الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موسى سنة حوالي 652 هـ مرورًا بعبد الملك بن سعيد، وأبي جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد، ومحمد بن عبد الملك بن سعيد، وموسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، غير أن كلمة حق، وقد رافقنا المسيرة الطويلة لتأليف هذا الكتاب الغريب في قصة تأليفه -تدعونا إلى أن نقرر أن صاحبي الفضل الأكبر والنصيب الأوفى في إخراج هذا الكتاب إلى عالم الثقافة هما أبو الحسن علي بن موسى، وأبوه موسى بن محمد بن عبد الله بن سعيد.
بل إن كتاب "المشرق في حلى المشرق" لم يكن من تأليف علي وحده، وإنما كان قد وضع خطته ورسم فكرته مع أبيه الأمير العالم موسى بن محمد.
والجدير بالذكر أن لعلي كتابين آخرين هما "رايات المبرزين" -وهو محقق مطبوع- و"الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة" الذي حققه الأستاذ إبراهيم الإبياري ونشرته دار المعارف في القاهرة.
منهج "المغرب" وخصائصه:
أولًا: عمد مؤلفا الكتاب في صورته الأخيرة علي بن موسى، وأبوه إلى تصنيف الكتاب في نطاق منهج بادي الغرابة، ونعني بذلك القسم الخاص بالأندلس، فلقد سبق القول إن هناك قسمين آخرين، قسمًا خاصًّا بإفريقية وقسمًا خاصًّا بمصر، وكل منهما يتكون من عدة أسفار، فإذا ما عدنا إلى منهج القسم الخاص بالأندلسي وجدنا المؤلفين يقسمانه إلى ثمانية عشر كتابًا كل كتاب منها أسمياه "مملكة" مثل كتاب "الحلة المذهبة في حلى مملكة قرطبة" وكتاب "الذهبية الأصيلية في حلى المملكة الإشبيلية" وكتاب "الخلب في حلى مملكة شلب" وكتاب "الرياض المصونة في حلى أشبونه" وكتاب الخلب في حلى مملكة شلب" وكتاب "الرياض المصونة في حلى أشبونة" وهكذا لكل مملكة أو بالأحرى مدينة كبيرة كتاب يتكون اسمه من سجعتين تتفقان في إيقاعهما مع اسم المدينة على النسق الذي تمثلت له فيما سلف من سطور.
ولم يكتفِ المنهج بذلك، بل قسم كل مملكة إلى عديد من الكور، وجعل لك كورة كتابًا يتكون من سجعتين، فالكتاب الخاص بمملكة قرطبة، مثلًا ينقسم إلى أحد عشر كتابًا، منها على سبيل المثال: كتاب "الحلة الذهبية في الكورة القرطبية" وكتاب "الدرة المعلونة، في حلى كورة بلكونة" وكتاب "الكواكب الدرية في حلى كورة القبرية"، وكتاب "الدر النافق في حلى كورة غافق".
ولا يكتفي المؤلفان بذلك، بل يقسمان كل كتاب خاص بكورة إلى عدد من الكتب الأصغر حجمًا باعتبار البلدان المهمة في الكورة. فكتاب الكورة القرطبية مثلًا ينقسم إلى عدة أقسام صغرى منها على سبيل المثال كتاب "الصبيحة الغراء في حلى حضرة الزهراء"
وكتاب "البدائع الباهرة في حلى حضرة الزاهرة" وكتاب "الوردة في حلى مدينة شقندة".
ونحن نعترف أن هذا النهج من التقسيم نهج معقد يدفع بالمرء إلى التوقف، وبالدارس إلى التيه، ومن ثم فإن ضرره أكثر من نفعه، ومساوءه أكثر من محاسنه، غير أن محتويات الكتاب تشفع لهذا التعقيد وتشهد له بالفضل والنفاسة.
ثانيًا: يضم الكتاب ما يناهز ستمائة وسبعة وأربعين شاعرًا من شعراء الأندلس على مسيرة تاريخه منذ دخول عبد الرحمن بن معاوية "الداخل" حتى زمان علي بن موسى آخر المؤلفين، أي النصف الثاني من القرن السابع الهجري، هذا من الناحية الزمانية، أما من الناحية المكانية فلقد أتى المؤلفون بنماذج شعرية أو نثرية لأعيان وأدباء وشعراء كل بقعة من بقاع الأندلس على اتساع هذا الإقليم وتعدوا ذلك إلى الجزر خارج الأندلس كميورقة ومنورقة، فضلًا على جهات الثغر التي كانت حينًا من الدهر في يد المسلمين وحينًا آخر منه في يد نصارى الأسبان. وبذلك يكون للكتاب صفة الشمول الزماني "ولا نقول الكفاية الزمانية" والانتشار المكاني في الجزيرة الأندلسية.
ثالثًا: اهتم المؤلفون بالمناطق التي أنجبت كبار شعراء الأندلس، مثل مملكة قرطبة التي تمثلوا لها بمائة وسبعة وخمسين شاعرًا وأديبًا، ومملكة إشبيلية التي تمثلوا لها بسبعة وتسعين أديبًا وشاعرًا أيضًا، ومملكة إلبيرة التي تمثلوا لها بتسعة وستين شاعرًا، ومملكة طليطلة التي تمثلوا لها بأربعين شاعرًا، وكل هؤلاء الشعراء من مختلف طوائف الأندلس، منهم الملوك مثل المعتمد بن عباد، وأبيه المعتضد بن عباد، ومثل المتوكل بن المظفر، ومثل المعتصم بن صمادح. ومنهم الوزراء وهم من الكثرة بمكان، مثل ابن زيدون، وابن عمار، وابن عبدون، وبني سعيد وغيرهم. ومنهم علماء اللغة والأطباء، والموسيقيون، والزهاد وأبناء العامة كما أن الكتاب لم يغفل الترجمة والاستشهادات الكثيرة المنتقاة للشاعرات النساء مثل: حمدونة بنت زياد، وولادة بنت المستكفي ومهجة بنت التياني، ونزهون بنت القلاعي، وحفصة بنت الحاج الركونية وحفصة بنت حمدون الحجارية. كما ترجم الكتاب وجاء بنماذج لشعراء من غير العرب وغير المسلمين مثل إسحاق بن شمعون اليهودي الموسيقي القرطبي وحسداي بن يوسف بن حسداي الإسرائيلي، وإبراهيم بن سهل الإسرائيلي الذي أسلم فيما بعد، وقسمونة بنت إسماعيل اليهودية. ومن النصارى ترجم الكتاب لعدد من شعرائهم وكان بعضهم على جانب مرضٍ من الإجادة وقدر وفير من الإبداع مثل ابن المرعز الإشبيلي وابن غرسيه وكان لكل منهما نثر بديع وشعر رقيق، وبذلك يكون الكتاب قد شمل الترجمة لكل طوائف الأندلس من رجال ونساء، وعرب وبربر ومولدين ونصارى ويهود، وقواد وأمراء وعامة.
رابعًا: لم يقف نشاط مؤلفي الكتاب عند ذلك الشعر المألوف وحده والنثر المعهود، وإنما أتوا بنماذج عديدة للفنون المستحدثة التي اكتمل نضجها أو ترعرع نماؤها في أرض الأندلس مثل الموشحات بأنواعها المختلفة وموضوعاتها العديدة، ومثل الزجل ومشهوري الوشاحين والزجالين، والكتاب من هذه الناحية يعتبر مصدرًا أساسًا لكل من يريد من الدارسين أن يتمثل لكل من التوشيح والزجل منظورًا متغيرًا متفرعًا ناميًا.
خامسًا: لا يقتصر الكتاب على الأدب وحده، وإنما يتناول الأحداث التاريخية والتطورات السياسية والفتن الزمانية بقدر غير قليل من التفصيل بحيث لا يستطيع المؤرخ الأندلسي -لكي يستقيم له منهجه- أن يكون بمنأى عن "المغرب".
فلقد كتب تاريخ بني أمية في الأندلس أمرائهم وحروبهم وسفاراتهم كما اهتم بملوك الطوائف والمرابطين والموحدين وما جرى في أيامهم من فتوح وحروب وانتصارات وهزائم وفتن، وقلاقل وأحداث.
هذا فضلًا عن الوصف الجغرافي لكثير من البلاد والملامح الاجتماعية التي يمكن استخلاصها صافية دقيقة من أحداث الكتاب وأخباره.
سادسًا: أما من ناحية مصادر الكتاب فإنه قد اعتمد على الكثير من الكتب الأندلسية والمغربية والعديد من المصادر المشرقية، فمن الكتب الأندلسية اعتمد على "المسهب" للحجاري الذي هو أصل الكتاب، و"المقتبس" لابن حيان القرطبي و"نقط العروس" لابن حزم، و"الذخيرة" لابن بسام، و"قلائد العقيان" للفتح بن خاقان، و"بغية الملتمس" للمرسي الضبي، و"جذوة المقتبس" للحميدي و"سقيط الدرر ولقيط الزهر" لابن اللبانة، و"سمط الجمان" لابن الإمام، و"المطرب من أشعار المغرب" لابن دحية، و"فرحة الأنفس" لابن غالب.
هذا فضلًا عن المشاهدة ومخالطة أدباء الزمان وجمع شعرهم وأدبهم والترجمة لأخبارهم والتعريف بتاريخهم، فقد كان يجالسهم ويعايشهم ويستنشدهم أشعارهم ويستمليهم نثرهم.
ولم يقصر مؤلفو الكتاب في الاستعانة ببعض المراجع المشرقية الهامة مثل "يتيمة الدهر" للثعالبي و"خريدة القصر" للعماد الأصفهاني، و"عقود الجمان" للكمال بن الشعار.
سابعًا: وإذا كانت هناك ثمة مآخذ على منهج الكتاب ومحتواه فهو إغفال ذكر ميلاد ووفاة كثير من الأدباء والشعراء والأعيان الذين ترجم لهم، كما أنه من ناحية أخرى -لكي يزيد في عدد أعيان كتابه- كان يذكر الواحد منهم ولا يذكر له أكثر من بيتين اثنين، بل كثيرًا
ما كان يذكر الأديب ويتبع ذكره بخبر واحد عنه في سطر أو بعض سطر.
ومهما يكن من أمر فإن كتاب "المغرب في حلى المغرب" واحد من فرائد كتب الأدب الأندلسي محتوى وخبرًا وطريقة تأليف، ولعله الكتاب العلمي الوحيد الذي قام على تأليفه علماء ينتسبون إلى أجيال متتابعة لم تتعاصر على مدى يزيد على قرن وربع قرن من الزمن.