الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(تنبيه)
العادة قد تكون عادة الناس، وقد تكون عادة صاحب الشرع
، فإن كانت عادة الناس؛ خصصت عموم الناس الذي يلفظون به في وصاياهم، وأيمانهم وغير ذلك، فكل من له عادة في لفظه، حمل لفظه على عرفه الذي تقدم نطقه، أما المتأخر عن نطقه، فلا، كانت العادة خاصة به، أو عامة، في بلده؛ كالنقود وغيرها، أو في جميع الأقاليم.
ولا يحمل كلام متكلم على عادة غيره، ولا يخصص بها عموم أهل بلد بعادة بلد آخر، وكذلك يمتنع التقييد، كما امتنع التخصيص، والعوائد المتأخرة مطلقًا لا تخصص ولا تقيد، وما علمت في ذلك خلافًا.
وأما عرف الشارع وعادته، فيحمل لفظه عليها كما تقول: للشرع عادة في الإيمان، وهي الحلف بالله تعالى، فيحمل عليها قوله عليه السلام:(من حلف، واستثني، عاد كمن لم يحلف) والمخصص في هذه الصور كلها إنما هو العوائد، ولم يتعرض صاحب الكتاب لهذه العوائد، إنما تعرض لعوائد الأفعال دون الأقوال، إذا قررهم عليها.
(قاعدة)
العوائد قسمان: فعلية، وقولية:
فالعوائد القولية: تخصص وتقيد، بخلاف الفعلية، فإنها ملغاة؛ لأن العوائد القولية معناها أن الناس يطلقون ذلك اللفظ، ولا يريدون به في عوائدهم إلا ذلك الشيء المخصوص ك (الدابة) لا يراد بها إلا (الفرس) في (العراق) والحمار ب (مصر) وكذلك الغائط والنجو، وغير ذلك مما جرت العادة بأنه يستعمل في غير مسماه، فيحمل على ذلك المنقول إليه في الاستعمال، ثم النقل.
والعوائد قد تكون في الألفاظ المفردة، وقد تكون في الألفاظ المركبة، وقد تقدم بسطه في الحقيقة العرفية.
أما العوائد الفعلية: فتظهر بالمثال: فإذا حلف الملك لا أكلت خبزًا، فأكل خبز الشعير، حنث؛ وإن كانت عادته ألا يأكل إلا القمح.
وإن حلف؛ لا يلبس ثوبًا، حنث بلبس ثوب كتان، وإن كانت عادته لبس الحرير.
والسبب في ذلك أن العرف القولي ناسخ للغة، وناقل للفظ، والناسخ مقدم على المنسوخ، والفعل لا ينقل؛ لأنه لا يلزم من لباس الثياب الصوف دائمًا تغيير لفظ الثوب عن موضوعه، فلا معارضة بين العرف الفعلي والوضع اللغوي، فلذلك لم يخصص ولم يقيد.
والعرف القولي معارض للغة [و] يقضي به عليها، فتأمل الفرق، فكثير من الفقهاء لا يخطر بباله هذا البحث، ولا هذا الفرق، وقد قال سيف الدين: إذا كان قوم لا يأكلون إلا طعامًا مخصوصًا، فورد تحريم الطعام بصيغة العموم، حمل على عمومه في المعتاد وغيره عند الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة، وذكر عنهم القياس لأحد البابين على الأخير، وهو غير متجه؛ لما تقدم من الفرق.
وحكي الغزالي هذا المثال بعينه، وجزم بعدم التخصيص به، ولم يحك خلافًا.
وقال المازري: (العادة الفعلية ليست مخصصة؛ بخلاف القولية).
قال: ومثال الفعلية قوله عليه السلام: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛
فليغسله سبعًا) مع أنه عادتهم لا يضعون في أوانيهم التي تصلها الكلاب إلا الماء، فيختص ذلك بالماء، ويعم جميع ما يتصور فيه الولوغ، خلاف في مذهب مالك، قال: وكأنها عادة قولية، فلم يجزم بذلك.
قلت: وتوقف في موضع التوقف، بل المخصص عادة قوليه؛ لأنهم لم يكونوا يضعون في الآنية التي تصلها الكلاب غير الماء [و] كان غالب نطقهم بصيغة (ولغ) في الماء خاصة، فكان ذلك كغلبة نطقهم بلفظ (الدابة) في الفرس، لا أن مدرك التخصيص الفعل.
ولم يحك خلافًا غير ما عرض له من التردد، وكذلك صاحب (المعتمد) حكي أن العادة قولية، وأن التخصيص إنما يقع بالقولية، دون الفعلية.
ومثل الفعلية بنحو ما مثله سيف الدين، ولم يحك خلافًا.
ولم أر أحدًا حكي الخلاف في العادة الفعلية إلا سيف الدين، وأخشى أن يكون ذلك، كما حكاه المازري عن المالكية، ويكون مدرك الحنفية في تلك الفروع هو عادة قولية، وقد التبست بالفعلية، كما تقدم بيانه في ولوغ الكلب، فيظن أنهم خالفوا، وما خالفوا.
وأظن أني سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي فيها الإجماع، وهو المتجه؛ لما تقدم أن ملابسة بعض المسمي لا يقتضي نسخ ذلك اللفظ عن ذلك المسمي، فلا تعارض ألبتة، فكيف يقضي على اللفظ بما لا يعارضه.
قال العالمي في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة، لأنه حنفي: العادة