الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس: أحمد بن أبي طاهر "ابن طيفور
"
…
الفصل السادس: أحمد بن طيفور 204-280هـ:
إن أحمد بن أبي طاهر المشهور بابن طيفور واحد من سدنة المكتبة العربية الذين أسهموا في إثرائها بالعديد من الكتب النفيسة والمؤلفات القيمة في بكرة نشأتها الفنية الغنية المباركة، وهو معاصر للنخبة الممتازة من أعلام الفكر الإسلامي ورواد المعرفة العربية مثل ابن قتيبة الدينوري المتوفى 276 وأبي حنيفة الدينوري المتوفى 282هـ وأبي العباس المبرد المتوفى 286، وأبي العباس ثعلب المتوفى 291. لقد كان عصرًا فنيًّا من عصور دنيا المعرفة والفكر والتأليف بحيث يحار المرء في تقويمه، وما إذا كان عصر طفولة التأليف أم عصر شبابه، وإن الأمر يكاد يشتبه على القارئ الدارس المستقصي، فإذا كان لكل ظاهرة متطورة طفولة ويفاع وشباب وهرم وشيخوخة، فإنه في ضوء المقاييس المنطقية تكون هذه الفترة التي نحن بسبيل الحديث عنها فترة الطفولة أو على الأكثر فترة البقاع. فإذا أمعنا النظر في كثرة التآليف ووفرة الآثار العلمية ونفاسة قيمتها وعمق تناولها لا نتردد في الحكم على تلك الفترة إلا بأنها فترة شباب للمعرفة الإسلامية، ذلك الشباب الذي بدأ يغير طفولة ثم استمر حقبة من الزمان طويلة تفوق شباب معرفة أي أمة من أمم الأرض ذات الحضارة العقلية والتراث الإنساني.
وإذا كان أبو العباس المبرد العالم الجليل الذي عاصره ابن طيفور وخالطه وشاكسه صاحب أدب يغلب عليه طابع اللغة. وإذا كان أبو العباس ثعلب يغلب عليه النحو واللغة والرواية. وإذا كان أبو حنيفة الدينوري تغلب عليه صفة الشمول الثقافي بين تاريخ ورواية وأخبار ولغة وهندسة ورياضة ونجوم، فإن ابن طيفور تغلب عليه صفة الأدب وتاريخه والتأليف فيهما، وبخاصة أخبار الشعراء مع إسهام في التأليف التاريخي والأخبار والنوادر
والملح والرواية.
كان ابن طيفور قد أعد نفسه لميدان المعرفة التي أصبح واحدًا من فرسانها، فاتبع الطريق نفسه الذي سار عليه أعلام زمانه؛ وذلك بالتوفر على التحصيل والتتلمذ على الأعلام والسماع منهم، فحدث عن عمر بن شبة، وأحمد بن الهيثم السامي، وعبد الله بن سعيد الوراق وغيرهم من علماء الزمان، وكان ابن طيفور ينعت المبرد بالكذب، وقد مر بيتاه اللذان قالهما في هذا الغرض:
كملت في المبرد الآداب
…
واستقلت في عقله الألباب
غير أن الفتى كما زعم النا
…
س دعي مصحف كذاب
والذي يتهم الناس بالكذب، خاصة إذا كانوا من الصفوة الثقات الأعلام لا يسلم بدوره من أن يجد من يخلع عليه الصفات نفسها، فقد وصفه جعفر بن أحمد في كتابه "الباهر" حسبما نقل عنه ياقوت أنه مؤدب كتَّاب، وأنه عامي ثم تخصص وجلس في سوق الوراقين. ثم يستطرد جعفر بن أحمد قائلًا1: ولم أر من شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفًا منه، ولا أبلد علمًا، ولا ألحن
…
وكان أسرق الناس لنصف بيت وثلث بيت.
وإن طابع المبالغة يغلب على رواية صاحب "الباهر" إذ إن ابن طيفور صاحب فضل وافر وعلم غزير وإنتاج نفيس، وهو في الوقت نفسه ليس بنجوة من أن يهفو هفوات العلماء، أو أن يكبو كبوات الجياد، تمامًا كما هفا المبرد، ولكن ذلك لم ينل من قدره أو يحط من شأنه.
وأحمد بن أبي طاهر طيفور يعد من الأدباء الظرفاء، فهو صاحب طرف وملح، بعضها صدرت عنه عملًا، والبعض الآخر صدر عنه قولًا، وبعضها كان يقرن فيه الفعل بالقول، فمن طرقه التي تصل إلى حد الحماقة أنه وصديقه أبا دهقان وقعا في عسر مالي شديد وبحثا عن طريقة يحصلان بها على مال، فاتفقا على أن يتظاهر ابن طيفور بالموت وسجي في فراشه وفي الوقت نفسه ذهب أبو دهقان إلى المعلى بن أيوب، أحد قواد المأمون، ليعلمه بموت صديقه ويحصل منه على ثمن الكفن، ورغم أن الحيلة انكشفت إلا أنهما حصلا على جملة من الدنانير أقالت عسرهما.
وابن طيفور شاعر على ما مر بنا، وأكثر شعره مقترن بحادثة طريفة أو نكتة فكهة، فقد مدح الحسن بن مخلد وزير المعتمد، فأمر له بمائة دينار وأمره أن يذهب إلى "رجاء" الخادم
1 معجم الأدباء "3/ 88".
ليحصل عليها منه، فذهب ابن طيفور إلى رجاء الذي اعتذر عن صرف المال قائلًا إن مولاه لم يأمره بشيء، فكتب ابن طيفور إلى الحسن هذين البيتين الفكهين:
أما "رجاء" فأرجا ما أمرت به
…
فكيف إن كنت لم تأمره يأتمر
بادر بجودك مهما كنت مقتدرًا
…
فليس في كل وقت أنت مقتدر
وقد مر بيتاه في المبرد:
ويوم كحر الشوق في صدر عاشق
…
على أنه منه أحر وأومد
ظللت به عند المبرد قائلًا
…
فما زلت في ألفاظه أتبرد1.
وللبيتين قصة طريفة، فقد خرج ابن طيفور -فيما يحكيه عن نفسه- من منزل أبي الصقر "لعله أبو الصقر إسماعيل بن بلبل" نصف النهار في شهر تموز "يوليه" فقلت: ليس بقربي منزل أقرب من منزل المبرد، إذ كنت لا أقدر أن أصل إلى منزلي بباب الشام. فجئته فأدخلني إلى حويشة له، وجاء بمائدة فأكلت معه لونين، وسقاني ماء باردًا، وقال لي: أحدثك إلى أن تنام، فجعل يحدثني أحسن حديث، فحضرني لشؤمي وقلة شكري بيتان، فقلت: قد حضرني بيتان، فهل أنشدهما؟ فقال: ذاك إليك، وهو يظن أني قد مدحته، فأنشدته:
ويوم كحر الشوق في صدر عاشق
- البيتين
فقال لي: قد كان يسعك إذا لم تحمد ألا تذم، ومالك عندي جزاء إلا أن أخرجك، والله لا جلست عندي بعد هذا، فأخرجني. فمضيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت من الحر الذي نالني مدة، فعدت باللوم على نفسي2.
وهكذا شأن الظرفاء وأصحاب الفكاهات، لا يتردد الواحد منهم عن إيراد النكتة ولو كان الثمن الذي يعود عليه ضررًا بالغًا، وهذه الحادثة على فكاهتها تبين كرم المبرد وأنسه، وهي في الوقت نفسه ربما تميط اللثام عن الأسباب الكامنة وراء هجاء ابن طيفور للمبرد ووصفه بالتصحيف والكذب.
ولابن طيفور في الحياة فلسفة وتعليل دفعا به إلى اصطناع الكذب أحيانًا، فهو يرى أن انحراف الناس في أخلاقهم، وحيدهم عن الجادة، وابتعادهم عن الصدق، ورغبته هو نفسه في أن ينصر الصدق -كل ذلك قد أفضى به إلى اصطناع الكذب. إنها أخلاق الناس في كل زمان ومكان، وليس في زمان ابن طيفور نفسه، وسواء وافقناه على فلسفته أم خالفناه -ونحن لا شك مخالفوه- فبيتاه لا يخلوان من طرافة وحسن تعليل وواقعية مريرة:
1 أومد: من الومد وهو صميم الحر. قائلًا، من القيلولة، أي قضاء فترة القيلولة التي يشتد فيها الحر.
2 معجم الأدباء "3/ 90".
قد كنت أصدق في وعدي فصيرني
…
كذابة، ليس ذا في جملة الأدب
يا ذاكرًا: خلت عن عهدي وعهدكم
…
فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب
وابن طيفور يسجل ذكرياته ونبواته في شعره ويطلب من الله الصفح والمغفرة، فقد كان للأديرة أثرها في شعر المجون، وكان المسافرون يجعلون من الأديرة محطات يبيتون فيها. وكذلك كان يفعل الشعراء الذين كانوا يترددون عليها عامدين إلى قضاء أيام فيها يشربون من خمرها المعتق وينادمون رهبانها الذين كانت لهم مشاركة في الشعر والأدب. إن ابن طيفور يعود إلى بغداد بعد رحلة له إلى "سر من رأى" فيأخذ عليه المطر طريقه قرب دير السوسن بعيدًا عن "سر من رأى" فيميل إليه مع غلامه ويقضي الليل شاربًا سكرانًا معربدًا حتى إذا كان الصباح انصرف منشدًا:
سقى سر من را وسكانها
…
وديرًا لسوسنها الراهب
سحاب تدفق عن رعده الـ
…
ـصفوق وبارقه الواصب
فقد بت في ديره ليلة
…
وبدر على غصن صاحبي
غزال سقاني حتى الصبا
…
ح صفراء كالذهب الذائب
ويمضي ابن طيفور في وصف ليلته المعربدة ثم ينهي أبياته بقوله:
فيا رب تب واعف عن مذنب
…
مقر بزلته تائب
إن أحمد بن طيفور أديب شاعر، ونديم ظريف فكه، ولين الأخلاق ظريف المعاشرة راوية وراق، على ما أسلفنا من ذكر عمله وأدبه وأخباره، وإنه لشيء طبيعي بعد ذلك أن يكون إنتاج ابن طيفور وتآليفه صورة لثقافته ومسلكه وطبيعته، وبالتالي تكون تآليفه في الأدب والأدباء والشعر والشعراء والتاريخ والأخبار والرواية.
إن ابن طيفور واحد من أولئك الذين ألفوا عددًا ضخمًا من الكتب الأدبية يناهز الخمسين، فقد عدد له ياقوت واحدًا وخمسين كتابًا، وعدد له ابن النديم من قبله حوالي ستين كتابًا يقع بعضها في بضعة عشر جزءًا.
هذا ويمكن تصنيف كتب ابن طيفور في نطاق الموضوعات الآتية:
أولًا: موضوعات أدبية عامة، وتاريخ أدب، وأخبار أدبية ونقد، ويمكن أن يندرج تحتها كتبه التالية:
1-
كتاب المنثور والمنظوم أربعة عشر جزءًا.
2-
كتاب سرقات الشعراء.
3-
كتاب المؤلفين.
4-
كتاب المختلف من المؤتلف.
5-
كتاب الموشى.
6-
كتاب مفاخرة الورد والنرجس.
7-
كتاب الحيل، وهو كتاب كبير.
8-
كتاب الطرد.
9-
كتاب سرقات البحتري من أبي تمام.
10-
كتاب رسالة إبراهيم بن المدبر.
ثانيًا: موضوعات قصر المؤلف فيها جهده على الشعر والشعراء وقدم مختارات لكل شاعر أنس في شعره الجودة والجدة. ولو وصلت إلينا هذه الكتب لكانت غيرت الكثير من مقايسنا للشعر وتصنيفنا لمقامات الشعراء الذين اقتصرت دراسات الدارسين على شعرهم الذي بين أيدينا الآن. وأما هذه الكتب التي كتبها ابن طيفور في هذا النطاق فهي:
1-
كتاب أسماء الشعراء الأوائل.
2-
كتاب ألقاب الشعراء، ومن عرف بالكنى ومن عرف بالاسم.
3-
كتاب من أنشد شعرًا وأجيب بكلام.
4-
كتاب مقاتل الشعراء.
5-
كتاب الجامع في الشعراء وأخبارهم.
6-
كتاب اختيار أشعار الشعراء.
7-
كتاب اختيار شعر بكر بن النطاح.
8-
كتاب اختيار شعر العتابي.
9-
كتاب اختيار شعر منصور النمري.
10-
كتاب اختيار شعر أبي العتاهية.
11-
كتاب اختيار شعر بشار.
12-
كتاب أخبار مروان وآل مروان واختيار أشعارهم.
13-
كتاب أخبار ابن ميادة.
14-
كتاب أخبار ابن هرمة ومختار من شعره.
15-
كتاب أخبار ابن الدمينة.
16-
كتاب أخبار وشعر عبد الله بن قيس الرقبات.
ثالثًا: كتب في التاريخ والسياسة وفيها -طبقًا لاستنتاجنا- سمات أدبية، والكتب التي تندرج تحت هذه الموضوعات هي:
1-
كتاب بغداد.
2-
كتاب المعروفين من الأنبياء.
3-
كتاب الحجّاب.
4-
كتاب مرتبة هرمز بن كسرى بن أنوشروان.
5-
كتاب خبر الملك العالي في تدبير المملكة والسياسة.
6-
كتاب جمهرة بني هاشم.
7-
كتاب مقاتل الفرسان.
رابعًا: كتب طرق المؤلف فيها موضوعات أخلاقية وفكاهية موسومة بالسمة الأدبية ويندرج تحت هذه الموضوعات الكتب التالية:
1-
كتاب الرسالة: في النهي عن الشهوات.
2-
كتاب فضل العرب على العجم.
3-
كتاب الملك البابلي والملك المصري الباغيين، والملك الحكيم الرومي.
4-
كتاب المصلح والوزير المعين.
5-
كتاب الهدايا.
6-
كتاب المعتذرين.
7-
كتاب المؤنس.
9-
كتاب أخبار المتظرفات.
خامسًا: كتاب واحد في اللغة هو كتاب المشتق.
سادسًا: كتب تشمل موضوعات عامة وهي:
1-
كتاب لسان العيون.
2-
كتاب الغلة والغليل.
3-
كتاب الرسالة إلى علي بن يحيى.
4-
كتاب الجواهر.
وهكذا تثمر حياة ابن طيفور هذا العدد الكبير من المؤلفات التي تشكل ثروة أدبية كبرى، ذلك أن أكثر كتبه على ما أوضحنا تتناول الأدب وأخباره من شعر ونثر وتقدم تأريخًا
وإنتاجًا بشكل مباشر حينًا وتطرق أبوابه بشكل غير مباشر حينًا آخر.
إن الخسارة التي مني بها التراث بضياع مؤلفات ابن طيفور خسارة جسيمة، ذلك أنه قدم دراسات وأورد أشعارًا لشعراء نعترف بعظمتهم وتفوقهم ولكن ليس لدينا إلا متفرقات من آثارهم، ومن هؤلاء الشعراء: العتابي، ومنصور النمري، وابن ميادة، وابن هرمة، وابن الدمينة.
ومن آثار ابن طيفور التي وصلت إلينا المجلد السادس من كتابه "بغداد" وبذلك يكون ابن طيفور قد سبق أحمد بن علي الخطيب البغدادي صاحب "تاريخ بغداد، أو مدينة السلام" بما يقارب قرنين من الزمان، فإن ابن طيفور توفي سنة 280هـ والخطيب البغدادي توفي سنة 463 ومن الطريف أن كلا من الكتابين يقع في أربعة عشر مجلدًا.
هذا ولقد قام المستشرق السويسري كلر keller بتحقيق هذا المجلد السادس من كتاب بغداد لابن طيفور ونشره، وهو يتضمن سيرة المأمون ويؤرخ للحوادث التاريخية ما بين عامي 204 و 218 هجرية.
وأما كتاب "المنثور والمنظوم" الذي يقع في أربعة عشر جزءًا، فقد وصل إلينا منه مجلدان اثنان هما الحادي عشر والثاني عشر، فأما الحادي عشر فلقد طبع تحت عنوان "بلاغات النساء وطرائف كلامهن، وملح نوادرهن، وأخبار ذوات الرأي منهن، وأشعارهن في الجاهلية والإسلام" لقد وضع ناشر الكتاب هذا العنوان الطويل الذي يكاد يشكل فهرسًا لمحتويات الكتاب، ولكن لا بأس في ذلك، فإن هذا العنوان يدل دلالة واضحة على مدى الجهد الذي يبذله المؤلف في جزء واحد من أجزائه، فكيف يكون محتوى الأجزاء الأربعة عشر على هذا القياس!! وأما المجلد الثاني عشر فلا يزال مخطوطًا.
وابن طيفور في هذا الجزء من "المنثور والمنظوم" الذي طبع تحت عنوان "بلاغات النساء" يعتبر من أطراف الكتب موضوعًا وأنفسها قيمة، وأكثرها احتواء لكل نادر من القول وكل طريف من الحوادث، وكل ما أملاه الذهن المتوقد به سرعة البديهة وقوة العارضة للمرأة العربية.
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يدل الكتاب على ظاهرة في التأليف العربي المبكر لها قيمتها وخطرها، ونعني بذلك ظاهرة التخصص، فهذا الجزء من مؤلف ابن طيفور يتعلق ببلاغة المرأة وأخبارها، وليس فيه من شيء يتعلق بالرجال إلا إذا كان مرتبطًا بالمرأة صاحبة الخبر أو النادرة أو النص الأدبي، ومن ثم يكون العرب قد عرفوا التخصص الباكر حينما بدأوا يرفدون المكتبة العربية النافع من فيض عقولهم وعطاء قرائحهم.
فإذا ما انتقلنا إلى منهج المؤلف في تأليف كتابه وجدناه قدم مادته في نطاق ما يمكن أن نسلم بأنه منهج علمي حديث وتبويب ظاهر الاتساق والتناسب، باستثناء بعض الاستطراد أو الخبر المقحم بين الحين والحين، ولا بأس عليه في ذلك، فالكتاب في منتصف القرن الثالث الهجري تقريبًا.
أما الموضوعات التي طرق المؤلف أبوابها فيمكن عرضها على المنهج الآتي:
أولًا: بلاغة بعض أمهات المؤمنين مثل السيدة عائشة والسيدة حفصة، ونماذج من أقوالهن وخطبهن في مناسبات متعددة، ونماذج من بلاغة نساء آل بيت الرسول في مقدمتهن البتول فاطمة الزهراء والسيدتان زينب وأم كلثوم ابنتا علي بن أبي طالب، ثم نماذج أخرى لبلاغة شهيرات النساء اللاتي ساعدن علي بن أبي طالب بخطبهن وبلاغتهن، والإتيان بصورة لمواجهاتهن لمعاوية بعد أن اعتلى دست الحكم، وما جرى بينه وبين كل واحدة منهن من حوار، فقد حرص معاوية على أن يواجه أكثر النساء الائي ساعدن عليًّا ضده، ولكنه كان من الحصافة بحيث لم يوقع بواحدة منهن أذى بل ربما أحسن إلى بعضهن، فمن هؤلاء النساء البليغات اللاتي واجهن معاوية: سودة بنت عمارة، والزرقاء بنت عدي، وبكارة الهلالية، وأم الخير بنت الحريشي وأخريات. كما اهتم هذا الباب من الكتاب ببليغات باسلات أخريات مثل صفية المنقرية وأسماء بنت أبي بكر، الأولى وهي وافقة على قبر قريبها الأحنف بن قيس ترثيه، والثانية وهي تحاور ولدها عبد الله بن الزبير وتدفع به إلى قتال جيش الأمويين. كما أورد الكتاب نصوصًا أخرى كثيرة بليغة وألوانًا عديدة من الحوار الممتع الذي جرى على ألسنة النساء العربيات اللاتي من بينهن كثيرات من الأعلام.
ثانيًا: الاهتمام بالمرأة وبلاغتها في الجاهلية وإيراد نماذج عديدة لقوة عارضة المرأة العربية في الجاهلية ولسنها وسرعة بديهتها وحصيلتها الكبيرة من الألفاظ القوية، والدقة المتناهية في استعمالها، مثل ذلك الحوار الذي جرى بين جمعة وهند ابنتي الخس والقلمس الكناني في سوق عكاظ، وسوف نعرض طرفًا منه بعد قليل.
ثالثًا: كلام النساء العربيات وبلاغتهن في وصف حياتهن الاجتماعية وصلاتهن بأزواجهن بين مدح وقدح ورضى ونقد، ومنازعات الضرائر ووصايا الأمهات لبناتهن عند الزواج ومشاحنات الفتيات وزوجات أبيهن -كل ذلك يجري شعرًا ونثرًا تمشيًا أمينًا مع العنوان الكبير للكتاب وهو المنثور والمنظوم، وسوف نعرض بعد قليل أنموذجًا لهذا اللون الطريف من خلال الحوار الذي جرى بين بنت روح
ابن زنباع وزوجها النعمان بن بشير، وآخر جرى بين فتاة وأمها في شأن اختيار الزوج.
رابعًا: أخبار ذوات الرأي والظرف من النساء وأقوال جرت على ألسنتهن ونوادر حدثت لهن روينها في ظرف وفكاهة، مثل حديث عاتكة بنت عبد الله بن مطيع مع الوليد بن عبد الملك حين تزوجها، وكان مزواجًا مطلاقًا، وعائشة بنت عثمان حين خطبها سعيد بن العاص، والحجاج وهند بنت أسماء بن خارجة، وفي هذه النوادر يجمع المؤلف بين أخبار القيان والإماء ونوادرهن، وإلى نوادر العربية المسلمة نوادر العربية الجاهلية. وهذا القسم من الكتاب يقدم متعة نفسية وذهنية نفيسة، والنوادر -حسب منهج الكتاب- وردت منثورة ومنظومة.
خامسًا: خصص المؤلف قسمًا لأخبار النساء الماجنات وأحاديثهن، وهو ما يسمى بالأدب المكشوف، وكل ما أورده المؤلف في هذا القسم من كتابه يخدش الحياء وينفر منه الذوق السليم، ولكن يبدو أن قطاعًا من مجتمع ذلك الزمان -شأن كل زمان- كان يقبل على قراءة هذا اللون من الأخبار.
سادسًا: أفرد المؤلف قسمًا من هذا الجزء من كتابه لأشعار النساء العربيات في الجاهلية والإسلام، وعصر بني أمية ومستهل عصر العباسيين، ولم ينس أشعار الإماء أيضًا، فجاء بنصوص طريفة لليلى الأخيلية وشعرها في توبة بن الحمير العقيلي، والخنساء وأخبارها ومراثيها في أخيها صخر، فضلا عن نماذج عديدة لشاعرات عديدات ينتسبن إلى مختلف القبائل، مثل جنوب الهذلية، والفارعة بنت معاوية القشيرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية التي أرادت الزواج من عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول صلى الله عليه وسلم، والجوزاء بنت عروة البصري، ومارية بنت الديان. ومن الطريف أن كل نص شعري جاء به المؤلف إلى هذا الباب ربطه بحادث تاريخي، أو خبر اجتماعي، أو طرفة تسري عن الأديب وتفيد المتأدب.
هذا وفي الكتاب بعض الأساطير الطريفة مثل قصة ملكة سبأ وحوارها مع نساء متزوجات زين لها الزواج فعزمت على الزواج على مسئوليتهن، إن أصابت خيرًا من خلاله نالهن منها خيرًا، وإن لم تحمد نتيجة الزواج أصابتهن بضر شديد.
والكتاب إلى جانب ذلك مليء بالكنوز من شعر الترقيص الذي كان يجري على لسان الرجل العربي، وهو يداعب وليده، والمرأة العربية وهي تلاعب صغيرها. وكثيرًا ما كان يستعمل هذا اللون من شعر الترقيص كحوار غير مباشر بين الزوج وزوجه.
وإذا كان الكتاب كنزًا لشعر الترقيص، فهو في الوقت نفسه معين ثر للنوادر العربية
والملح الأدبية شعرًا ونثرًا.
ذهبت جمعة وهند بنتًا الخس إلى سوق عكاظ في الجاهلية، فاجتمعنا عند القلمس الكناني، فقال لهما: إني سائلكما لأعلم أيكما أبسط لسانًا وأظهر بيانًا وأحسن للصفة إتقانًا، قالتا: سلنا عما بدا لك، فستجد عندنا عقولًا ذكية، وألسنة قوية، وصفة جلية، فأخذ يوجه إلى الواحدة منهما السؤال فتجيب عنه بأبلغ لسان وأعمق بيان ولا تكاد تنتهي الأخت من إجابتها حتى تلتقط الأخت الثانية حبل الحديث وتضيف إلى كلام أختها جديدًا. سألهما عما يمدح ويذم من الإبل والخيل والماعز والسحاب والنساء والرجال وغير ذلك، وهما تجيبان إجابة المرأة البليغة العارفة الحكيمة المثقفة، فلنستمع إلى رأي الأختين في النساء والرجال:
قال القلمس كلتاكما محسنة، فأي النساء أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أُحب الغريرة العذراء الرعبوبة العيطاء الممكورة اللفاء ذات الجمال والبهاء والستر والحياء، البضة الرخصة كأنها فضة بيضاء1. قال: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت جارية هي حاجة الفتى ونهبة الرضا2 وغيرها أحب إلي منها. قال: فقولي. قالت: أحب كل مشبعة الخلخال ذات شكل ودلال وظرف وبهاء وجمال. قال القلمس: كلتاكما محسنة فأي النساء أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض كل سلفع بذية، جاهلة غيية، حريصة دنية، غير كريمة ولا سرية، ولا ستيرة ولا حيية 3، قال: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت امرأة صاحبها خليق أن لا تصلح له حال، ولا ينعم له بال، ولا يثمر له مال، وغيرها أبغض إلي منها. قال: فقولي. قالت: أبغض المتجرفة الشوهاء، المنفوحة الكبداء، العنفص الوقصاء، الحمشة الزلاء، التي إن ولدت لم تنجب وإن زجرت لم تعتتب وإن تركت طفقت تصخب4 قال القلمس: كلتاكما محسنة فأي الرجال أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أحب الحر النجيب، السهل القريب، السمح الحسيب، الفطن الأريب، المصقع 5 الخطيب، الشجاع المهيب. قال القلمس: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: وصفت رجلًا سيدًا جوادًا ينهض إلى الخير صاعدًا، ويسرك
1 الغريرة: الطاهرة الخُلُق "بالضم" ومن لا تجربة لها والرعبوبة البيضاء الحسنة أو الناعمة. والعيطاء: الطويلة العنق، والممكورة: المستديرة الساقين، واللفاء: الضخمة الفخذين والبضة: الرقيقة الجلد الممتلئة، والرخصة: الناعمة.
2 نهاية الرضاء.
3 السلفع: السيئة الخلق، والسرية: ذات المروءة في شرف.
4-
المتجرفة: الهزيلة المضطربة. والمنفوحة: من نفح العرق نزى منه الدم. والكبداء من كبد مرض. والعنفص القليلة الحياء والجسم في خبث. والوقصاء القصيرة العنق، والحمشاء الدقيقة الساقين. والزلاء الخفيفة الوركين تعتتب من اعتتب رجع عن أمر كان فيه. والصخب شدة الصوت. وطفقت استمرت.
5 المصقع: الجهوري الصوت في فصاحة وثبات.
غائبًا وشاهدًا، وغيره أحب إلي منه. قال: فقولي. قالت: أحب الرحب الذراع، الطويل الباع، السخي النفاع المنبع الدفاع، والدهمي المطاع، البطل الشجاع، الذي يحل باليفاع، ويهين في الحمد المتاع1. قال: كلتاكما محسنة فأي الرجال أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض السآلة اللئيم، البغيض الزنيم، الأشوه الدميم، الظاهر المعصوم، الضعيف الحيزوم2. قال: كيف تسمعين يا هند، قالت: ذكرت رجلًا خطره صغير، وخطبه يسير وعيبه كثير، وأنت ببغضه جدير3 وغيره أبغض إلي منه، قال: فقولي قالت: أبغض الضعيف النخاع4 القصير الباع الأحمق المضياع الذي لا يكرم، ولا يطاع، قال القلمس: كلتاكما محسنة.
ومن المحاورات الطريفة الحكيمة تلك التي جرت بين أم تحسن لابنتها الزواج من شيخ له مال وزعامة ورئاسة، والابنة ترد عليها مفضلة الشاب زوجًا ولو كان بلا مال. فقد رحل الحارث بن السليل الأسدي زائرًا لعلقمة بن حفصة الطائي وكان حليفًا له، فنظر إلى ابنة له يقال لها الرباب، وكانت أجمل أهل زمانها، فأعجب بها فقال: جئتك خاطبًا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، وينجح الراغب. فقال علقمة: أنت كفؤ كريم، ثم انكفأ5 إلى أمها فقال: الحارث بن السليل سيد قومه حسبًا ومنصبًا وبيتًا، أتانًا خاطبًا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته فأريدي 6 ابنتك على نفسها في أمره. فقالت: يا بنية أي الرجال أحب إليك الكهل الحجحاج7، الفاضل الهياج أم الفتى الوضاح، الذمول الطماح؟ قالت الجارية: الطماح، قالت: إن الفتى يغيرك8، وإن الشيخ يميرك، وليس الكهل الفاضل، الكثير النائل، كالحدث السن، الكثير المن، قالت: يا أمه، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاة أنيق الكلا 9، قالت: يا بنية إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، وإن الكهل لين
1 النفاع الاسم من النفع، والدهشمي الكريم. واليفاع العلو. ويهين الخ أي أنه يهين ماله ببذله إياه في اكتساب الحمد.
2 السآلة -بتشديد الهمزة الممدودة- الكثير السؤال. والزنيم المعروف باللؤم والشر أو الدعي في نسبه، والعصوم الأكوال، والحيزوم الصدر.
3 خطوه قدره، وخطبه شأنه.
4 النخاع مخ العظم وضعفه يكون من ضعف البنية.
5 رجع.
6 راودي.
7 العظيم الجانب.
8 من أغار أهله تزوج عليها فغارت.
9 أي معجب العشب عشب الرعي.
الجناح1، قليل الصياح: يا أمه أخشى الشيخ أن يدنس ثيابي، ويبلى شبابي، ويشمت بي أترابي2، فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث بن السليل على خمس ديات من الإبل وخادم وألف درهم. فابتنى بها3 ورحل إلى قومه، فبينما هو جالس ذات يوم بفناء مظلته وهي إلى جنبه إذ أقبل فتية من بني أسد نشاط يعتلجون ويصطرعون فتنفست صعداء4 ثم أرخت يمينها بالدموع. فقال لها: ثكلتك5 ما يبكيك؟ قالت: مالي والشيوخ الناهضين كالفروخ! قال: ثكلتك أمك، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فذهبت مثلًا. وقال: الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك. فقالت: أسر من الرفاء6 والبنين.
ولعل هذا الحوار يكشف لنا عن ظاهرة اجتماعية كريمة في المجتمع العربي المبكر وهو أن الفتاة كانت تستشار في أمر زواجها.
ومن طرائف الأحاديث البليغة، هذا الحوار الذي جرى بين حميدة بنت النعمان بن بشير وروح بن زنباع، فقد لحظ يومًا أنها تنظر إلى بعض بني قومه من قبيلة جذام وقد اجتمعوا عنده، فلامها على ذلك محاولًا توبيخها، فردت عليه قائلة مستنكرة: وهل أرى إلا جذامًا؟ !! فوالله ما أحب الحلال منهم فكيف بالحرام، ثم قالت تهجوه:
بكى الخز من "روح" وأنكر جلده
…
وعجت عجيجًا من جذام المطارف
وقال العبا قد كنت حينًا لباسهم
…
وأكسية كردية وقطائف
فنالت منه ومن قومه الذين بكى الحرير واشتكت المطارف من جلودهم وأجسادهم؛ لأنهم ليسوا أهل نعمة.
ومن منظوم العربيات العفيفات الوفيات ما ساقه المؤلف في هذه القصة الطريفة:
قال رجل: خرجت في بغاء بعير لي فسقطت على امرأة في فناء ظلها لم أر لها شبهًا، فقالت: ما أوطأك رحلنا يا عبد الله؟ قلت: بعير لي أضللته فأنا في التماسه. قالت: أفلا أدلك
1 أي الجانب.
2 نظرائي في السن.
3 زفها أو تزوجها.
4 يعتلجون يتصارعون ويتقاتلون. صعداء أي تنفسًا طويلًا.
5 أي فقدتك من الثكل وهو فقدان الحبيب.
6 الاتفاق.
على من هو أجدى عليك في بعيرك منا؟ قلت: بلى. قالت: الله فادعه دعاء واثق لا مختبر. قال: فشغلتني والله بقولها عن وجهها. فقلت: يا هذه أذات بعل أنت؟ قالت: كان فمات يرحمه الله. فقلت: هل لك في بعل لا يعصيك؟ فأكبت على الأرض طويلًا ثم رفعت رأسها، فقالت:
كنا كغصنين في أرض غذاؤهما
…
ماء الجداول في روضات جنات
فاجتث خيرهما من أصل صاحبه
…
دهر يكر بأحزان وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمن
…
أن لا يواصل أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضًا فشط به
…
ريب المنون لمقدار وميقات
فاصرف عنانك عمن ليس يصرفه
…
عن الوفاء خلابات التحيات
إن كتاب المنثور والمنظوم -الذي فقدنا منه اثنى عشر مجلدًا- يعتبر في ضوء القليل الذي وصل إلينا منه من أنفس ما ألف في الأدب العربي منهجًا وموضوعًا ونصوصًا وأخبارًا.
إنه بالجاحظ وابن قتيبة وأبي حنيفة الدينوري وأبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وأحمد بن طيفور وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وغيرهم من صفوة العلماء الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الثاني وطوال القرنين الثالث والرابع -الذين سوف نعرض لهم بالحديث بعد قليل- تكون أعمدة المكتبة العربية قد أرسيت على أساس ثابت، وتكون أركانها قد تأصلت، ويكون التأليف الذي يتصف بتعدد الموضوعات وشمولها لمؤلف واحد قد وصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل العقل البشري إليه في مثل تلك الحقبة القصيرة من الزمان.
وإن المرء ليصاب بالدهشة الحقيقية حين يراقب هذه الظاهرة الغريبة في أمة لم تعرف القراءة، وإذ بها في أقل من ثلاثة قرون تصبح سيدة أمم زمانها علمًا ومعرفة وثقافة وتأليفًا وعدد علماء ووفرة مؤلفات.
ونعود لكي نسائل أنفسنا مرة أخرى، هل كان للمكتبة العربية مراحل ميلاد وطفولة ويفاع حتى وصلت إلى مرحلة الشباب التي غمرت من خلالها بألوان العلوم وفروع المعرفة العديدة الأصيلة، ثم لا نلبث أن نحار في الإجابة، فإننا لا نكاد نلمس للمكتبة العربية مرحلة
طفولة بالمعنى الصحيح، وإنما المنصف من العلماء لا يستطيع إلا أن يراها، وقد ولدت شابة قوية خصبة معطاة، إن الأمر جد يسير ويكمن في العقيدة الجديدة التي آمن بها العرب، والتي أول آية من آيات كتابها العزيز:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} .