الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سؤال)
(على جميع هذه الآيات والمواضع)
وهو ما تقرر أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات، والآية تقتضي قتل كل مشرك في حالة ما، ونحن نفعل ذلك، لم يبطل في فرد من المشركين؛ لأنا نقتل كل فرد منهم في حالة الحرابة والامتناع من أداء الجزية، وهذه حالة خاصة، ومتى صدق الخاص، صدق العام، فيصدق حالة ما، فما تعين العموم، بل هذه المخصصات ليست مخصصات، بل مقيدات لتلك الحالة المطلقة، وقد تقدم مرارًا التنبيه على هذه القاعدة، وبسطها أكثر من هذا، فيراجع من هناك.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المخصص لذلك العموم هو ذلك الإجماع؟):
قلنا: هذا متعذر؛ فإنهم ما أجمعوا حتى أفتوا، وما أفتوا حتى سمعوا هذه الأحاديث، فالإجماع متأخر في الرتبة الثالثة عن تخصيص العموم؛ فلا يمكن أن يقال، خصصوا بإجماعهم، وكيف يتصور أن يجمعوا على التخصيص بغير مستند، وهل هذا إلا حكم التشهي في الدين، وهو حرام.
وقوله: (لعل المسند غير الأخبار):
قلنا: الأصل عدمه.
قوله: (لعل تلك الأخبار كانت متواترة عندهم):
قلنا: الأصل عدم التواتر، وعدم الاختلاف في الأحوال، وبقاء ما كان على ما كان.
قوله: (أما الإجماع: فما روى (أن عمر- رضي الله عنه رد خبر فاطمة بنت قيس):
قلنا: عمر وحده ليس إجماعًا، لكن مراد المصنف أنه لم ينكر أحد عليه، فكان إجماعًا سكوتيا.
قوله: (ما الخبر فقوله عليه السلام: (إذا روى لكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه):
قلنا: السابق إلى الفهم: أن مخالفة الحديث للكتاب إنما تكون لمعارضة ما فهم أنه مراد من الكتاب، فإنا إذا قلنا:(زيد يخالف عمرًا في كلامه) أي: فيما فهم عنه.
أما إذا خالفه في ظاهر لفظه، ووافق مقصوده، إنما يقال: موافق لا مخالف، والخصوص موافق للمراد من الكتاب، وبيان له، فلا يكون مخالفًا؛ فلا يتناول هذا الحديث الخبر المخصص.
قوله: (البراءة الأصلية يقينية، وقد تركناها بخبر الواحد) يريد أن البراءة الأصلية يقينية الأصل، مظنونة الاستصحاب، بمعنى أن الإنسان قطعنا بأنه ولد بريئًا من جميع الحقوق، ثم إنه إذا كبر، وصار بالغًا، لا يحصل لنا ذلك القطع في خصوص ذلك الزمان، بل نظنه، وكذلك نقبل في شغل ذمته البينة، والشاهد، واليمين، ولو كان ذلك اليقين باقيًا، لما رفعناه بالأسباب المظنونة، وكذلك العموم مقطوع السند، مظنون الدلالة، وخبر الواحد إنما يقبل في صرف الدلالة عن الفرد المخرج، وهي ظنية، وليس لخبر الواحد أثر في السند أصلًا، فحاصل الشبه بين البراءة والعموم: أن الخبر إنما رفع المظنون فيهما، دون أصلهما المقطوع.
قوله: (خبر الواحد مظنون في سنده، مقطوع في دلالته):
تقريره: أن هذا من الإمام على سبيل التنزه، حتى يحصل التساوي بين العموم والخبر، وإلا فالخبر قد يكون مقطوع الدلالة، فإن النص قد يروى بالآحاد، ولو صرح به، لكان أقوى في دفع ما قاله الخصم من تقديم العموم على خبر الواحد.
قوله: (لما دل الدليل على العمل بخبر الواحد لم يكن العمل بخبر الواحد مظنونًا).
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: أن خبر الواحد قد يخصص ما ليس فيه حكم شرعي؛ كالأخبار الصرفة، وما فيه حكم شرعي، لكن لا يكون فيه وجوب عمل بأن يكون إباحة، أو تحريمًا، أو كراهة، أو ندبًا، أو لنصب بسبب أو شرط، أو مانع؛ من باب خطاب الوضع، فوجوب العمل ليس لازمًا.
الثاني: الكلام فيما يثير الظنون التي يفتي عندها الإجماع بوجوب العمل، لا بوجوب العمل، فإن المجتهد يقدم ويؤخر ويرجح، فإذا نقرر عنده بذل جهده، وظن واستقر فكره ودواعيه حينئذ، ويفتيه الإجماع بوجوب العمل إن كان مما يجب العمل به، وإلا فلا.
قوله: (إذا قال الله تعالى: (إذا غلب على ظنكم صدق الراوي، فاقطعوا بأني حكمي ذلك):
قلنا: لم يقل الله- تعالى- ذلك، بل قال: إذا غلب على ظنكم صدق الراوي، فطلتم غاية الطلب، فلم تجدوا معارضًا لذلك الخبر، فلم تجدوه، وحينئذ يكون حكم الله- تعالى- ما غلب على ظننا، والخصم يقول: إن
ظاهر الكتاب معارض لهذا الخبر، ومقدم عليه، فما حصل انقطع بوجوب العمل.
قوله: (التخصيص أضعف من النسخ، ولا يلزم من تأثيره في الأضعف تأثيره في الأقوى).
تقريره: أن التخصيص بيان المراد من اللفظ، وإخراج ما ليس بمراد عن اللفظ.
وأما النسخ، وإن كان تخصصيًا في الأزمان- لكن الإبطال ورد على ما اتصف بالإرادة في الزمن الماضي، وورود الإبطال على ما اتصف بأنه مراد يقتضي مزيد الاحتياط؛ فإن الذي كان متصفًا بالإرادة كان متضمنًا للمصلحة، وإلا لما أريد بالحكم، وإبطال ما علم؛ أنه كان فيه مصلحة- يحتاج لتفقد، هل بطلت تلك المصلحة منه أم لا؟ إذ لو بقيت لما نسخ في ظاهر الحال؛ فيحتاج ذلك إلى مزيد احتياط، بخلاف التخصيص، ورد الإخراج على ما لم يكن قط مرادًا، فلم يتقدم فيه مصلحة تقتضي مزيد الاحتياط فيه.
فهذا هو الفرق المحقق؛ بخلاف قولهم: النسخ إبطال يوهم أنه إبطال المراد في الزمن الذي هو مراد فيه.
قوله: في شبهة ابن أبان، والكرخي:(إن العام مقطوع الدلالة) يريد عندهم مع أنه لا يحتاج لذلك، بل يكفي ما تقدم من توجيه مذهبهما.
وأما ما ينسب إليهما: أن الدلالة في العام قطعية، فبعيد عن نظر العلماء، وأين القطع من دلالة العموم على الاستغراق؟
***
المسألة الثانية
يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس وهو: قول الشافعي وأبي حنيفة، ومالك، وأبي الحسين البصري، والأشعري، وأبي هاشم أخيرًا.
ومنهم من منع منه مطلقًا، وهو قول الجبائي، وأبي هاشم أولًا.
ومنهم: من فصل، ثم ذكروا فيه وجوها أربعة:
الأول: قول عيسى بن أبان: إن تطرق التخصيص إلى العموم، جاز؛ وإلا فلا.
والثاني: قول الكرخي، وهو: أنه إن خص بدليل منفصل، جاز؛ وإلا فلا.
والثالث: قول كثير من فقهائنا، ومنهم ابن سريج: يجوز بالقياس الجلي دون الخفي، ثم اختلفوا في تفسير الجلي والخفي؛ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الجلي: هو قياس المعني، والخفي: هو قياس الشبه.
وثانيها: أن الجلي: هو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي، وهو غضبان) وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن إتمام الفكر، حتى يتعدي إلى الجائع والحاقن.
وثالثها: قول أبي سعيد الإصطخري، وهو:(أن الجلي هو الذي إذا قضي القاضي بخلافه، ينتقض قضاؤه).
والرابع: قول الغزالي- رحمه الله وهو: أن العام والقياس، إن تفاوتا في إفادة الظن، رجحنا الأقوى، وإن تعادلا، توقفنا.
وأما القاضي أبو بكر وإمام الحرمين، فقد ذهبا إلى الوقف.
قال إمام الحرمين: والقول بالوقف يشارك القول بالتخصيص من وجه، ويباينه من وجه:
أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج بالعام، والوقف يشاركه فيه.
وأما المباينة فهي: أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضي القياس، والواقف لا يحكم به.
تنبيه: نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد، والخلاف جار في الكل، وكذا القول في قياس الخبر المتواتر، بالنسبة إلى عموم الكتاب، وبالعكس.
أما قياس خبر الواحد، إذا عارضه عموم الكتاب، أو السنة المتواترة، وجب أن يكون تجويزه أبعد.
لنا: أن العموم، والقياس دليلان متعارضان، والقياس خاص؛ فوجب تقديمه.
أما أن العموم دليل: فبالاتفاق.
وأما أن القياس دليل: فلأن العمل به دفع ضرر مظنون، فكان العمل به واجبًا، وسيأتي تقرير هذه الدلالة في باب القياس، إن شاء الله تعالى، وإذا ثبت ذلك، فالتقرير ما تقدم في المسألة الأولى.
واحتج المانعون بأمور:
أحدها: أن الحكم المدلول عليه بالعموم معلوم، والحكم المدلول عليه بالقياس مظنون؛ والمعلوم راجح على المظنون.
وثانيها: أن القياس فرع النص، فلو خصصنا العموم بالقياس لقدمنا الفرع على الأصل؛ وإنه غير جائز.
وثالثها: أن حديث معاذ دل على أنه لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقد ذلك الحكم في الكتاب والسنة؛ وذلك يمنع من تخصيص النص بالقياس.
ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن من شرط القياس ألا يرده النص، وإذا كان العموم مخالفًا له، فقد رده.
وخامسها: أنه لو جاز التخصيص بالقياس، لجاز النسخ به وقد تقدم تقريره.
والجواب عن الأول ما تقدم، وعن الثاني: أن القياس المخصص للنص يكون فرعًا لنص آخر؛ وحينئذ يزول السؤال.
فإن قلت: لما كان القياس فرعًا لنص آخر، فكل مقدمة لابد منها في دلالة النص على الحكم- كانت معتبرة في الجانبين، وأما المقدمات التي لابد منها في دلالة القياس، فهي مختصة بجانب القياس فقط.
فإذن إثبات الحكم بالقياس يتوقف على مقدمات أكثر، وبالعموم على مقدمات أقل، فكان إثبات الحكم بالعموم أظهر من إثباته بالقياس، والأقوى لا يصير مرجوحًا بالأضعف.
قلت: قد تكون دلالة بعض العمومات على مدلوله، أقوى وأقل مقدمات من دلالة عموم آخر على مدلوله.
وعند هذا يظهر أن الحق ما قاله الغزالي رحمه الله وهو: أن دلالة العموم المخصوص على مدلوله، إذا افتقرت إلى مقدمات كثيرة، ودلالة العموم الذي هو أصل القياس، إذا افتقرت إلى مقدمات قليلة؛ بحيث تكون تلك المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات قليلة؛ بحيث تكون تلك المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات قليلة؛ بحيث تكون تلك المقدمات مع المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات العموم المخصوص أو أقل- جاز؛ وحينئذ لا يتوجه ما قالوه.
وعن الثالث: أن حديث معاذ، إن اقتضي أنه لا يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، فليقتض ألا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، ولا شك في فساد ذلك.
وعن الرابع: أن نقول: ما الذي تريد بقولك: شرط القياس ألا يدفعه النص؟
إن أردتم: أن شرطه ألا يكون رافعًا لكل ما اقتضاه النص، فحق.
وإن أردتم: ألا يكون رافعًا لشيء مما اقتضاه النص فهو عين المتنازع.
وعن الخامس: ما تقدم في المسألة الأولي.
المسألة الثانية
يجوز التخصيص بالقياس
قال القرافي: قوله: (أبو هشام أولًا): يريد في قوله الأول، قوله:(قال عيسى بن أبان، إن تطرق التخصيص للعموم، جاز تخصيصه بالقياس).
تقريره: أن العموم إذ خص، صار مجازًا ضعيفًا، فيجوز أن يسلط عليه القياس، فيخصصه، وإذا لم يدخل التخصيص، يكن حقيقة، فلا يسلط
عليه القياس. وقد تقدم السؤال عن (أبان) وما سبب منع صرفه في المسألة التي قبل هذه.
قوله: (وقال الكرخي: (إن خص بدليل منفصل، جاز، وإلا فلا):
تقريره: أن الدليل المنفصل يصير مع لفظ الأصل، كالكلمة الواحدة الدالة على ما بقي، فيكون حقيقة، فلا يسلط عليه القياس، أما المتصل، فلا يمكن ذلك فيه؛ لاستقلاله بنفسه، فيكون العموم بعد التخصيص مجازًا، فيخصصه القياس.
قوله: (الجلي: قياس المعني، والخفي: قياس الشبه):
تقريره: أن قياس المعني: مثل قياس النبيذ على الخمر؛ بجامع السكر، وهو معنى مناسب، وقياس الأرز على البر؛ بجامع الطعم، وهو معني مناسب، وقياس الشبه؛ كقياس الجلسة الأخيرة على الأولى في عدم الوجوب؛ للمشابهة في الصورة، وقياس العبد على الأموال؛ لأجل شبهه بها؛ في كونها تقارض عليه.
قوله: وثانيها: الجلي: هو مثل قوله عليه السلام: (لا يقضي القاضي، وهو غضبان) يريد ما يفهم علته من اللفظ، من غير سبر.
قوله: (وثالثها: هو ما لو قضي القاضي بخلافه، لنقضناه):
قلنا: هذا يلزم من الدور؛ لأن الفقهاء، هذا القائل وغيره، لما ضبطوا ما ينقض فيه قضاء القاضي، قالوا: هو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي فكل واحد من البابين يحال على الآخر، ويتوقف عليه، فيلزم الدور.
قوله: عن الغزالي: (إن العام والقياس، إن تفاوتا في إفادة الظن، رجحنا الأقوى، وإن تعادلا توقفنا):