الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونظير (ما) و (الذي) في مواردهما على شيء واحد؛ كترادف (الإنسان) و (الحيوان) على الرجال والنساء يقال لكل واحد منهما: إنسان وحيوان، ويعبر عنه بكلا اللفظين، ولا ترادف بينهما.
ولفظ (الذي) كلفظ (الحيوان) موضوع للأعم، ولفظ (من) كلفظ (الإنسان) موضوع للأخص، ولفظ (ما) موضوع للنوع الآخر الذي هو غير الناطق فـ (ما) و (من) و (الذي) متباينة؛ كالحيوان، والإنسان، وغير الناطق، وإن كانت (من) تستعمل بمعنى (الذي) و (ما) بمعنى (الذي) كما يستعمل الإنسان بمعنى يصدق عليه لفظ الحيوان، ولفظ الفرس؛ مع أن الحيوان والإنسان والفرس متباينة.
فتأمل هذا المكان؛ فكثير من النحاة اغتر به، ويقول:(ما) تكون بمعنى (الذي)، و (الذي) موضوع للعقلاء، فـ (ما) موضوع للعقلاء، ووجه الغلط في هذا الإنتاج من جهة المنطق، وصناعته في البراهين جاء من جهة أن هذا الدليل مركب من الشكل الأول، ومن شرطه أن يكون كبراه كلية، وهي هاهنا جزئية؛ لأن تقدير الكلام والتركيب في الدليل مدلول (ما) مدلول (الذي)، وبعض مدلول (الذي) عقلاء، ولو صرح بهذا منعناه صحة المقدمة الكبرى، لكن يقع في الكلام تلفيف، فلا يكاد يتفطن لوجه الغلط في الترادف؛ ولا في الدليل، وكلاهما باطل، كما ترى.
(فائدة)
قال سيف الدين: قال النبي عليه السلام لابن الزبعرى لما ذكر: (ما أجهلك بلغة قومك؟ أما علمت أن (ما) لما لا يعقل، و (من) لمن يعقل)
وهذا يسقط أصل الاستدلال بالآية والحديث؛ لأن اتباع النبي عليه السلام أولى من ابن الزبعرى.
قوله: (لو قال: ما في ملكي صدقة، أو ما في بطن جاريتي حر، تناول الإنسان):
قلنا: أما قوله: صدقة، فأمكن النزاع في أنه يجب عليه التصدق برقيقه؛ بمقتضى اللفظ لغة.
ويقول القائل: لا يتناول الإنسان إلا بقرينة تدل على أن المقصود العقلاء وغيرهم، إما لأن أهل اللغة يقصدون ذلك، أو قرينة تخص القائل لذلك.
وأما قوله: (ما في بطن أمتي حر)، فهذه قرينة ضرورية أنه ما أراد إلا الإنسان، فإنه لا يكون ما في بطنها يقبل العتق إلا ذلك، ومتى دلت القرينة حصل الاتفاق؛ فإن لفظ (ما) يصح استعماله في العقلاء اتفاقًا، إنما النزاع في كون ذلك الاستعمال حقيقة، أو مجازًا.
قوله: (كان من العرب من يعبد الملائكة):
تقريره: أن العرب لم يكن لها دين مطرد، بل كانوا أشتاتًا، فكل فرقة على دين من جاورت، فكان بعضهم يهود لمجاورتهم اليهود، وبعضهم نصارى، وبعضهم يعبد الكواكب، وبعضهم الأصنام، وبعضهم دهرية.
قوله: (بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية، حيث كان، لا يفيد اليقين):
قلنا: الذي تقدم بيانه: أن الألفاظ لا تفيد اليقين؛ من حيث الوضع فقط، وإنما إذا احتفت بها قرائن الاستعمال، حصلت اليقين، فلا تفيد أن جميع ما يستدل به في هذه المسألة لا يفيد اليقين.
قوله: (لو امتنع التخصيص في الأعيان، لكان؛ لأن تأخيره يوهم العموم، وهذا قائم في تأخير البيان في الأزمان، فعدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز هنا):
قلنا: هذا النظم فيه إشكال؛ لأن صيغة هناك للبعيد، وهاهنا للقريب،
والعادة: أن صورة النزاع يشار إليها بالقريب، والمنظر به يشار إليه بالبعيد، وأنتم هاهنا قررتم أن الملزوم الموجب هو المفسدة في صورة النزاع، فكان حق الدليل أن يكون هكذا، لو امتنع هاهنا لإيهام العموم، وهو جهل، لامتنع هناك في النسخ، لإيهامه عموم الأزمان، ثم تقولون: فعدم الجواز هاهنا يقتضي عدم الجواز هناك؛ لأن وجود الملزوم هو الذي يوجب وجود اللازم، ثم تقولون: لكن عدم الجواز هنالك باطل إجماعًا، فينتفي ملزومه، وهو عدم الجواز هاهنا.
أما قولكم: (عدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز هاهنا) فعكس مقصود النظم؛ لأنكم جعلتم الملزوم ينشأ عن اللازم، وليس كذلك، واعتبرت عدة نسخ، فوجدتها هكذا، وصوابه: فعدم الجواز هاهنا يقتضي عدم الجواز هناك.
ثم ما ذكرتموه من الملازمة غير مسلم؛ لأن الفرق: أن تعجيل الإعلام بالنسخ يفضي إلى إبطال حقيقة النسخ، ويكون الفعل ينتهي بوصوله لغايته لا بالناسخ، ولا يصير يقبل النسخ؛ كما لو قال الله تعالى:{ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] لا يتصور أن يقال: إنه نسخ الصوم عند دخول الليل، بل انتهى بغايته بانقطاع سبب التكليف.
قلنا: هذا الكلام فيه بعد عما نحن فيه؛ لأن ظاهره يقتضي أن حكم الخطاب مرتفع بعد الموت، وكذلك حصل الجواب عنه من المصنف بما يقتضي هذا، مع أن خروج ما بعد الموت ليس من باب النسخ في شيء، بل ذلك تخصيص، فإن النسخ إنما يتصور فيه أن لو اعتقدنا أن الله - تعالى - أراده، ولا يتصور ذلك، بل نحن نعتقد أن الشرائع كلها ما أراد الله - تعالى - بقاء شيء منها يجري حكمه التكليفي على الموتى، كما كانوا في الحياة، فهذا كلام حائد عن الملازمة المتقدمة.
قوله: (احتمال التخصيص يمنع):