الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سؤال)
قال النقشواني: الفرق عند المعتزلة بين التخصص والنسخ: أن المكلف يمكنه أن يعتقد أنه مهما بقى أصل الخطاب، فالعمل باق مع تجويزه النسخ، ولا يمكنه أن يعتقد أنه مهما فقد المخصص، كان العموم للاستغراق، كما أنا نعتقد أنه مهما بقى أصل عقد البيع، فالملك باق، فكذلك النسخ.
وإذا تقدم البيان الإجمالي في النسخ، لا يمنع ذلك ورود النسخ بعد ذلك، لأنه بالبيان الإجمالي لا يصير مغيًا بغاية، وبالتفصيلي يصير مغيًا بغاية، فيتعذر أن يكون نسخًا؛ لأنه ينتهي لغايته؛ بخلاف الإجمالي.
والتخصيص لا يبطل بتقدم البيان.
(سؤال)
قال التبريزي: البيان والتخصيص تارة يكون كليًا؛ كتخصيص الموتى، وأرباب الأعذار من التكاليف، وتارة يكون جزئيًا، كإخراج زيد بخصوصه، وتعيينه للإخراج، أو إخراج نوع معين.
وعلى هذا؛ من مات قبل وقت الخطاب، هو معلوم التخصيص بالبيان الكلي، فلم يكن بيانًا تأخر عن وقت الخطاب.
(تنبيه)
زاد سراج الدين؛ فقال: في التخصص بالموت شرط وجود المخصص، والمخصص العقلي معلوم في الأزمان دون الأعيان
.
قلت: وبسط هذه العبارة بما تقدم، وقال على قوله: ينتقض بالكلام الطويل الذي يأتي الكلام بعده:
فإنا نعيد التقسيم الذي ذكره أبو الحسين.
وينتقض أيضًا بتوقع شرط يتعقب الكلام يمنع من الحمل على الظاهر.
قال في هذا: ولقائل أن يقول: الاحتمالان المذكوران في الصورتين راجحان في الاحتمال المذكور في صورة النزاع، فمنع الراجح من الحمل على الظاهر لا يستلزم منع المرجوح منه.
قلت: هو يريد أن احتمال توقع البيانات قبل السكوت وفراغ الكلام راجح؛ لأن الكلام بآخره، فهذا الرجحان يمنع من الحمل على العموم وغيره، فلا يحصل الجهل المركب، واحتمال المخصص في صورة النزاع حيث فرغ الكلام، وتراخى الزمان مرجوح، فلا يمنع من الحمل، فيحصل الجهل المركب، فلا يلزم من منع ذلك منع هذا.
وقال في قوله: إن تردد العموم بين اقتران المخصص وعدمه، كتردد المشترك، فقال: ولقائل أن يقول: الإفهام بمعنى إفادة ظن الظاهر إرادة الظن الكاذب، وأنه يمنع، وأما تسوية الاحتمالين فممنوع لا كالمجمل والمتواطئ.
قلت: يريد أن الإفهام؛ إذا كان معناه أنه أفهمنا أن الظاهر مراد، فقد أراد منا الظن الكاذب، والوقوع في الجهل، وهو محال عند المعتزلة.
وأما أن الاحتمالين سواء، فذلك ممنوع، بل الظن يحصل من العام عند عدم المخصص، ويكون ظنًا كاذبًا.
* * *
المسألة الثالثة
قال الرازي: وأما الخطاب الذي لا ظاهر له، وهو الاسم المشترك؛ كالقرء بين الطهر والحيض، فإن له ظاهرًا من وجه دون وجه:
أما الوجه الذي يكون ظاهرًا فيه: فهو أنه يفيد أن المتكلم لم يرد شيئًا غير الطهر وغير الحيض، وأنه أراد إما هذا، وإما هذا، فمن هذا الوجه لا يحتاج إلى بيان.
وأما الوجه الذي يكون غير ظاهر فهو أنه لا يفيد أي الأمرين أراده المتكلم الطهر أو الحيض؟ ولا يجب أن يقترن به بيان في الحال.
والدليل عليه: أن الاسم المشترك يفيد أن المراد إما هذا، وإما هذا، من غير تعيين، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه؛ لأن الإنسان قد يقول لغيره:(لي إليك حاجة مهمة أوصيك بها) ولا يكون غرضه في الحال إلا الإعلام بهذه الجملة.
وقد يقول: رأيت رجلًا في موضع كذا، وهو يكره وقوف السامع على عينه، أو يكره وقوفه عليه من جهته، ولهذا وضع في اللغة ألفاظ مهمة، كما وضعت ألفاظ لمعان معينة.
قال الله تعالى: {ورسلا لم نقصصهم عليك} [النساء: 164]، {فيضاعفه له أضعافًا كثيرة} [البقرة: 245].
وأيضًا: فقد يحسن من الملك أن يدعو بعض عماله، فيقول له: (قد وليتك البلد الفلاني، فاخرج إليه ف يغد، وأنا أكتب إليك بتفصيل ما تعلمه، ويحسن
من أحدنا أن يقول لغلامه: (أنا آمرك أن تخرج إلى السوق يوم الجمعة، وتبتاع ما أبينه لك يوم الجمع) ويكون القصد بذلك التأهب لقضاء الحاجة، والعزم عليها.
وهذا هو نظير ما اخترناه من تأخير بيان المجمل.
وإذا كان كذلك: ثبت أنه يجوز إطلاق اللفظ المشترك، من غير بيان التعيين.
فإن قلت: الغرض من التكليف هو الفعل، والعلم والاعتقاد تابعان، وهذا الإبهام يخل بالتمكين من الفعل.
قلت: الغرض من التكليف قبل الوقت هو العلم، لا الفعل، فأما في وقت الحاجة فالغرض هو الفعل، وهناك يجب البيان.
احتجوا: بأنه لو حسنت المخاطبة بالاسم المشترك، من غير بيان في الحال لحسنت مخاطبة العربي بالزنجية، مع القدرة على مخاطبته بالعربية، ولا يبين له في الحال، والجامع أن السامع لا يعرف مراد المتكلم بهما على حقيقته.
فإن قلت: الفرق: أن العربي لا يفهم من الزنجية شيئًا، وهاهنا يفهم أن المراد أحد معنيي الاسم.
قلت: إما أن تعتبروا في حسن الخطاب حصول العلم بكمال المراد، أو تكتفوا بمعرفة المراد من بعض الوجوه.
والأول: يقتضي امتناع تأخير بيان المجمل.
والثاني: يوجب حسن مخاطبة العربي بالزنجية؛ لأن العربي إذا عرف لغة
الزنجي المخاطب له علم أنه قد أراد بخطابه شيئًا ما، إما الأمر، وإما النهي، وإما غيرهما.
والجواب: أن المعتبر في حسن الخطاب أن يتمكن السامع من أن يعرف به ما أفاده الخطاب.
وهذا التمكن حاصل في الاسم المشترك؛ لأنه موضوع لأحد هذين المعنيين، والسامع فهم ذلك منه؛ بخلاف العربي، فإنه لا يتمكن من أن يعرف ما وضع له خطاب لزنجي، فوضح الفرق، والله أعلم.
المسألة الثالثة
في الخطاب الذي لا ظاهر له
قال القرافي: قوله: (لأن المشترك يفيد أن المراد إما هذا، وإما هذا من غير تعيين، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه):
تقريره: أن المشترك يفيد أن المراد إما هذا عينًا، أو ذاك عينًا، وليس المراد أنه يفيد مطلق أحدهما الذي هو مشترك بينهما؛ كما قلنا في خصال الكفارة، وتكون الخصوصات ساقطة عن الاعتبار، بل المراد هاهنا معين، والتردد بين التعينات في ظن السامع، لا في نفس الأمر.
* * *
المسألة الرابعة
قال الرازي: يجوز أن يؤخر الرسول- عليه السلام تبليغ ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة، وقال قوم: يجب تقديمه عليه.
لنا: أن في المشاهد قد يكون تقديم الإعلام على حضور وقت العمل قبيحًا، وقد يكون ترك التقديم قبيحًا، وقد يكون بحيث يجوز الأمران.
وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلفين في تقديم الإعلام، وفي تركه، فيلزم ألا يكون التقديم واجبًا على الإطلاق.
احتجوا: بقوله: {يأيها الرسول، بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] والأمر للفور.
والجواب: لا نسلم أنه للفور، سلمناه؛ لكن المراد بذلك هو القرآن؛ لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل من الله تعالى، والله أعلم.
المسألة الرابعة
يجوز أن يؤخر الرسول- عليه السلام تبليغ ما يوحى إليه.
قال القرافي: قوله: (قد يكون تقديم الإعلام قبيحًا):
تقريره: أن الله- تعالى- إذا أمر نبيه- عليه السلام بقتال أهل (مكة) بعد سنة، فإنه إذا بلغه من الآن للخلق، شاع وذاع، ووصل للعدو، فاستعد وأدى ذلك إلى فساد عظيم في القتال، وذهاب الأنفس والأموال، فيكون الإعلام من حين النزول ممنوعًا، والتأخير متعينًا.