الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما إذا قلت: "لا أخرج حتى يخرج زيد معى" وقال زيد: "لا أخرج؛ حتى تخرج أنت معى" خرجتما معاً، ولا يصير خروجكما محالاً، فظهر أن الدور إنما يلزم من التوقف السبقى، دون التوقف المعى، فجاز أن يكون ثبوت الحكم فى كل واحد من القسمين متوقفا على ثبوته فى الآخر، ويكون التوقف معيا لا سبقيا، ولا يلزم الدور، ولا كونه حجة بعد التخصيص لأجل أصل التوقف.
"
سؤال"
العام بعد التخصيص حجة فيما خرج بالتخصيص
؛ لأن الحجة هى الدلالة، وصحة التمسك، وهو حاصل، غير أنها حجة لها معارض راجح، وقيام المعارض لا يبطل كون المعارض فى نفسه حجة، بل يمنع من ترتب حكمه عليه؛ فينبغى أن يقول: ثبوت الحكم فى هذا القسم، إما أن يتوقف على ثبوته فى ذلك القسم أم لا؟
فيجعل الترديد فى الحكم لا فى كون اللفظ حجة، والدور الذى ألزمه فى التوقف على الكل منحل بما تقدم فى التوقف على القسم الآخر؛ فلا دور فيهما.
قوله: "عدم الحكم فى تلك الصورة لا ينافى ثبوته فى الصورة الأخرى":
قلنا: هذه مصادرة من غير دليل؛ لأن الخصم يقول: هو مناف، وأنتم تقولون: غير مناف، ولم تذكروا دليلاً على ذلك، فقد صادرتم على مذهب الخصم من غير دليل، فلا يجوز ذلك فى البحث والإنصاف، بل إن صح لكم ذلك، فا حاجة للأدلة على ذلك.
"تنبيهّ"
زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: لا يلزم من عدم توقف الشيء
على غيره جواز وجوده بدونه؛ كما فى المتلازمين، فإن عنى بتوقفه عليه امتنع وجوده بدونه، لا يلزم الدور، كما فى المتلازمين":
قلت: كل علة لها مسببات؛ كالنار للإحراق والإشراق والدخان، ووطء التناسل ينشأ عنه الأبوة والبنوة، وغير ذلك من العلل، فإن معلولاتها لا يوجد أحدها بدون الآخر، وهو غير متوقف عليه فى ذاته، بل كلاهما متوقف على العلة؛ فلا يلزم من عدم التوقف جواز الانفكاك، ووجود أحدهما بدون الآخر، وكذلك لا يلزم من امتناع وجود أحدهما بدون الآخر لدور، لأن التوقف قد يكون معيا لا سبقيا؛ كما تقدم تقريره، وهى فى المتلازمين كالمعلولين كذلك؛ فإن وجود أحدهما بدون الآخر ممتنع، ولا يلزم الدور؛ لأن أحدهما لا يوجد؛ حتى يوجد الآخر معه لا قبله؛ فلا انفكاك ولا دور.
وزاد التبريزى، فقال: يتجه أن يقال: دل العام على ثبوت الحكم فى ل فرد؛ بشرط استعماله فى الموضوع، وهو الاستغراق، فإذا لم يشتعمل فيه، جاز فى كل واحد أن يكون مراداً، وألا يكون مراداً؛ فلم يكن حجة فى شيء منه وهو سؤال حسن، غير أنه يقال: الأصل عدم هذه الشرطية، وقال فى أدلة أصل المسألة: استعمل المجاز من غير بيان إلغاز وتلبيس، وليس من عادة العرب؛ فيعلم انتقاؤه من الشرع قطعاً، وإرادة بعض ما وراء محل التخصيص.
قال: قيل: فلعل وراء هذا المخصص شخصاً آخر:
قلنا: مالم يظهر، فهو فى حكم العدم، كيف، فلو ظهر، لم يحل من الخصم عقدة الإصرار على المنع.
* * *
المسألة الثامنة
قال الرازى: قال ابن سريج: لا يجوز التمسك بالعام، مالم يستقص فى طلب المخصص، فإذا لم يوجد ذلك الكخصص؛ فحينئذ يجوز التمسك به فى إثبات الحكم، وقال الصيرفى: يجوز التمسك به ابتداء مالم تظهر دلالة مخصصة.
واحتج الصيرفى بأمرين:
أحدهما: لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب أنه، هل وجد مخصص أم لا، لما جاز التمسك بالحقيقة إلا بعد طلب أنه، هل وجد ما يقتضى صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز؟ وهذا باطل؛ فذاك مثله.
بيان الملازمة: أن لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص، لكان ذلك لأجل الاحتراز عن الخطأ المحتمل؛ وهذا المعنى قائم فى التمسك بحقيقة اللفظ؛ فيجب اشتراكهما فى الحكم.
بيان أن التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما يوجب العدول إلى المجاز: هو أن ذلك غير واجب فى العرف؛ بدليل أنهم يحملون الألفاظ على ظواهرها من غير بحث عن أنه، هل وجد ما يوجب العدول، أم لا؟
وإذا وجب ذلك فى العرف، وجب أيضاً فى الشرع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما رآه المسلمون حسناً، فهو حسن".
وثانيهما: أن الأصل عدم التخصيص، وهذا يوجب ظن عدم المخصص؛ فيكفى فى إثبات ظن الحكم.