الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون عالمًا بالشيء، أو جاهلاً به جهلاً بسيطًا، ولا يقع له الجهل المركب أبدًا، ولا محال في ذلك.
أما الجهل البسيط: فمن لوازم البشر، وجميع من هو حي من المخلوقات، فإن الله - تعالى - هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وغير الله - تعالى - يجب أن تكون مجهولاته غير متناهية، ومعلوماته متناهية، والدخول في النقيضة التي ليست من اللوازم أقبح من الإنصاف بما لا ينفك عنه أحد.
وفي هذا المقام تفرع كلام الفرق الثلاث، فنحن لما جوزنا أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولم نقل بالحسن والقبح العقليين، لا جرم جوزنا على الله - تعالى - أن يبتلى عباده بالجهلين البسيط والمركب، ويتأخر البيان عن وقتي الخطاب والحاجة فيما له ظاهر، وما لا ظاهر له، والمعتزلة لما قالوا بالحسن والقبح، قالوا: يجب تعجيل البيان عند وقت الخطاب؛ لئلا يوقع المتكلم السامع في الجهل بمراده، والاحتراز عن المفاسد الممكنة الرفع واجب عقلاً على أصولهم.
وأما أبو الحسين: فتوسط بيننا وبينهم، فقال: أما الجهل البسيط، الذي هو من لوازم البشر: فلا غرو؛ لقلة مفسدته، فلا جرم يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب فيما لا ظاهر له؛ لأن غايته حصول الجهل البسيط بمراد المتكلم.
وأما ما له ظاهر: فيتعين تقديم البيان؛ لأنه إذا لم يتبين، يعتقد السامع أن الظاهر مراد، وليس مرادًا؛ فيقع في الجهل المركب، وهو مفسدة عظيمة، وإذا تعين تعجيل البيان؛ نفيًا لهذه المفسدة، فيلغى البيان الإجمالي بأن يقول: الظاهر غير مراد، فلا يبقى مع ذلك اعتقاد أن الظاهر مراد فينتفي الجهل المركب، ويبقى الجهل البسيط بمراد المتكلم فقط.
(فائدة)
قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): قال المعتزلة، وأصحاب أبي
حنيفة: لا بد أن يكون الخطاب متصلاً بالبيان، أو في حكم المتصل؛ احترازًا مما ينقطع بعطاس أو غيره، ومن عطف الكلام بعضه على بعض، ونحو ذلك، ووافقهم بعض الشافعية والمالكية.
(البحث الرابع)
أن وقت الخطاب وقت الحاجة قد يتحدان؛ كالخطاب برد الغصوب، والتوبة من الذنوب، وجميع الواجبات الفورية، فلا يتأتى هذا التفريع، بل يتفق المعتزلةة على تعجيل البيان؛ لأنهم لا يجوزون تكليف ما لا يطاق، ونجوزه نحن كما تقدم.
وقد يكون وقت الخطاب غير وقت الحاجة؛ لقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] فالآن: وقت الخطاب، ووقت الحاجة بعد انسلاخ الأشهر الحرم، فيتأتى الخلاف عن الفرق الثلاثة.
قوله: (ما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة):
يريد: إذا أريد بها معين، فهي حينئذ ليست ظاهرة في ذلك المعين من نوع، أو شخص، وهي ظاهرة باعتبار مسماها الكلي، فإذا قال الله تعالى:{فتحرير رقبة} [النساء: 92] فهو ظاهر في وجوب إعتاق رقبة واحدة.
نعم؛ لو أراد به نوعًا معينًا، أو شخصًا، كان مجملاً؛ بالنسبة إلى ذلك المعين.
قال سيف الدين: قال أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي من الشافعية، وبعض الحنفية، والظاهرية: يمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما قاله المعتزلة.
وقال الكرخي وبعض الفقهاء: يجوز تأخير بيان المجمل، دون غيره.
وقيل: يتأخر في الأمر والوعد والوعيد، دون الخبر.
وقال الجبائي وابنه وعبد الجبار: يتأخر بيان النسخ، دون غيره.
قلت: وهذا يوهم الخلاف في النسخ، والغزالي حكى الاتفاق فيه و (المحصول) حكى عن أبي الحسين فيه وجوب البيان الإجمالي، فيجمع بين هذه النقول؛ بأن يكون الاتفاق على تأخير التفصيل، والخلاف في الإجمال، وكذلك حكاه صاحب (المعتمد) في (المعتمد).
قوله: (تأخير بيان النسخ فيما له ظاهر استعمل في خلافه):
قلنا: هذا يتجه، إذا قلنا: الأمر للتكرار أبدًا في الأزمة الممكنة، أو يكون الدليل من خارج على التكرار بأن يكون الأمر ليس للتكرار.
وتقول: افعلوا هذا أبدًا، ويكون المأمور به فعلاً واحدًا؛ كذبح إسحاق عليه السلام فإن الظاهر في هذه المواطن كلها النسخ؛ على خلاف الظاهر فيها.
وأما إذا قلنا بأن الأمر للمرة الواحدة، أو للقدر المشترك بين الواحدة والتكرار، فلا يكون تأخير النسخ هاهنا على خلاف الظاهر؛ بأن يكون المتكلم قد أراد، ولم يدل دليل منفصل عليه، ثم نسخه، وهذا إنما يتجه على رأي القاضي القائل بأن المنسوخ كان دائمًا في نفس الأمر، والنسخ رفع له.
وأما عند الفقهاء بأن النسخ بيان، فلا يتصور أن الله - تعالى - أراد بالخطاب الدوام أصلاً، وتكون حقيقة النسخ في هذا القسم مستحيلة.
قوله: (تأخير بيان الأسماء الشرعية هو تأخير بيان ما له ظاهر):
يريد أنها كذلك، إذا استعملت في غير المسميات الشرعية؛ بأن يستعمل الصلاة في الدعاء، والصوم في مطلق الإمساك، ونحو ذلك.
قوله: (جوز المعتزلة تأخير بيان النسخ وحده):
تقريره: أن الفرق عندهم: أن النسخ، لو عجل بيانه عند ذكر المنسوخ بأن يقول: ليقف الواحد منكم لعشرة، وهذا حكمي عليكم إلى سنة، وبعده يكون الحكم وجوب الواحد للاثنين - فكان إبطالاً للنسخ؛ لأن الوجوب حينئذ ينتهي بغايته عند مجيئها، ولا يبقى نسخ، كما لو انتهى الصوم بغروب الشمس لا يقال: إنه منسوخ، فتعجيل بيان النسخ يبطل النسخ ألبتة؛ فلا جرم وجب تأخير بيانه إلى وقت النسخ، ويبقى السامع عندهم في الجهل البسيط بمراد المتكلم على الدوام أبدًا في ذلك الفعل؛ حتى يأتي الناسخ.
وهذا - وإن كان على خلاف قاعدتهم - إلا أن الإجماع اضطرهم إليه، وإلا فمقتضى قاعدتهم إحالة النسخ؛ لأن فيها تجهيلاً للسامع، لكن عجزوا عن إجراء قاعدتهم فيه؛ ولا جرم ينبغي إيراده نقضًا عليهم، ويقاس عليه غيره؛ فإنه لا حيلة لهم فيه؛ لأجل الإجماع قبل ظهورهم، وهو من ضروريات الشرائع قبل شرعنا، فاضطروا إليه قهرًا.
قوله: (ثم) ترد بمعنى (الواو) كقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} [الأنعام: 154]، {ثم كان من الذين آمنوا} [البلد: 17] {ثم الله شهيد} [يونس: 46].
قلنا: (ثم) موضوعة لأن يكون الثاني بعد الأول، ومتراخيًا عنه، وقد ورد على خلاف ذلك الثاني قبل الأول؛ كقوله تعالى:{ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] فالتصوير بعد الخلق؛ لأن الخلق هاهنا التقدير، كقوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ
المصور} [الحشر: 24] فجعل المصور غير الخالق، فـ (ثم) هاهنا على حقيقتها، وبابها، و (ثم) الثانية على خلاف الحقيقة؛ فإن إسجاد الملائكة الذي ذكره نبأ واقع في الوجود قبل المذكور قبلها.
وكذلك قوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا
…
} الآية [البلد: 17] مع أن الإيمان يقع أولاً قبل الإعتاق والإطعام.
ومنه قول الشاعر [الخفيف]:
إن من ساد ثم ساد أبوه .... ثم قد ساد قبل ذلك جده
فسيادة الأب قبل الابن، وسيادة الجد قبل سيادة الأب، فاختلف النحاة والعلماء في هذه المواطن.
فقال بعضهم: دخلت هاهنا لتأخير الخبر مجازًا؛ فإنها وضعت للتأخير في الخبر، فاستعملت لتأخير المخبر مجازًا، وهذا باطل؛ لأن الإخبار بما بعدها لم يتراخ في الزمان والنطق عن الأول.
وقال المحققون: بل هذا من مجاز التشبيه.
وتقريره: أن الرتبة العلية متراخية عن الرتبة الدنية في شرفها، وبينهما بعد معنوي، فشبه البعد بين الرتبتين بالبعد بين الزمانين، فدخلت (ثم) للتراخي بين الرتبتين، فمرتبة الإيمان أعظم من رتبة ما معها، والإسجاد للملائكة كان أبدع في الوجود من أصل الخلق؛ لأنه مستمر مع الزمان، والإسجاد لمخلوق واحد بديع، وسيادة الأب كانت أبلغ من سيادة الابن، وسيادة الجد أبلغ من سيادة الأب، وذلك أبلغ في مدح المذكور أنه وإن كان عظيمًا فأبوه كان أعظم منه، وجده كان أعظم من أبيه؛ فإن هذا يدل على تأثُّل الرئاسة.