الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: " قبل الاطلاع على المخصص يجوز أن يكون العام حجة فى صورة التخصيص، وألا يكون حجة":
قلنا: لا نسلم أن الأصل ألا يكون حجة، بل الأصل أن يكون حجة يعمل بها؛ غير أن الشرع شرط التثبيت والفحص على المجتهد؛ لاحتمال قيام المعارض، فإذا لم يجده ببعد بذلالجهد، عمل بمقتضاه.
قوله: "ظن كونه حجة أقوى، وهذا القدر كاف"
قلنا: "لا نسلم أنه كاف، بل لا بد من الفحص، وإلا لذهبت حقيقة رتبة الاجتهاد، فساوى المجتهد العامى.
قوله: "الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يورث إلا الظن الضعيف":
قلنا: لا نسلم؛ وإنما يكون الظن ضعيفاً فى حق من لم يكثر تحصيله، أما المجتهد الذى قارب الإحاطة بالكتاب والسنة، وجميع مدارك الشريعة، فعدم وجدانه يقارب القطع بعدم الوجود، فظنه فى غاية القوة.
"
تنبيه
"
قال التبريزي: الصحيح أنه لا يجوز التمسك به إلا بعد الاستقصاء فى طلب المخصص، وحد الاستقصاء: أن يجد ف نفسه سكوتاً تاما إلى عدمه؛ كالطالب متاعاً فى البيت يعرف مظانه، إذا لم يجده، ورعاية أقصى الممكن واجبة فى الاجتهاد، كما فى البينات.
"
تنبيه"
كلام المصنفين في "أصول الفقه" يخالف لفظه الذي وضعه فى هذه المسألة
؛ فإن الإمام فى "البرهان" قال: "إذا وردت الصيغة الظاهرة فى اقتضاء العموم، لم يدخل وقت العمل"
قال الصيرفي: يجب اعتقاد العموم، على الجزم، فإن تبين خلافه، رجع، قال: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء، وإنما هو قول صدر عن غباوة استمرار فى عمائه، وكيف يتصور الجزم مع احتمال ظهور المخصص، وكشف الغطاء عن المسألة: أنا نغلب على ظننا أولاً العموم، ثم إذا دخل وقت العمل، ولم يرد مخصص، فقد يقطع بالتعميم للقرائن، وقد لا يحصل القطع، فيقطع بوجوب العمل لا بإرادة العموم، بل بظنها.
قال المازرى فى "شرح البرهان": المعممون على خلاف مذهب الصيرفى فى اعتقاد العموم جزماً، والكلام فى هذه المسألة مبنى على أن الحاجة لم تدع للعمل بالعموم بعد، وإذا دعت الحاجة لا يمكن تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإذا قال الصيرفى: أنا أردت اعتقاد وجوب العمل لا اعتقاد إرادة العموم:
قلنا: فقد يرد المخصص بعد ذلك عند وقت العمل؛ فلا نجزم الآن بوجوب العمل، وإن أراد أنه إذا حضر وقت العمل، أجراه على عمومه من غير التفات إلى طلب ما يخصصه من النصوص والقواعد، فهذا غلط؛ لأن الفقيه لا يباح له أن يفتى بأول خاطر يسنح له، ولو سنح له قياس، لم يجز الفتيا به، حتى يبحث هل فى الشريعة ما يخالفه أم لا؟
قال الأيبارى فى "شرح البرهان": مذهب الصيرفى أنه يمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فهذا هو موجب قوله: هذا المذهب.
قال الغوالى فى "المستصفى": لا خلاف أنه لا تجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم، قبل البحث عن الأدلة التى يجوز التخصيص بها فى جميع
الشريعة؛ لأن العموم دليل بشرط انتقاء المخصص، والشرط لم يظهر، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل؛ ولكن إلى متى يجب البحث؛ فإن المجتهد، وإن استقصى، أمكن أن يشذ عنه دليل مخصص، والناس فى هذا ثلاثة مذاهب:
قيل: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء، عند الاستقصاء فى البحث؛ كالذى يبحث عن متاع فى البيت.
وقيل: لا بد من اعتقاد جازم، وسكون نفس، ومتى جوز، لم يحكم، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراماً؟!!
وقيل: لا بد، وأن يقطع بانتفاء الأدلة المعارضة، وإليه ذهب القاضى، لكن يشكل طريق تحصيل هذا القطع، فذكر القاضى مسلكين:
أحدهما: البحث فى مسألة كثر الاختلاف فيها، كالمسلم يقتل الذمى، ويستحيل فى العادة ألا يظهر لجميعهم دليل فى نفس الأمر.
قال: وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم فى كل واقعة، لم يشتهر الخلاف فيها، والمعلوم من حالهم خلافه.
وثانيهما: أن طول مدة الخلاف والبحث لا يحصل اليقين؛ فلعله مذكور، ولم يبلغ إلينا.
المسلك الثانى للقاضى: أن الحكم لو كان مخصوصاً، لنصب الله ــ تعالى ــ عليه دليلاً يخصصه.
قال الغزالى: وهذا أيضاً من الطراز الأول، فقد يكون الله ــ تعالى ــ بصره، وما بلغ هذا المجتهد.
قال: والمختار: أصول الاعتقاد إلى هذا الحد لا يشترط، والمبادرة قبل البحث لا تجوز، ويفعل غاية جهده حتى يحس العجز.
قلت: فانظر هذه المباحث والتلخيصات لما فى "المحصول" وصدر المسألة فى "المحصول" بالتمسك بالعام، والمسألة إنما هى فى الاعتقاد قبل ورود وقت العمل، وأين أحدهما من الآخر؟ والجماعة يحكمون الإجماع فى أنه: لا يجوز العمل بأول خاطر، ولا بدليل؛ حتى يفحص عن مخصصاته ومعارضاته، واشترط القاضى القطع، وبعضهم نحو ما سمعته مسطورا ً هاهنا، فهذا يظهر لك الحق فى المسألة يقيناً.
القسم الثالث
فيما يقتضى تخصيص العموم
قال الرازى: والكلام فى هذا القسم يقع فى أطراف أربعة:
أحدهما: الأدلة المتصلة المخصصة.
وثانيها: الأدلة المنفصلة المخصصة.
ثالثها: بناء العام على الخاص.
ورابعها: ما يظن أنه من مخصصات العموم، وليس كذلك.
القول فى الأدلة المتصلة، وفيه أبواب:
الباب الأول
فى الاستثناء، وفيه مسائل
المسألة الأولى: الاستثناء: إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظ "إلا" أو ما أقيم مقامه.
أو يقال: ما يدخل فى الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظه، ولا يستقل بنفسه. والدليل على صحة هذا التعريف:
أن الذى يخرج بعض الجملة عنها: إما أن يكون معنويا؛ كدلالة العقل والقياس، وهذا خارج عن التعريف.
وإما أن يكون لفظيا: وهو إما أن يكون منفصلا؛ فيكون مستقلا بالدلالة، وإلا كان لغواً، وهذا أيضاً خارج عن هذا الحد.
أو متصلاً، وهو: إما التقييد بالصفة، أو الشرط، أو الاستثناء، أو الغاية:
أما التقييد بالصفة: فالذى خرج لم يتناوله لفظ التقيبد بالصفة؛ لأنك إذا قلت: "أكرمنى بنو تميم الطوال" خرج منهم القصار، ولفظ "الطوال" لم يتناوله القصار؛ بخلاف قولنا:"أكرمنى بنو تميم إلا زيداً"
فإن الخارج، وهو زيد، تناولته صيغة الاستثناء، وهذا هو الاحتراز عن التقييد بالشرط.
وأما التقييد بالغاية: فالغاية قد تكون داخلة؛ كما فى قوله تعالى: (إلى المرافق): المائدة: 6. بخلاف الاستثناء؛ فثبت أن التعريف المذكور للستثناء منطبق عليه.
القسم الثالث
فيما يقتضى تخصيص العموم
قال القرافى:
الباب الأول
فى الاستثناء، وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قوله: "هو إخراج بعض الجملة من الجملة بـ"لا" أو ما أقيم مقامه":
تقريره: أنه يتغير ـ هاهنا ـ أن ترتيب الجملة لجزيئات؛ نحو: أفراد العام، وأفراد العدد، والآخر نحو: أكلت السمكة إلا رأسها، حتى ينتظم الحد، وإلا فلا يكون جامعاً.
وقوله: "أو ما أقيم مقامه":
يريد: "غيراً" و"حاشا" و"خلا" و"عدا" و"لا يكون" و"ليس".
تقول: قام القوم إلا زيداً، وحاشا زيد، وعدا زيد، وخلا زيد، ولايكون زيداً، وليس زيداً، وسوى زيد.
قال المازرى فى "شرح البرهان": أدواته اثنا عشر: "إلا" و"غير"
و"بله" و"سوى"
و"سيما" و"خلا" و"عدا"
و"حاشا" و"ما خلا" و"ما عدا" و"ليس"
و"لا يكون".
قوله: " ويقال: ما لا يدخل فى الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظه، ولا يستقل بنفسه":
تقريره: أن المخرج قد يكون بالجمل المستقلة، نحو: لا تقتلوا الرهبان، بعد أن يقول: أقتلوا المشركين؛ لكن هذا لم ينحصر وضعه فى الكلام للإخراج، بل لو ذكر ابتداءً، لم يكن مخرجاً.