الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دل على عدم استعماله فى الشمول؛ فيكون مستعملاً فى غير ما وضع له، فيكون مجازاً؛ لأن المجموع ليس موضوعاً لما بقي؛ كما تقدم.
تقريره: بل بعضه موضوع للشمول، وهو الفظ العام، والبعض الأخر موضوع للغاية، أو للربط والتعليق، أو للإخراج كالاستثناء.
قوله: "إذا قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]ـ، فقال النبي عليه السلام في الحال:(إلا زيداً) فهل هو تخصيص متصل أو منفصل؟
فيه احتمال، تقريره: أن كونه عقيب السماع من غير فصل يقتضي كونه متصلاً، وكونه من متكلمين يقتضي انفصاله، فحصل التردد.
(سؤال)
قال النقشوانى: اختياره ــ هاهنا ــ ناقص به ما اختاره فى مسألة إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين، وجعل التخصيص من جملتها، وجعله قبالة الحقيقة، وما قرره فى أنواع المجاز؛ حيث قال: إطلاق الكل، وإرادة البعض، ومثله بالعام المخصوص، ثم إنه جعل التخصيص جنساً تحته ثلاثة أنواع:
أحدها: الاستثناء، فإذا كان التخصيص مجازاً؛ يلزم أن يكون الاستثناء مجازاً، وهو من جملة المخصصات المتصلة، ثم قوله: العام لا يفيد ذلك البعض، وإلا لما أفاد ذلك الشرط شيئاً، يلزمه أن سائر صور التخصيص كذلك، فإن المخصص المنفصل، إذا لم نلاحظه، لا يقتصر على ذلك البعض الباقي بعد التخصيص.
قلت: وتندفع هذه المناقضات؛ فإن قوله: "التخصيص مقدم على النقل وغيره" لم يتعرض ثمة لجميع أنواع التخصيص، بل لجنسه من حيث الجملة،
وإذا كان الكلام فى تقرير قاعدة لا يحتج به فى غير تلك القاعدة؛ لأن المتكلم لم يوجه، لتجويز غير ما هو فيه؛ ولذلك قال العلماء: لا يتم أي احتجاج حقيقة بقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة فى جميع الخضروات؛ لأن الشارع إنما قصد بذلك الكلام الجزء الواجب، لا الواجب فيه، فمتى سيق الكلام فى تحرير معنى، لا يكون حجة فى غيره، كذلك هناك سيق الكلام لترجيح أحد تلك الاحتمالات على غيرها، لا تقرير أنواع التخصيص والمجاز؛ فيحتمل كلامه هناك على التخصيص بقرينة منفصلة، وهو قد سلم هاهنا أنه مجاز، وكذلك نقول: حيث مثل أنه أحد أنواع المجاز؛ لم قلتم: إنه أراد استعمال اللفظ فى الجزء، إذا دلت عليه قرينة متصلة، بل لحمله على ما إذا كان المخصص منفصلاً؛ جمعا بين كلاميه، ولا ضرورة للتناقض؛ لأنه لم يتعين، وأما كونه جعل التخصيص جنساً تحته أنواع: أحدها: الاستثناء، فلا يلزمه أيضاً أن الاستثناء مجاز؛ لأن مطلق التخصيص هو المجعول جنساً، ومطلق التخصيص ليس مجازاً عنده، وإنما المجاز يعرض من المخصص المنفصل الذى هو أخص من مطلق التخصيص؛ فلا يلزم من ثبوت حكم الأخص ثبوته للأعم، بل الأعم عنده قابل لأن يكون مجازاً، وألا يكون كما نقول: الكلام يقبل أن يكون أمرا ً وألا يكون، وإذا قضى على بعض أنواعه بأنه أمر، لا يلزم أن يقضي على مطلق الكلام بأنه أمر، كذلك هاهنا، سلمنا أن هذا الاختيار لا يجتمع مع ذلك، أو أي محذور فى هذا، وذلك أن العلوم ليست تقليدية، ولا يجمد فيها على حالة واحدة طول عمره، إلا جامد العقل، فاتر الذهن، قليل الفكرة، فاتر الفطنة، إلا في الأمور الجليلة جدا؛ فإنها لا تتغير عند العقلاء، وليس هذا منها، بل هذا من محال النظر، وموارد التغير، فهذا الاختلاف مما يدل على وفور علم الإمام وجودة عقله ودينه، أما عقله وعلمه، فإنه دائم أبداً فى النظر والنقل، طالب للأزدياد والتحصيل
والوصول إلى غاية بعد غاية، وكشف حقيقة بعد حقيقة؛ فيظهر له دائماً خلاف ما ظهر له أولاً، وكذلك قال عمر رضي الله عنه في المشركة:"ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي" ورجع عما أفتى به أولاً، ولم يزل العلماء على ذلك قديماً وحديثاً.
وأما وفور دينه: فلأنه إذا ظهر رجحان شيء، رجع إليه، ولا يخشى أن يقال: غلط أولاً، ثم رجع للحق، بل يقول الحق متى ما ظهر له، ولا يكترث بمن يعتب عليه للاختيار الأول، وهذا عائد الدين، وصلابة الهمة، فهذا بأن يشكر به الإمام أولى وأحرى، وأن يجعل من صفات كماله، لا من صفات نقصانه.
ولقد رأيت جماعة قصدت هممهم عن فهم كلام الإمام، والاشتغال بتحصيل معاني كتبه، فيعيبونه بهذا، وينفرون الناس، ويقولون: هو ينقص كلامه بعضه بعضاً، فلا تشتغلوا به، وطول الزمان ينقلون عن الشافعى وغيره من السادة الكرام عدة أقوال فى المسألة الواحدة، ولا يعد ذلك أحد من معايبهم، بل من كمالهم؛ فلم لا يفعلون ذلك هاهنا؟ بل من جهل شيئاً، عاداه، وعادى أهله لا سيما، وفى هذه الاختلافات تنبيه الطالب على النظر، وتفنن من المدارك، ووجوه الترجيح، وقوة إيضاح الحق، فإن كثرة أقل المباحث مما يزيد الحق وضوحاً عند الفضلاء، وذوى العقول الراجحة، كما أن الأخوث، وناقص العقل، إذا اختلفت عليه المباحث يتيه ويضل، ولايبقى له حاصل ألبته، بل لا يعرف المشي إلا على تفنن واحد؛ كالدابة لا تعرف دار صاحبها إلا إذا لم تختلف الطرق عليها، أما ذو البصيرة الراجحة، فلا.
المسألة السابعة
يجوز التمسك بالعام المخصوص
قال الرازى: وهو قول القهاء، وقال عيسى بن أبان، وأبو ثور: لا يجوز مطلقا.
ومنهم من فصل؛ فذكر الكرخى: أن المخصوص بدليل متصل يجوز التمسك به، والمخصوص بدليل منفصل لا يجوز التمسك به.
والمختار: أنه لو خص تخصيصاً مجملاً لا يجوز التمسك به، وإلا جاز؛ مثال التخصيص المجمل: كما قال اله تعالى: (اقتلو المشركين) ثم قال: لم أرد بعضهم.
لنا وجوه:
الأول: أن اللفظ العام كان متنا ولا للكل، فكونه حجة فى كل واحد من اقسام ذلك الكل: إما أن يكون موقوفاً على كونه حجة فى القسم الآخر، أو على كونه حجة فى الكل، أو لا يتوقف على واحد من هذين القسمين:
والأول باطل؛ لأنه، إن كان كونه حجة فى كل واحد من تلك الأقسام، مشروطاً بكونه حجة فى القسم الآخر، لزم الدور، وإن أفتقر كونه حجة فى هذا القسم إلى كونه حجة فى ذلك القسم، ولا ينعكس ــ فحينئذ يكون كونه حجة فى ذلك القسم يصح أن يبقى بدون كونه حجة فى هذا القسم؛ فيكون العام المخصوص حجة فى ذلك القسم.
هذا؛ مع انا نعلم بالضرورة أن نسبة اللفظ إلى الكل الأقسام ــ على السوية، فلم يكن جعل البعض مشروطاً بالآخر أولى من العكس.
والقسم الثانى أيضاً باطل؛ لأن كونه حجة فى الكل يتوقف على كونه حجة فى كل واحد من تلك الأقسام؛ لأن الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الأفراد، فلو توقف كونه حجة فى البعض على كونه حجة فى الكل، لزم الدور؛ وهو محال.
ولما بطل القسمان، ثبت أن كونه حجة فى ذلك البعض لا يتوقف على كونه حجة فى البعض الاخر، ولا على كونه حجة فى الكل؛ فإذن: هو حجة فى ذلك البعض، سواء ثبت كونه فى البعض الآخر أو فى الكل، أو لم يثبت ذلك؛ فثبت أن العام المخصوص حجة.
الثانى: هو أن المقتضى لثبوت الحكم فى غير محل التخصيص قائم، والمعارض الموجود لا يصلح معارضاً؛ فوجب ثبوت الحكم فى غير محل التخصيص.
إنما قلنل إن المقتضى قائم؛ وذلك لأن المقتضى هو اللفظ الدال على ثبوت الحكم، وصيغة العموم دالة على ثبوت الحكم فى كل الصور، والدال على ثبوت الحكم فى كل الصور دال على ثبوته فى محل التخصيص، وفى غير محل التخصيص؛ فثبت أن القتضى لثبوت الحكم فى غير صورة التخصيص قائم.
وأما المعارض الموجود لا يصلح أن يكون معارضاً؛ فلأن المعارض إنما هو بيان أن الحكم غير ثابت فى هذه الصورة المعينة، ولا يلزم من عدم الحكم في
هذه الصورة المعينة عدمه فى الصورة الأخرى، فبيان عدم الحكم فى هذه الصورة لا يكون منافياً لثبوت الحكم فى الصورة الأخرى.
فثبت: أن المقتضى قائم، والمانع مفقود؛ فوجب ثبوت الحكم.
الثالث: أن عليا ــ كرم الله وجهه ــ تعلق فى الجمع بين الأختين فى الملك؛ بقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) النساء: 3. مع أنه مخصوص بالبنت والأخت، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة؛ فكان إجماعاً.
أحتجوا: بأن العام المخصوص لا يمكن إجراؤه على ظاهرة؛ فيجب صرفه عن الظاهر؛ وحينئذ لا يكون حمله على بعض المحامل أولى من بعض؛ فيصير مجملاً.
قلنا: لا نسلم أنه ليس البعض بأولى من البعض، بل عندنا يجب حمله على الباقى، واله أعلم.
المسألة السابعة
يجوز التمسك بالعام المخصوص
قال القرافى: قوله: "قال الكرخى: إن خص بمتصل جاز التمسك به، وإلا، فا":
تقيره: أن التخصيص، إذا كان متصلا، كان مع الأصل؛ كاللفظة الواحدة الموضوعة لما بقى، فيكون حقيقة، والمخصص المنفصل لا يمكن جعله مع الأصل كالكلمة الواحدة؛ فكان مجازاً، وليس بعض مراتب المجاز عنده فى التخصيص أولى من البعض؛ فيكون مجملاً، فلا يصح التمسك به، وقد تقدم تمثيل المتصلات بالشرط والغاية والصفة والاستثناء.
قوله: "والمختار إن خص تخصيصاً مجملاً، لا يجوز التمسك به":
قلنا: هذا يوهم أن هذا المذهب قال به أحد، ومتى كان التخصيص مجملاً امتنع العنل به اتفاقاً فيما عملت، ولا يمكن العمل به، وبعضه قد حرم مثلاً، وبعضه مباح، وقال المتكلم: المحرم عندى معنى، ولا أبنيه لكم، كما مثلته فى المشركين، فكيف يسوغ من عقل الإقدام على مثل هذا، فهذا، والله أعلم، متفق عليه، فلا معنى لقوله:"والمختار" أما إذا قال: اقتلوا المشركين، والمراد بعضهم والبعض غير معين عند المتكلم، فيصير معنى الكلام:"أوجبت عليكم قتل جماعة لا أعينها" فهو مثل إيجاب عتق رقبة لا بعينها، فيخرج عن العهدة بقتل أى ثلاثة من المشركين كانوا، ولا يكون ذلك تخصيصاً مجملاً إنما يكون مجملاً، إذا كان متعيناً فى نفس الأمر، وامتنع المتكلم من تبيينه، وهو مراده فى الكتاب.
قوله: "كونه حجة فى كل واحد من الأقسام، إما أن يتوقف على كونه حجة فى القسم الآخر، أو كونه حجة فى الكل":
تقريره: كون لفظ المشركين مثلاً حجة فى الحربيين، إما أن يتوقف على كونه حجة فى الذميين، أو كونه حجة فى مجموع الفريقين من حيث هو مجموع، والمجموع من حيث هو مجموع مغاير للذميين، كمغايرة العشرة الخمسة.
قوله: "إن كان مشروطاً بكونه حجة فى القصسم الآخر، لزم الدور":
قلنا: التوقف أعم من توقف الشرط؛ لأن التوقف قد يكون على وجه المعية، وقد يكون على وجه السبقية من الطرفين.
والثانى هو الذى يلزم منه الدور، دون الأول.
فإذا قلت: "لا أخرج من الدار؛ حتى يخرج زيد قبلى" وقال زيد: "لا أخرج؛ حتى تخرج أنت قبلى" تعذر خروج واحد منكما، وصار محالاً.