الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن ذلك كله من المطابقة، نفى جزء من المستثنى منه، أو أكثر، فالصواب أن يقول: كل ما أجزاؤه مستوية لا يتصور فيه الاستثناء من التضمين، والمركب: الذى أجزاؤه مختلفة؛ كالسرير المركب من المسامير والخشب والباب، ونحو ذلك، فإن بعض أجزائه يتعين على الأجزاء.
فإذا قلنا: بعته سريراً إلا مسماراً، فإن هذا المسمار المستثنى، أنما استثنى من المسامير، ولم يستثن من الخشب، فتعين أن يكون من الجزء، فيكون من التضمين، بخلاف اثنين من العشرة؛ ليس نسبتها لإحدى الخمستين أولى من نسبتها للخمسة الأخرى، فهذا وجه حسن فى تمثيل الاستثناء من التضمين.
"
فائدة"
قال إمام الحرمين فى "البرهان": جوز الشافعى الاستثناء من اللازم
؛ كما إذا قال له: على ألف درهم إلا ثوباً، وعبر بالثوب عن قيمته، ولم يستغرق الألف، ومنعه أبو حنيفة، وجوز استثناء المكيل بعضه من بعض، وإن اختلفت الأجناس؛ للتأويل الذى ذكره الشافعى فى الثوب، واستثناء الموزون من المكيل، والمكيل من الموزون.
وقال المازرى فى "ّشرح البرهان" وأبو الحسن فى "المعتمد": هذا من باب الإضمار فى الاستثناء، لا من باب المجاز فى المفرد، بل من باب إضمار المضاف للمحذوف؛ تقديره: قيمة ثوب، فالاختلاف بينهما وبين إمام الحرمين، هل هو من مجاز الإضمار والحذف، أو من باب نقل اللفظ من مفرد إلى مفرد؛ كالأسد الشجاع.
قوله: "إلا فى آية الخطأ، ليست استثناء، بل بمعنى "لكن":
قلنا: ولا معنى لصورة النزاع التى هى الاستثناء المنقطع إلا ذلك؛ فكل
استثناء منقطع عند النحاة مقدر بـ"لكن" فما حصل جواب "بل"{و} هذه صورة المسألة.
قوله: (ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) النساء: 92. فغلب على ظنه أنه كافر أو صيد":
قلنا: وإذا ظنه صيداً أو كافراً، لا نسلم أنه يصدق أن الله ـ تعالى ـ جعل قتل المؤمن له، بل أذن له فى الرمى مسلم، والمستثنى منه ليس الرمى، كيف كان، إنما المستثنى منه ما كان له قتل المؤمن؛ فينبغى أن يكون المستثنى له قتل المؤمن، حتى يكون من الجنس، وبالنقيض؛ فيتحقق الاتصال، وما ذكرتموه لا يحققه.
قوله: "لابد من الدلالة على كون إبليس من الجن":
قلنا: قوله تعالى: (إلى إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه) الكهف: 50. مع أن النزاع وقع فى هذه الآية.
وقيل: الجن من الاجتنان، وهو الستر، ومنه المجن؛ لأن الدرقة تستر صاحبها، والجنون يستر العقل، والجنان؛ لأنها مستورة بالشجر، والجنين؛ لأنه مستتر فى بطن أمه، فإذا كان هذا أصل هذه المادة واشتقاقها، فالملائكة محجوبون مستورون عن البصر، فيصدق عليهم أنهم جان، فلا حجة فى الآية، على أن عرف الاستعمال خصص لفظ الجن والجنة بالمخلوق من النار، ولما قال الله تعالى:(من الجنة والناس) الناس: 6. لم يفهم أحد الملائكة، ومثل هذه المناقشة ترد أيضاً فى الملائكة؛ لأنه مشتق من الألوكة، أو المألكة، التى هى الرسالة، وإبليس قد أرسله الله ـ تعالى ـ حالة الرضا عنه إلى الأرض فى قتال الجن، فيصدق عليه أيضاً لفظ الملك، وكان يشارك الملائكة فى أحوالهم، ومن جملتها الرسائل، مع أنه قد قيل: إنه من الجن، وأنهم لما أفسدوا، بعث الله الملائكة إليهم، فقتلوهم، وسَبَوا منهم إبليس
صغيراً، فتربى بين الملائكة، وكان اسمه عزازيل، وكنيته أبو مرة، وإنما لقب بـ"إبليس" لما انقطعت حجته بعد امتناعه من السجود، وكذلك قاله صاحب كتاب "الزينة" فى اللغة، وأنشد عليه {الرجز}:
يا صاح! ............ ؟
قال: نعم أعرفه وأبليسا
أى انقطع صوته الذى عادته أن يجيب عند النداء من الصدى، كما جرت عادة الجبال: أن تجيب المنادى، بمثل صوته، فإذا خرجت، لم تجب، وكذلك قال الشاعر {السريع}:
صم صداها وعفا رسمها .............
قوله: "حسن استثناؤه؛ لأنه كان مأموراً":
قلنا: ذلك لا يمنع الانقطاع؛ فإن المأمورين لم يصدر لهم الكلام، إنما صدر للملائكة.
"قاعدة"
لا يشترط فى المتصل استواء الفظين، بل لا بد أن يكون الأول شاملاً بلفظ، فإذا قلت: رأيت الحيوان إلا إنساناً، كان متصلاً لشمول الأول، وإن اختلف اللفظ، لا يضر، وإن كان الأول لا يشمل؛ كقولك: رأيت الإنسان إلا فرساً، أو الحيوان إلا نباتاً، كان منقطعاً، فهذان قسمان مميزان: شامل مطلقاً، وغير شامل مطلقاً، بقى قسم ثالث يتصور فيه الشمول، وعدم الشمول؛ كقولك: رأيت الحيوان إلا أبيض، فالحيوان يقبل أن يكون أبيض، وغير أبيض، والأبيض يقبل الحيوان، وغير الحيوان، فكل واحد منهما أعم، وأخص من الآخر من وجه، والأولان أعم مطلقاً، ومباين مطلقاً، فهذا القسم موضع النظر، هل ينظر إلى وجه العموم؛ فيجوز، أو إلى وجه الألتباس وإمكان الافتراق؛ فيمتنع؟
والملائكة مع المأمورين من هذا القسم، فإن الملك قد يكون مأموراً، وقد
لا يكون، والمأمور يقبل أن يكون ملكاً، وألا يكون، فتأمل هذا الموضوع؛ فهو موضع النظر، هل يكون منقطعاً ومتصلاً، وبهذا يمكن أن يقال: السلام: يقع لغواً، وغير لغو، واللغو: يقع سلاماً، وغير سلام؛ فيكون متصلاً من هذا الوجه أيضاً؛ لأن كل واحد أعلم من الآخر من وجه، فهو من القسم الثالث، وقد يتفق اللفظ فى الاستثناء، مع اتفاق المعنى واختلافه؛ فتقول: قبضت الدراهم إلا درهماً، فيتفق المعنى، ورأيت العيون إلا عيناً، فإن أردت بالعيون استعمال اللفظ فى أحد مسمياته، فاستثنيت منه، كان متصلاً، أو من غيره، كان منقطعاً، أو استعملت اللفظ فى جميع مسمياته، فإن الظاهر أنه متصل؛ لأنه بعض ما قبل "إلا" ويحتمل أن يقال: منقطع؛ لأن المتصل هو إخراج بعض الجنس والحقيقة الواحدة، وهذه أجناس وحقائق مختلفة، أخرجت بعضها؛ فيكون منقطعاً، فهو موضع نظر، فيتلخص أن الاستثناء ثمانية أقسام: إن اتفق اللفظ والمعنى، فمتصل، وإن اختلف اللفظ والمعنى، فمنقطع، وإن اختلف اللفظ، واتحد المعنى، والمستثنى منه أعم مطلقاً، فمتصل، أو أعم من وجه، فموضع الاحتمال، والظاهر الاتصال، أو اتحد اللفظ، وكان مشتركاً، واستعمل فى أحد مسمياته، واستثنى فيه، فمتصل، أو قصد الاستثناء من غيره بغير ذلك اللفظ، أو به، فمنقطع، أم منه، فمتصل، أو استعمل فى جميع مسمياته، فموضع النظر. واعلم أن مباحث الاستثناء كثيرة جليلة تقبل أن نجمع فيها تصنيفاً مستقلاً كبيراً جليلاً، وأنا ـ إن شاء الله تعالى ـ أنبه على جمل منه فى هذا الباب، من غير إسهاب.
قوله: (إلا أن تكون تجارة) النساء: 29. و (إلا اتباع الظن ....) النساء: 157.
قال النحاة: "إنه ليس باستثناء، بل هو مقدر بـ"لكن".