الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة
تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة
قال القرافي: قوله: خصصوا قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] بقوله- عليه السلام: (القاتل لا يرث).
قلنا: قد تقدم أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فكل ولد أوجب العموم؛ توريثه في حالة مطلقة، وهذا باق على عمومه؛ لأن كل ولد يرث في حالة عدم القتل والرق والكفر، وهذه حالة مخصوصة، فيصدق لنا عملنا بمقتضي العموم، ويكون الحديث مقيدًا لتلك الحالة المطلقة، لا مخصصًا للعموم.
وكذلك الكلام على حديث الرجم.
(سؤال)
كيف يدعى أن هذه الأحاديث متواترة؛ مع أن رواتها في الصحاح ما بلغوا حد التواتر
، بل غايته ثبوت الصحة؛ لثبوت العدالة، وهي رواية واحد أو
اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة عن أربعة عن أربعة، وهذه الأعداد لا تحصل التواتر.
جوابه: أن السؤال، إنما يرد، إن كان زماننا هو زمان النسخ وانقضائه، لكنا لا نقول به، بل زمان النسخ هو زمان الصحابة- رضوان الله عليهم- وهذه الأحاديث كانت في ذلك الزمان متواترة، والمتواتر يصير آحادًا، فكم من قضية كانت متواترة في الدول الماضية، ثم صارت آحادًا، بل نسيت بالكلية، فلا تنافي بين كون الخبر متواترًا قديمًا، ثم يصير آحادًا في الأزمنة الأخيرة.
***
المسألة الخامسة
في أن تخصيص الكتاب والسنة المتواترة،
بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، هل هو جائز أم لا؟
قال الرازي: والتحقيق فيه أن اللفظ العام: إما أن يكون متناولًا للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لا يكون متناولًا له:
فإن كان متناولًا له: كان ذلك الفعل مخصصًا لذلك العموم في حقه، وهل يكون مخصصًا للعموم في حق غيره؟ فنقول:
إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل، أو في تلك الواقعة- كان ذلك تخصيصًا في حق غيره، ولكن المخصص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده؛ بل الفعل مع ذلك الدليل، وإن لم يكن كذلك، لم يجز تخصيص ذلك العام في حق غيره.
وأما إن كان اللفظ العام غير متناول للرسول عليه السلام؛ بل للأمة فقط: فإن قام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي صلى الله عليه وسلم، صار العام مخصوصًا بمجموع فعل الرسول عليه السلام، مع ذلك الدليل؛ وإلا فلا.
واحتج من منع هذا التخصيص مطلقًا؛ بأن المخصص للعام هو الدليل الذي دل على وجوب متابعته، وهو قوله تعالى:{واتبعوه} [الأعراف: 158] وذلك أعم من العام الذي يدل على بعض الأشياء فقط، فالتخصيص بالفعل يكون تقديمًا للعام على الخاص؛ وهو غير جائز.
والجواب: أن المخصص ليس مجرد قوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] بل هو مع ذلك الفعل، ومجموعهما أخص من العام الذي ندعى تخصيصه بالفعل.
المسألة الخامسة
تخصيص الكتاب والسنة بفعله عليه السلام
قال القرافي: قوله: (إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه عليه السلام:
تقريره: أن الأدلة المقتضية لكوننا مثله- عليه السلام في أحكام الشريعة، إلا ما أخرجه الدليل؛ كقوله تعالى:{وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] ونحوه، تناولت الثقلين، فعلى تقدير أن الغير المشار إليه- هاهنا- الثقلان.
على هذا؛ يلزم النسخ، وإبطال العام بالكلية، وذلك ليس تخصيصًا؛ لأن التخصيص هو إخراج البعض وإبقاء البعض، وأما الجميع فلا؛ فيتعين حمل كلام المصنف- رحمه الله على غير خاص هو بعض الأمة، ووجود مثل هذا عسير، غير أنه لم يلتزمه، بل قال: إن وجد، كان الحكم كذلك، مع أنه يمكن تمثيله؛ بأن العموم قد يكون تناول الثقلين، ويخرج عليه السلام من عمومه بطريق أنه إمام، أو قاض، أو نحو ذلك من صفاته عليه السلام؛ فإنه إمام الأئمة، وحاكم الحكام، ومفتي المفتين، فيلحق به- عليه السلام في التخصيص القضاة وحدهم، أو الأئمة؛ على حسب ذلك الوصف، كما إذا ورد (على اليد ما أخذت حتى ترده)،
فسقط الضمان عنه- عليه السلام بأحد الأسباب المتقدمة، فيسقط عمن شاركه في تلك الصفة، التي هي مدرك السقوط؛ فعلى هذا يتصور هذا البحث، لا على أدلة التسوية العامة الشاملة للثقلين؛ وعلى هذا يتعين أن يكون معنى قول المصنف: إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل؛ أن مراده بالكل كلية ذلك الحكم دون كلية الشريعة.
وقوله: (أو في تلك الواقعة) يحمل على ذلك النوع الخاص من جنس ذلك الحكم، مع أن لفظه ما يقتضي إلا كلية الشريعة، هذا هو الظاهر من كلامه؛ وحينئذ يفسر الغير بفرقة مخصوصة من الثقلين، يساويه في كل الأحكام؛ حذرًا من النسخ، وإبطال جملة النص؛ وعلى هذا يعسر تقريره، فما أعلم فرقة من الثقلين ساوت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع الأحكام دون غيره من الفرق، وبالجملة هذا الموضع قلق يتعين تأويله على أحد الوجوه المذكورة، أو يحمل على وجه من وجوه الحديث دون الخروج من جملته بالكلية، كما حمل حديث النهي عن استقبال القبلة على الأفضلية دون الأبنية.
قوله: (المخصص ليس ذلك الفعل وحده، بل الفعل مع الدليل المسوي):
تقريره: أن الفعل لو انفرد وحده، ولم يرد دليل مسو، لم يجب التأسي والاقتداء؛ ولو ورد الدليل المسوي دون هذا الفعل، لم يلزم التخصيص؛ لاحتمال أن يكون حكم العموم ثابتًا في حق الكل.
قوله: (وإن كان العام غير متناول له عليه السلام، بل الأمة فقط، وقام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي- عليه السلام صار العام مخصوصًا بمجموع فعله عليه السلام مع ذلك الدليل، وإلا فلا):
تقريره: إذا فعل عليه السلام فعلًا على خلاف العموم الخاص بنا، ودل الدليل على أنا مثله عليه السلام، جاز بمقتضي هذا الدليل المسوي فعل ذلك الذي فعله عليه السلام؛ فعلى هذا يبطل حكم العموم في حق الأمة؛ وعلى هذا يصير إبطالًا للنص بالكلية، وهذا ليس تخصيصًا بل نسخًا، وهذا الذي صرح به في هذا القسم هو مراده في القسم قبله، ويبقي الكلام في غاية الإشكال من جهة أنه صرح في التخصيص بما يمنع التخصيص، ولذلك لم يسلك سيف الدين هذا المسلك، بل قال: إما أن تقول بوجوب التأسي على كل من سواه أو لا.
والأول: يلزم منه النسخ دون التخصيص بخروج الجميع من النص، وإن لم نقل بالتأسي، كان الفعل تخصيصًا له- عليه السلام وحده، وكان النص متناولًا له ولهم، وإن كان متناولًا للأمة فقط، لا يكون فعله عليه السلام تخصيصًا له عن العموم؛ لعدم دخوله.
فإن قيل أيضًا بوجوب المتابعة على الأمة، كان نسخًا عن الأمة، لا تخصيصًا، ثم قال: وهذا التفصيل يحكي.
قال: ولا أرى الخلاف في التخصيص بفعله- عليه السلام وجهًا، قال: فإن كان المراد تخصيصه وحده، فلا يتأتي فيه خلاف، أو تخصيص غيره، فلا تخصيص بل نسخ، مع أن الخلاف يحكي في تخصيص العموم بفعله عليه السلام، فقال به الأكثرون من الشافعية والحنفية والحنابلة، ونفاه