الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: "الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة":
قلنا: لا نسلم ذلك؛ بل لفظ العشرة موضوع لمعنى و"إلا" للإخراج، وهذا الكلام الذى تقولونه توسع غير مساعد عليه، ويلزم أن يقولوا مثله فى كل مجاز معه قرينة لفظية، وكل عام معه تخصيص لفظى: أن الجميع حقيقة فيما بقى، وهو ظاهر البطلان.
"
فائدة"
قال الأبياري فى "شرح البرهان": كون الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة هو مذهب القاضي
.
تقول: وضع العشرة للعشرة وضع استثناء الخمسة للخمسة، كما تقول: زيد للمفرد، وتزيد الواو والنون، فيكون موضوعاً للجمع، والجمهور على خلافه.
"
تنبيه
"
زاد التبريزي فقال: "قوله: لا يلزمه إلا واحد إجماعاً" لعله مريد إجماع المذهبين، وإلا فالإمام أحمد يخالف فيه.
وقال في الحجة على القاضى أن يقول: إن حملنا اللفظ على معنى واحد يناقص؛ لأنه أثبت فى الأول السلطنة على بعضهم، وفى الثانية نفاها عن كلهم، فإذاً لا بد من حمل لفظ العباد فى الأول على معنى أعم، أو حمل الاستثناء على الانقطاع، وقد يبطل الاحتجاج.
قلت: وتقرير هذا الكلام يفهم مما تقدم.
المسألة الخامسة
الاستثناء من الإثبات نفى، ومن النفى إثبات
قال الرازى: مثال الأول: قوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت: 114. ومثال الثانى: قوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) الحجر: 40.
وزعم أبو حنيفة رحمه الله أن الاستثناء من النفى لا يكون إثباتاً؛ قال: لأن بين الحكم بالنفى، وبين الحكم بالإثبات واسطة، وهى عدم الحكم؛ فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه، لا بالنفى ولا بالإثبات.
لنا: لو لم يكن الاستثناء فى النفى إثباتاً، لما كان قولنا:"لا إله إلا الله" موجباً ثبوت الإلهية لله جل جلاله؛ بل كان معناه نفى الإلهية عن غيره، وأما ثبوت الإلهية له، فلا، ولو كان كذلك، لما تم الإسلام؛ ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أنه يفيد الإثبات.
احتج أبو حنيفة رحمه الله بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولى"، و"لا صلاة إلا بطهور" ولم يلزم منه تحقق النكاح عند حضور الولى، ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء؛ بل يدل على عدم صحتها عند عدم هذين الشرطين، والله أعلم.
المسألة الخامسة
الاستثناء من الإثبات نفى
قال القرافى: قوله: "مثال الاستثناء من الإثبات نفى: قوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت: 14 ".
قلنا: للحنفية أن يقولوا: الخمسون غير محكوم عليها بالنفى فى هذه الآية، ولا تنافى بين كونها غير محكوم عليها فى هذه الآية، وكونها منفية فى نفس الأمر، ويعلم نفيها بدليل غير هذه الآية، وكذلك تمثيله كون الاستثناء من النفى إثباتاً بقوله تعالى:(إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) الحجر: 42.
يقولون: المتبع غير مخبر عنه بالسلطنة من هذه الآية، وتكون السلطنة عليهم معلومة من غير هذه الآية.
قاعدتهم: أن المستثنى أبداً غير محكوم عليه بشيء، وقد يكون حكمه معلوماً من غير الاستثناء.
قوله: "بين الحكم بالنفى، والحكم بالإثبات واسطة، وهى عدم الحكم ":
قلنا: قد قرر هذا فى "المعالم" بأبسط من هذا؛ فقال: الأحكام الخارجية إنما تثبت بواسطة الأحكام الذهنية، فإذا صرفنا الاستثناء إلى الصور الذهنية، أفادها بغير واسطة، وإلى الأحكام الخارجية، لا تفيدنا إلا بوسط، يريد أن الإنسان إذا قال: قام القوم، أو ما قام القوم، أنما يفهم من ذلك ابتداءً أنه يعتقد ذلك، ثم يقول: ظاهر حاله الصدق، فيكون زيد ليس قائماً فى الخارج، أو قائماً، فصار حكمنا بأنه قائم بعد حكمنا بأن المتكلم اعتقد لك، وإذا صرفنا الاستثناء إلى الأحكام الذهنية، يكون معناه: الحكم على كل واحد من القوم إلا زيداً، لا أحكم {به} عليه فى هذه القضية، فيكون غير محكوم عليه؛ فيجوز أن يكون موافقاً للمستثنى منه فى حكمه، وأن يخالفه، ويكون الاستثناء لا يصرف لما هو مستغن عن الواسط، وإذا صرفناه للأحكام الخارجية، صرفناه لما هو محتاج للأحكام الذهنية، وبوسطها، والاستغناء عن الوسط أرجح، ويرد عليه أن المتبادر فى العرف هو الأحكام الخارجية، والأصل عدم النقل، كما أن الأصل عدم الوسط، فيتعارض الأصلان، وتبقى المبادرة سالمة عن المعارض.
قوله: "لو لم يكن الاستثناء من النفى إثباتاً {لما كانت كلمة التوحيد تفيد} بمفردها التوحيد" وإنما يقولون: أحتفت به القرائن والمقاصد، واشتهر أن هذا هو المقصود؛ فلذلك أفادت الوحدانية، لا اللفظ بما هو لفظ، ومن زعم أن هذه الصيغة تتجرد عن هذه القرائن، فهذا بعيد عن الإنصاف.
قوله: "لا نكاح إلا بولى ولا صلاة إلا بطهور" يدل على أن الاستثناء من النفى ليس إثباتاً":
قلنا: الاستثناء يقع من خمسة أشياء:
من الأحكام؛ نحو: ما قام القوم إلا زيداً.
ومن العلل والأسباب؛ نحو: لا عقوبة إلا بجناية.
ومن الشروط؛ نحو: لا صلاة إلا بطهور.
ومن الموانع؛ نحو: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض.
ومن الأمور العامة، والأزمنة، والبقاع، والمحال، ومن الأحوال؛ كقوله تعالى، حكاية عن يعقوب عليه السلام:(لتأتننى به إلا أن يحاط بكم) يوسف: 66. أى: فى كل حال من الحالات، إلا فى حالة الإحاطة، وقد تقدم تمثيل البقية، والأمور العامة؛ فحيث قال العلماء رضى الله عنهم: إن الاستثناء من النفى إثبات: إنما هو فيما عدا الشروط؛ فإنه تقدم أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ فإن وجود الوضوء لا يلزم منه صحة الصلاة، ولا عدم صحتها، وكذلك الولى فى النكاح؛ فلا يلزم من القضاء بعدم المشروط حالة عدم الشرط ـ القضاء بثبوت المشروط حالة ثبوت الشرط بمجرده، فجميع الأقسام بقول العلماء: الاستثناء من النفى إثبات، إلا فى الشروط، فلا يحتج فى الشروط على أن الاستثناء من النفى ليس إثباتاً؛ فإنها مستثناة من القاعدة،