو أكثر مثل أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير. وجعل فصلًا من "الواسطة" لخطب الخوارج، وأمر لخطب الزواج، وغيره لخطب الأعراب.
ثالثًا: ويلقى النثر عناية كبرى من المؤلف، فيهتم بالكتابة وأدواتها من أقلام وحبر وصحف، وعن الكتاب وصفاتهم، وما ينبغي أن يتحلوا به من كريم الشمائل. هذا فضلًا عن النماذج الكثيرة التي يتضمنها "العقد" في أماكن عديدة، فضلًا عما جمعه في كتاب التوقيعات والفصول، وهو بهذه المناسبة لا يكاد ينسى علمًا من أعلام الخلفاء والملوك والوزراء والقواد والكتاب إلا وجاء لهم بالعديد من التوقيعات البليغة الرائعة. هذا -ومع الإضافة في إيراد نماذج النثر- لا يغفل ابن عبد ربه عن ذكر تاريخ الكتابة ونشأتها.
رابعًا: على أن الأدب بفروعه المختلفة وموضوعاته العديدة يشكل السمة الأصيلة الشاملة في الكتاب من أوله إلى آخره تقريبًا، نجدها في فصل السلطان، وفصل الأجواد، وفصل الوفود، وفصل مخاطبة الملوك، وفصل المواعظ، وفصل التعازي والمراثي، وفصل الخطب وفصل الوقيعات والصدور وأخبار الكتبة -وقد سلف الحديث عنهما- وفصلي الشعر، بل إنه خصص فصلًا كاملًا رائعًا في العلم والأدب هو "كتاب الياقوتة".
خامسًا: نال التاريخ العربي والإسلامي اهتمامًا كبيرًا في أكثر صفحات "العقد" ومن خلال موضوعاته، بل لقد أنشأ المؤلف فصولًا متكاملة يصلح كل منها؛ لأن يكون كتابًا في التاريخ الإسلامي. إن كتاب اللؤلؤة في السلطان، والجمانة في الوفود، والعسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم، واليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة والدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم، إن هذه الفصول جميعًا تشكل سجلًا دقيقًا راقي المنهج للتاريخ الإسلامي في فترات متلاحقة من أحقابه، بل ربما زاد على كتب التاريخ التقليدية بما أورد من أخبار حول أحداث اجتماعية وجوانب شعبية لم نألف التعرف إليها إلا عند الثقة من صفوة المؤرخين العرب.
وعلى الرغم من أن الكتاب اهتم بالمشرق اهتمامًا كليًّا، فإنه لم يهمل تاريخ الأمراء الأمويين في الأندلس ابتداء من عبد الرحمن بن معاوية الذي لقب بالداخل وانتهاء بعبد
الرحمن بن محمد الذي عرف بعبد الرحمن الناصر، وهو الملك الذي مات المؤلف إبان حكمه. بل إنه زاد على ذلك بأن أرخ لعبد الرحمن الناصر وحروبه ووقائعه ومغازيه حتى سنة 332 هـ في أرجوزة مفرطة الطول زادت على الأربعمائة وخمسين بيتًا1.
سادسًا: اهتم الكتاب بالعرب وأنسابهم وأمثالهم، وهما العدة الأولى لمن يريد أن يلج باب الدراسات العربية من مدخله الصحيح، فعقد بابًا كاملًا هو كتاب الجوهرة وخصصه للأمثال، وليس المقصود بالأمثال هنا تلك الأمثال التي تضرب للأمر في المناسبات بعينها وإنما هناك التمثل للمعاني والقيم، وهذا الباب بما جمع من شعر وبلاغة من الثراء والنفاسة بمكان، وبابًا آخر كاملًا هو كتاب اليتيمة وخصصه لنسب العرب وفضائلهم، وقد ذكر في هذا الباب أكثر من مائتين من أسماء القبائل والبطون والأفخاذ والرهوط والبيوتات في سعة وإفاضة، كما اهتم بكلام العرب في باب كامل طريف هو كتاب العسجدة وجعله في كلام الأعراب. ويمكن أن ندرج تحت هذا الموضوع بابًا سبقت الإشارة إليه عند الحديث عن التاريخ هو كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم. ومن ثم فإن للعرب نسبًا وأيامًا وثقافة ولهجات موضعًا رحيبًا في العقد الفريد.
سابعًا: نالت الأخلاق والزهد والتدين نصيبًا لا بأس به في العقد، ففي كتاب الأمثال فصل نفيس عن الأمثال في مكارم الأخلاق، والأمثال في القربى، وإن فصل الزهد بأكمله يدعو إلى التدين ومعرفة الله مليء بالأدعية الصالحة، وهو بعيد كل البعد عن التشجيع على ترك الدنيا تمامًا وإنما يضع المعايير الطيبة للحياة الصالحة مع قدر من المعرفة بالزهد وحياة بعض الزهاد. هذا والفصل الخاص بالتعازي من كتاب التعازي والمراثي لمما يؤنس وحشة المحزون ويرد الجزع إلى رحاب الهدوء والسلو والاطمئنان، كما أن كلا من باب الأجواد وباب مخاطبة الملوك يحتوي على الكثير من نماذج نقاء السلوك والأريحية، وحسن التعامل مع الناس والمجتمع.
ثامنًا: لم يهمل العقد الإمتاع النفسي والتسرية عن القارئ الذي ينشد القراءة الخفيفة لسلوى ينشدها، أو هم يزيحه، فأنشأ ثلاثة أبواب لطيفة أحدها في الألحان، وهو كتاب الياقوتة الثانية عرض فيه للألحان وأعذبها ورأي الدين فيها، كما عرض لنوادر المغنين وبعض المغرمين بالسماع وأخبار القيان وأعذب ما تغنى به الشعر، والكتاب الفكه الثاني هو كتاب الجمانة الثانية جعله المؤلف عن المجانين والبخلاء الطفيليين وأخبارهم وسلوكهم وحوادثهم وظرفهم، وهي صفحات تدفع الكثير من الهموم عن نفس قارئها. ولم
1 العقد "4/ 500 - 527".
ينس ابن عبد ربه أن يضمن هذا الباب أشهر رسالة كتبت في البخل، وهي رسالة سهل بن هارون التي أنشأها مكيدة في العرب الذين اشتهروا بالكرم فدفعت به شعوبيته وحقده عليهم إلى كتابه رسالة في تمجيد البخل1.
والباب الثالث في الفكاهة، هو آخر كتاب في لآلئ العقد، إنه كتاب اللؤلؤة الثانية وقد جمع فيه ابن عبد ربه أشتاتًا من الفكاهات والأخبار المضحكة والنوادر الطريفة وأكثرها حدث لأعلام معروفين أو جرى لهم، ولا ينسى ابن عبد ربه أن يطرز حواشي هذا الباب كما يفعل دائمًا كلما سنحت له الفرصة أو ساعده المنهج بالأبيات اللطيفة والمقطوعات الطريفة من عذب الشعر ومختاره.
تاسعًا: وهذه الفقرة من تقديمنا للعقد الفريد تتصل بالثقافة العامة التي استهدفها صاحب الكتاب في بعض أبوابه، والحق أنه لا يخلو باب من أبواب الكتاب الخمسة والعشرين وما يتفرع عن كل باب من فصول من كل لون من ألوان الثقافة العامة رغم العمد إلى التخصص الدقيق في الموضوع نفسه، غير أن هناك أكثر من باب من أبواب الكتاب يمكن أن ننسب إلى المؤلف أنه حين كتبها كان يقصد إلى ما يمكن أن يسمى الثقافة الاجتماعية أكثر مما يقصد إلى الثقافة الموضوعية، فمن ذلك النسق مثلًا الباب الذي كتبه في طباع الإنسان وسائر الحيوان وتفاضل البلدان، وهو الذي أطلق عليه "كتاب الزبرجدة الثانية" إنه يتحدث فيه عن النفس والدار واللباس والتزين والتطيب والمشي والركوب ويتحدث عن الحيوان من خيل وبغال وحمير وعن السباع والطير والأنعام، ويتحدث عن مصايد الطير ومصايد السباع، وينحو منحى جغرافيًّا تاريخيًّا حين يتحدث عن بعض الأقطار مثل العراق والشام والجزيرة ومصر وفارس، ويتحدث عن المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى، ثم ينتقل فجأة إلى الحديث عن الطب والحجامة والتعويذ والرقي والسم والسحر والعين والحسد. ومن أبواب الثقافة الاجتماعية في "العقد" كتاب "الفريدة الثانية في الطعام والشراب، وهذا الباب على طرافة عرضه ومحتواه يكاد يكون كتابًا في الصحة العامة" بلغة دراسة الطب في عصرنا الحاضر مع عرض لبعض أنواع الأطعمة التي يقبل عليها من يهتمون بالأكل ويغرمون بلذيذ الطعام. وما دام الشراب يشكل قسمًا من هذا الباب فإن المؤلف يتحدث عن الخمر وبعض الأخبار عمن حد من الأشراف في شربها، والفرق بين الخمر والنبيذ -حسب رأيه ورأي غيره- ومناقضة ابن قتيبة قوله في الأشربة، ويعارض أقواله من خلال منطق النقاش أكثر منه من خلال التحليل والتحريم2. ويكاد
1 العقد "6/ 200".
يقصر ابن عبد ربه حديثه هذا الذي يختص بالشراب على النبيذ، ومن حلل شربه وحجته، ومن حرم شربه وحجته، ويورد رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة.
ويمكن أن نعد كتاب "المرجانة الثانية" في النساء واحدًا من أبواب الثقافة الاجتماعية، فقد ضم الكثير من أخبارهن وصفاتهن ومكرهن وغدرهن والسرية والهجناء، وإن كان هذا الباب قد ضم أحيانًا من فحش القول ما كان يجمل برجل كابن عبد ربه أن يترفع عن ذكره.
هذا عرض سريع موجز للكتاب العظيم النفيس الفريد "العقد الفريد".
ولكن يبقى لنا ملاحظتان على جانب كبير من الأهمية تقتضينا أمانة البحث العلمي أن نعرض لهما في إيجاز:
أولًا: إن ابن عبد ربه وإن كان قد قسم "العقد" إلى خمسة وعشرين كتابًا يحمل كل منها اسم درة من درر عقد الجيد، فإن ذلك لا يعني أنه لم يتأثر إن لم يكن نقل عن العالم المشرقي الجليل ابن قتيبة منهجه في "عيون الأخبار".
إن ابن قتيبة قسم "عيون الأخبار" إلى عشرة كتب، هي كتاب السلطان، كتاب الحرب، كتاب السؤدد، كتاب الطبائع، كتاب العلم، كتاب الزهد، كتاب الإخوان، كتاب الحوائج كتاب الطعام، كتاب النساء.
إن هذه الأقسام بمسمياتها ولفظها قد أخذها ابن عبد ربه، وأطلقها على أهم فصول كتابه، فالكتب الستة الأولى أخذها ابن عبد ربه بمسمياتها وأطلق على كل واحد منها اسم حجر كريم من أحجار عقده، وهي على الترتيب اللؤلؤة في السلطان، الفريدة في الحروب، الزبرجدة في الأجواد والأصفاد وهي تسمية تكاد تساوي "السؤدد" في عيون الأخبار، الزبرجدة الثانية في طبائع الإنسان والحيوان، الياقوتة في العلم، الزمردة في المواعظ والزهد، الفريدة الثانية في الطعام والشراب، المرجانة الثانية في النساء، بقي كتابان في عيون الأخبار هما كتاب الإخوان وكتاب الحوائج لم ينقلهما ابن عبد ربه نصًّا ولكنه ضمن موضوعاتهما أبواب كتابه.
إن ابن عبد ربه عظيم، وكتابه كتاب عظيم، وفيه إضافات وشمول وتناول وأخبار تزيد كثيرًا على ما عند ابن قتيبة، ولكن أمانة العلم كانت تقتضيه أن يشير في مقدمة كتابه، أو في ثناياه إلى أنه استنار بمنهج ابن قتيبة في عيون الأخبار بل استعاره منه، ولكنه لم يفعل، وهذا عيب كبير في دنيا العلم، وهو عوضًا من أن يثني عليه كان يخطئه وينال منه كلما سنحت له المناسبة بذلك، تمامًا كما فعل الأندلسي ابن شهيد حين أخذ هيكل قصته -
1 العقد "6/ 354-356".
التوابع والزوابع- وفكرتها ومنهجها من إحدى مقامات بديع الزمان -المقامة الإبليسية- بل انتفع بمقامات أخرى غير المقامة الإبليسية، كالمقامة المضيرية، والجاحظية، والحمدانية والبغدادية، انتفع بالفكرة وقلد الأسلوب تقليدًا ولكنه أي ابن شهيد لم ينكر على بديع الزمان فضله وحسب، بل حمل عليه وحاول أن ينال من قدره في "توابعه وزوابعه" وهو خلق بعيد عن روح الأمانة العلمية تمنينا لو أن رجلًا عظيمًا كابن عبد ربه قد نأى بنفسه عنه، ورحم الله الحريري العالم العظيم حين استهل مقاماته بذكر الفضل ونسبته إلى صاحبه المبتكر الأول لفن المقامات ومنشئها بديع الزمان الهمذاني.
ثانيًا: ذكر أكثر من مؤرخ من مؤرخي ابن عبد ربه أن الصاحب بن عباد سمع عن العقد الفريد فما زال يسعى في طلبه حتى حصل على نسخة منه وما إن اطلع عليها حتى قال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، فقد ظن أن الكتاب يشتمل على أخبار الأندلس وأدبها فإذا به يشتمل على أخبار المشرق وأدبه.
إن الصاحب بن عباد كان معروفًا بالغلو في أحكامه، بل في أسجاعه، فقد اشتهر بالحرص على السجع في القول والكتابة، وهو صاحب السجعة المشهورة: أيها القاضي بقم، قد عزلناك فقم. فلما بلغ القاضي خبر عزله قال: والله ما عزلني إلا السجعة.
الصاحب إذا -وقد عرف بالمبالغة الشديدة- بالغ في الإقلال من شأن كتاب العقد الفريد، اللهم إلا إذا كان قد لاحظ على الكتاب ما لاحظناه نحن قبل قليل، وهو اغتصابه منهج عيون الأخبار، وما أظنه فطن إلى ذلك وإلا فما كان يفوته أن يذكر ذلك.
وأما عبارة هذه بضاعتنا ردت إلينا، فليس العلم بضاعة تمتلك أو سلعة تباع وتشترى وإنما العلم ملك للجميع، ولقد كان الأندلسي العالم على وعي بأن بلاده في حاجة إلى علم المشرق حيث لم يكن العلم وافرًا ناضجًا متألقًا إلا في المشرق، والأندلسيون محتاجون إلى هذا العلم في زمن ابن عبد ربه وبعد زمنه، وهذا أبو علي القالي يدخل الأندلس بعد وفاة ابن عبد ربه فلا يجد من العلم ما يؤدب به القوم إلا علم المشرق وأدبه فيملي دروسه التي جمعت في كتاب مشهور كل الشهرة عرف "بالأمالي" حسبما سبق القول أكثر من مرة، وهو من عيون الكتب في العربية ولا بد أن الصاحب قد سمع به، وبامتداح العلماء له، ومع ذلك لم يقل في حقه كلمة تنال منه.
هذا والصاحب نفسه هو صاحب التمجيد الغالي لكتاب الأغاني للأصبهاني حسبما سوف نوضح في الفصل التالي، وقال عنه: إنه كان يستغني به عن مكتبة كاملة، مع أن الأغاني قد جمع بين الغث الموغل في التدني، والسمين النفيس، ولبس العقد كذلك، فالعقد يعتمد على العلم الجاد في معظمه، والأغاني يعتمد على القيان والغرائز بنسبة يمكن القول إنها أكثر
من كبيرة.
هذا فضلًا عن أن العقد حوى الكثير من فيض خواطر ابن عبد ربه وذوب نفسه ورهافة حسه، أعني بذلك شعره العذب الرقيق الجميل، وهو من خلال العقد -أي الشعر- هدية الأندلس إلى المشرق فيما لو قبلنا من الصاحب قولته: هذه بضاعتنا ردت إلينا، ولكننا لسنا بفاعلين.
هاتان ملاحظتان على جانب من الأهمية راعينا في إبدائهما التجرد العلمي والنصفة في الحكم ملاحظة آخذنا من خلالها المؤلف، والأخرى دافعنا عنه من خلالها دفاعًا نحن به مقتنعون.
وبعد فإن العقد الفريد عقد ثمين في جيد "العربية" حسنًا وأدبًا ونفاسة وقيمة وتراثًا.