الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واحتج ابن سريج: أن بتقدير قيام المخصص لا يكون العموم حجة فى صورة التخصيص، فقبل البحث عن وجود المخصص، يجوز أن يكون العموم حجة وألا يكون، والأصل: ألا يكون حجة، إبقاء لشيء على حكم الأصل.
والجواب: أن ظن كونه حجة أقوى من ظن كونه غير حجة؛ لأن إجراءه على العموم أولى من حمله على التخصيص، ولما ظهر هذا القدر من التفاوت، كفى ذلك فى ثبوت الظن.
"
فرع"
إذا قلنا: يجب نفي المخصص، فذاك مما لا سبيل إليه إلا بأن يجتهد فى الطلب
، ثم لا يجد، لكن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود، لا يورث إلا الظن الضعيف، واله أعلم.
المسألة الثامنة
لا يجوز التمسك بالعام مالم يستقص فى طلب المخصص
قوله: "لو لم يجز التمسك بالعام، إلا بعد طلب المخصص، لما جاز التمسك بالحقيقة، إلا بعد طلب أنه هل وجد مقتضى المجاز أم لا"؟
قلنا: الصحيح الذى لا ينبغى أت يختلف فيه هو قول ابن سريج، وحكى الشيخ أبو اسحاق فى "اللمع" مقالة ابن سريج عن ابى سعيد الإصطخرى وأبى اسحاق المروزى، وهى المقالة الصحيحة. قال التبريزى وغيره من المتأخرين والمتقدمين، والمسألتان سواء، ولا يجوز الاعتماد على شيء من الحقائق إلا بعد الفحص عن المجاز، ولا شيء من النصوص إلا بعد الفحص عن الناسخ، ولا شيء من الأقيسة إلا بعد الفحص عن المانع من اعتبار ذلك
القياس من الفوارق أو النصوص أو غيرها، بل جميع مدارك الشرع كذلك لا يجوز التمسك بشيء منه إلا بعد بذل الجهد فى نفى المعارض، وهل له معارض يقدم عليه أم لا؟
فإذا غلب على ظنه عدم المعارض حينئذ يعتمد على المجتهد، وإلا فلا حتى اشترط فى رتبة الاجتهاد تلك الشروط العظيمة التى عجز عنها أهل الاعصار المتأخرة، ولو أن الظفر بالدليل فقط يبيح الفتيا بموجب ذلك الدليل، لكان العامى يتيسر له ذلك، بل لا بد من بذل الجهد، ولا يكفى بذل الجهد مع قلة الإحاطة بوجوه الحجاج الشرعية، ومواقع الخلاف والإجماع، وجميع ما يتوقع من الاطلاع عليه يقويه، أو خل من فنون النحو واللغة، ووجوه نصب الأدلة وتركيبها، فبذل الجهد حينئذ مبيح للفتيا، وأما بذل الجهد مع القصور والتقصير، فلا ينفع بذل الجهد شيئا.
وأما عدم النظر ألبته، فلو قيل:"إنه خلاف الإجماع" ما أبعد قائلة.
وأما قوله: "إن طلب المجاز فى العرف غير واجب":
فجوابه: لأن الناس فى العرف يكتفون فى معايشهم بأيسر الأسباب، وأولى مراتب الظنون، فإنه لا تقوم المعيشة إلا بالاكتفاء بذلك، ولو اشترط أهل العرف فى معيشتهم ما شرط فى فتاوى الشريعة، بطلت عليهم معيشتهم، وفسد حالهم.
وأما منصب الاجتهاد فى تقرير الشرائع على جميع الخلائق إلى قيام الساعة، وإباحة الدماء، والفروج، والأعراض، والأموال ــ فلا يقرر قاعدة منها إلا بعد بذل الجهد فى جميع الطرق التى يمكن أن يستعان بها جلباً، أو دفعاً، نفيا ً أو إثباتاً، ولا يعتمد على بادـ الراى، وأوائل النظر.
وأما قوله عليه السلام: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن"، فلا نسلم صحته، سلمنا صحته؛ لكن المراد به ما رآه جميع المسلمين أو بعضهم؟
الأول: مسلم، ولم يحصل ذلك هاهنا.
والثانى: ممنوع؛ فإن بعض المسلمين، أى بعض كان، لم يقل أحد إنه حجة، ولا هو عند الله ـ تعالى ــ ثم إنه يلزمه منه القول بالنقيضين؛ لأن كل خصم قد رأى نقيض ما قال به خصمه؛ فيلزمه اجتماع النقيضين، ثم إن أهل العرف إنما يرو ذلك حسناً فى معايشهم، فيكون عند الله ـ تعالى ـ حسناً فى معياشهم؛ لأن الضمير فى قوله: فهو عند الله حسن ـ عائد إلى المرئى لأهل العرف على ذلك الوجه الذى رواه فيه، كما تقول: زيد يلبس الفراء فى الشتاء، ويرى ذلك حسناً، وما رآه زيد سناً، فهو عند عمرو حسن، إنما يفهم من ذلك لبس الفراء فى الشتاء، لا لبس الفراء كيف كان، ونحن نقول بذلك فالتمسك بالحقيقة مع عدم الفحص عن المجاز حسن عند اله ـ تعالى ــ فى المعاش دون المعاد؛ لأنه هو الذى رآه أهل العرف حسناً، وفى هذا الكلام الأخير بحث؛ لأن رؤية الله ـ تعالى ـ حينئذ تكون بمعنى أنه يعلمه كذلك، وعلى ما قاله المصنف: يكون معناه: أن الله ـ تعالى ـ شرعه فى شرعه حسناً، والقاعدة أن لفظ صاحب الشرع، إذا دار بين الحكم العقلى والشرعى، تعين حمله على الشرعى؛ لأنه عليه السلام إنما بعث لبيان الشرعيات.
قوله: "الأصل عدم التخصيص، وهذا يفيد ظن عدم التخصيص":
قلنا: مسلم؛ لكن لم قتلتم: إن مطلق الظن كاف فى منصب الاجتهاد، بل لا بد من الظن الناشئ عن بذل الجهد بعد كثرة التحصيل، كما تقدم بيانه، أما مطلق الظن فلا.