الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: (أو بنظر العقل؛ كإخراج الصبي، والمجنون من آية الحج):
قلنا: هذا إنما يأتي على مذهب المعتزلة.
أما على رأينا: فيجوز تكليف ما لا يطاق، فيكلف من لا يعلم، ويعاقبه على الترك؛ لأن غايته التكليف بالمستحيل ونحن نجوزه؛ فالتخصيص في هذه الصورة إنما هو بالسمع.
قوله: (إن حكم بمقتضي العقل والنقل، اجتمع النقيضان):
تقريره: أن النقل اقتضي ثبوت التكليف عليهما، والعقل نفاه، فيكون ثابتًا ليس ثابتًا، وهو جمع بين النفي والإثبات، ويرد عليه أنه قد تقدم المنع؛ لأن العقل ليس له هاهنا اقتضاء، بل ذلك للسمع.
قوله: (العقل أصل في النقل):
تقريره: أن أصل النقل ثبوت النبوة، وثبوت النبوة بالمعجزة، وثبوت المعجزة بالعقل، بمعني أنه هو الناظر فيها؛ وإلا فالعقل لا يخيل انخراق العادة، ولا توجب المعجزة أن من ظهرت على يده أنه نبي؛ لأنه على أصولنا: يجوز إظهار المعجزة على يد الكاذب عقلًا؛ وإنما امتنع ذلك بالعادة، كما يجوز العقل أن البحر يكون زئبقًا وعسلًا في كل زمان، وإنما امتنع ذلك عادة، فالعقل أصل للمعجزة بهذا التفسير، فهو أصل للنقل؛ لأنه أصل أصله.
(فائدة)
حكي سيف الدين منع التخصيص بدليل العقل عن طائفة من المتكلمين شاذة؛ بشبهات ثلاث:
إحداها: أن دلالة اللفظ بالوضع، والواضع لا يضع لما هو معلوم الخروج مقطوع به، وإنما يضع لما يريده، والمحال لا يراد، فلا يتناوله اللفظ، فلا يتصور التخصيص؛ لأنه فرع التناول.
وثانيها: أن التخصيص بيان، والخارج بالعقل بين، فلا يحتاج للبيان؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل.
وثالثها: العقل لا يكون ناسخًا؛ فلا يكون مخصصًا.
والجواب عن الأول: أن اللفظ المفرد هو الموضوع للعموم؛ فإن كل شيء متناول للواجب وغيره، وإنما جاء الامتناع من جهة التركيب؛ فيلزم عدم الإرادة في هذا المركب الخاص، ولا يلزم من ذلك عدم وضع المفرد للعموم.
وعن الثاني: أن البيان إنما حصل بدليل العقل.
وعن الثالث: أن النسخ بيان مدة الحكم، والعقل يتعذر عليه بيان المدة، وإنما يعلم ذلك بالسمع، فإن العقل لا يفرق بين زمان وزمان، بل الكل في نظر العقل سواء؛ بخلاف التفرقة بين الممكن والواجب في قبول التأثير فيه.
قوله: (المقتضي للتخصيص الإرادة القائمة بالمتكلم):
قلنا: قد تقدم أن ذلك لا يصح، وأن المخصص على التحقيق هو الدال على الإرادة لا عين الإرادة، وقد تقدم تقريره في التخصيص.
قوله: (يكون النسخ بالعقل في حق من سقط رجلاه، فإنه يسقط عنه غسل الرجلين):
قلنا: لا نسلم أن هذا نسخ؛ لأن الوجوب ما ثبت في أول الأمر إلا مشروطًا بالقدرة، والاستطاعة، وبقاء المحل، ودوام الحياة وعدم الحكم عند عدم الشرط ليس نسخًا؛ فإن الموانع تطرأ على المحال والأحكام مع طول الزمان، وكذلك بعدم الشروط؛ فلا يقال لذلك: نسخ، وليس هو نسخًا
في نفسه، فإن من سافر في رمضان، لم ينسخ عنه الصوم والصلاة؛ لأنه إنما وجب بشرط الإقامة، وإذا حاضت المرأة، لا يقال: نسخ عنها الصوم والصلاة، هذا لا سبيل إليه، بل النسخ إنما يتحقق في حكم ترتب على شرط، فلم يبق مترتبًا على ذلك الشرط، أو في محل بغير شرط، فلم يبق في ذلك المحل، وحاصله أنه رفع الحكم بعد ثبوته، وهذه الأحكام ما ثبتت في أصل الشريعة إلا مشروطة بهذه الشروط على هذه الأوضاع، فما تغير شيء؛ حتى يقال: إنه نسخ.
قوله: (التخصيص بالحس: كقوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23]):
قلنا: قد تقدم أن الحس لا يدرك عدم ملكها للسماء وغيرها، إنما ذلك بالواقع، وهو غير العقل والحس كما تقدم بيانه.
***
الفصل الثالث
في تخصيص المقطوع بالمقطوع، وفيه مسائل:
قال الرازي: المسألة الأولى: في تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو جائز؛ خلافًا لبعض أهل الظاهر.
لنا: أن وقوعه دليل جوازه؛ لأن قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] مع قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] وكذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] مع قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] لا يخلو: إما أن نجمع بين دلالة العام على عمومه، والخاص على خصوصه؛ وذلك محال.
وإما أن نرجح أحدهما على الآخر؛ وحينئذ زوال الزائل، إن كان على سبيل التخصيص، فقد حصل الغرض.
وإن كان بالنسخ، فقد حصل الغرض أيضًا؛ لأن كل من جوز نسخ الكتاب بالكتاب، جوز تخصيصه به أيضًا.
احتجوا بقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] فوض البيان إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فوجب ألا يحصل البيان إلا بقوله.
والجواب: أنه معارض بقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب؛ تبيانًا لكل شيء} [النحل: 89] ولأن تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم آية التخصيص بيان منه له، والله أعلم.
المسألة الثانية: في تخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وهو جائز أيضًا؛ لأن العام والخاص مهما اجتمعا: فإما أن يعمل بمقتضاهما، أو يترك العمل بهما، أو يرجح العام على الخاص.
وهذه الثلاثة باطلة؛ والإجماع، فلم يبق إلا تقديم الخاص على العام.
الفصل الثالث
في تخصيص المقطوع بالمقطوع
قال القرافي: (قوله: (كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4]):
قلنا: قد تقدم أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات.
وقوله تعالى: {والمطلقات
…
} الآية [البقرة: 228] تقتضي أنهن تكون عدتهن الأقراء في حالة، وهو كذلك، فإن في حالة عدم الحمل تكون عدتهن بالأقراء، وهذه حالة مخصوصة تعتد فيها جميع المطلقات بالأقراء، فالحالة المخصوصة حالة ما، فما خرج شيء من العموم.
نعم لو كان بعض المطلقات لا تعتد بالأقراء في حالة ما، أعني: في جميع الأحوال، صدق التخصيص؛ لأن العموم اقتضي مطلق الحالة، وهي موجبة في جميع الأحوال، تناقضها السالبة الكلية، فيتحقق التخصيص؛ لأن من شرطه المنافاة.
أما ما يمكن اجتماعه مع العموم، فليس مخصصًا.
وكذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة:
221] يقتضي تحريم نكاحهن في حالة مطلقة، لا في جميع الأحوال؛ للقاعدة المتقدمة.
وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] والمراد بالإحصان- هاهنا- الحرائر، وهذا لا يناقض العموم الأول؛ لأن النكاح جائز لمجموع النصين في حالة الحرية، وتبقي حالة الرق لا يقع فيها جواز النكاح، وإذا جاز نكاح كل مشركة في حالة الحرية، فقد جاز نكاح كل كتابية في حالة مطلقة، فالعموم باق على عمومه، ولم تحصل منافاة بين النصين، نعم لو كان بعض المشركات لا يجوز نكاحها في جميع الحالات، حصل التناقض والتخصيص؛ لمنافاة السالبة الكلية الموجبة الجزئية، بل الحاصل من هذه النصوص كلها التي يتوهم أنها مخصصات: التقييد لتلك الحالة المطلقة، فإنها تصير مخصوصة معينة.
والتقييد ليس بتخصيص؛ لأنه ضده؛ لأن التقييد زيادة على موجب النص، والتخصيص نقصان من موجب النص.
والتخصيص أيضًا مخالفة الظاهر، والتقييد ليس مخالفة للظاهر؛ فالتقييد ليس بتخصيص ضرورة، وإذا جريت على هذه القوانين عسر التخصيص، في كثير من النصوص التي يدعي فيها التخصيص، بل نجدها كلها تقييدات لمطلق تلك الأحوال التي في تلك العمومات، ولا تجد التخصيص إلا في مثل قوله تعالى:{الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] ونحوه؛ فإن الواجبات لم تخلق في حالة، ولم تعط السماء ل (بلقيس) في حالة، ولا دمرت الريح الكواكب في حالة، فهذه تخصيصات محققة لتحقق السالبة الكلية، فناله مطلق الحال الذي هو موجبة جزئية، فعلى هذا التحقيق يتقرر التخصيص، وإلا فلا.
وكم من الفقهاء من يعتقد أن هذه الأمور كلها مخصوصة.
قوله: (إن بقي العام على عمومه، والخاص على خصوصه، فهو محال):
تقريره: أنه يلزم اجتماع النقيضين فيما تناوله الخاص، فإن أحد النصين يثبت الحكم فيه، والآخر ينفيه، فيكون منفيا ثابتًا، فيجتمع النقيضان.
قوله: (احتجوا بقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]):
قلنا: صيغة (تبين) فعل في سياق الإثبات؛ فيكون مطلقًا لا يتناول إلا فردًا من أفراد البيان.
وقوله تعالى: {ما نزل إليهم} [النحل: 44] يقتضي العموم في كل ما نزل، وهو يتناول الكتاب والسنة؛ لأن السنة منزلة، ووحي؛ غير أنها وحي لم يتعبد بتلاوته، والقرآن تعبدنا بتلاوته، فيكون الرسول- عليه السلامة- مبينًا للكتاب والسنة، غير أن ما به البيان، لم يذكر، فيحتمل أن يكون بالكتاب، ويحتمل أن يكون بالسنة؛ لاستحالة نطقه- عليه السلام عن الهوى:{إن هو إلا وحى يوحى} [النجم: 4] فلا حجة فيه حينئذ أن البيان إنما يكون بالسنة، ثم الاستدلال به إنما هو بالمفهوم لا بالمنطوق.
وقوله تعالى: {تبيانًا لكل شيء} [النحل: 89] منطوق؛ فيتقدم عليه.
***
المسألة الثالثة
قال الرازي: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، قولًا كان أو فعلًا، جائز؛ للدليل الذي مر.
وأيضًا فقد وقع ذلك.
أما بالقول: فلأنهم خصصوا عموم قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتوارث أهل ملتين).
وأما بالفعل: فلأنهم خصصوا قوله تعالى: {الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] بما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم؛ من رجم المحصن، وأيضًا: تخصيص السنة المتواترة بالكتاب جائز.
وعن بعض فقهائنا: أنه لا يجوز، ودليله التقسيم الذي مر.
المسألة الرابعة: في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع، وهو جائز؛ لأنه واقع؛ فإنهم خصصوا آية الإرث بالإجماع على أن العبد لا يرث، وخصصوا آية الجلد بالإجماع على أن العبد كالأمة في تنصيف الحد.
وأما تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة؛ فإنه غير جائز للإجماع؛ ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المخصص- خطأ، والإجماع على الخطأ لا يجوز.