الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأزمنة؛ نحو: أكرم رجلاً إلا يوم الأحد.
والأحوال؛ نحو: أكرم رجلاً إلا أن يغلب؛ لقوله تعالى: (لتأتننى به إلا أن يحاط بكم) يوسف: 66. أى فى كل حالة من الحالات، إلا فى حالة الإحاطة، وهذه الأمور الأربعة لا يغلب على الظن دخول ما استثنى قبل أن يستثنى، بل يجوز أن يدخل فقط. وما لولاه لامتنع دخوله؛ كالاستثناء المنقطع؛ نحو: قام القوم إلا الخيل، فيقطع بعدم دخوله، فهذه تبطل بما لولاه لجاز، أو امتنع فإن الاستثناء فيهما استثناء، وليس فيهما إخراج، لأن الإخراج، إنما يصدق قيقة فيمن اتصف بالدخول؛ فلا يقال: خرج زيد من الدار، ولم يكن قد دخلها إلا مجازاً، مع أن له أن يمنع فى الجائز على أحد القولين فى منع الاستثناء عن النكرات؛ فإن المشهور منعه.
وفى المنقطع قولان: هل هو حقيقة أم لا؟
فله منع الآخر على أحد القولين.
"
تنبيه"
زاد التبريزي؛ فقال: اشتقاقه من الثني، وهو الصرف
.
وزاد سراج الدين: لقائل أن يقول: "التعريف الثانى تعريف الاستثناء بالاستثناء":
قلت: وهذا غير متجه، لأن كل حد هكذا، إذا قلنا: الإنسان الحيوان الناطق، فالحيوان الناطق هو الإنسان، وإنما تغيرت العبارات، وكذلك هاهنا: العبارات تختلف، والمعنى واحد، ولا إشكال فى ذلك.
المسألة الثانية
يجب أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه عادة، وأحترزنا بقولنا:"عادة" عما إذا طال الكلام، فإن ذلك لا يمنع من اتصال الاستثناء، وكذلك قطع الكلام بالنفس والسعال لا يمنع من اتصاله به، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه جوز الاستثناء المنفصل.
وهذه الرواية؛ إن صحت: فلعل المراد منها: ما إذا نوى الاستثناء متصلاً بالكلام، ثم أظهر نيته بعده؛ فإنه يدين فيما بينه وبين اله تعالى فيما نواه.
لنا وجهان:
الأول: تأخير الاستثناء، لما استقر شيء من العقود؛ من الطلاق والعتاق، ولم يتحقق الحنت أصلاً؛ لجواز أن يرد عليه الاستثناء، فيغير حكمه.
الثانى: نعلم بالضرورة أن من قال لوكيله اليوم: "بع دارى من أى شخص كان" ثم قال بعد غد: "إلا من زيد" فإن أهل العرف لا يجعلون الاستثناء عائداً إلى ما تقدم.
احتجوا: بأنه يجوز تأخير النسخ والتخصيص؛ فكذا الاستثناء.
والجواب: أنه يبطل بالشرط، وخبر المبتدأ: ثم نطالبهم بالجامع، والله أعلم.
المسألة الثانية
قال القرافى: يجب اتصال الاستثناء بالكلام عادة.
قال سيف الدين: جواز بعض أصحاب مالك جواز تأخير لفظه، إذا نواه مثلاً، وأضمره متصلاً، ويدين فيما بينه وبين الله ـ تعالى ـ وجوزه بعض الفقهاء منفصلاً فى كتاب الله دون غيره.
وقال فى "البرهان" إمام الحرمين عن بعض الفقهاء: فى كتاب الله ـ تعالى ـ دون غيره.
وعن بعض أصحاب مالك، كما نقله سيف الدين، وشبهه المخصص بكتاب الله ـ تعالى ـ أنه يرى أن كلام الله ـ تالى ـ أزلى، وهو منزل إلينا متراخ.
قال: وهذا غير متجه؛ فإن الاستثناء إنما هو فى العبادات فقط.
قال المازرى فى "شرح البرهان": والمحكى عن المالكية: هو الاستثناء بالمشيئة، إذا نواه، هل ينحل به اليمين أم لا؟ خلاف ما قاله سيف الدين.
قال سيف الدين: وروى عنه عليه السلام انه قال: "والله، لأغزون قريشاً" ثم سكت، وقال بعده:"إن شاء الله" ولما نزل عليه قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) الكهف: 24. بعد بضعة عشر يوماً، فقال: "أن شاء الله"
والجواب عن الأول أن السكوت قليل، أو قاله للتبرك.
الثانى أنه للتبرك، أو المراد: إن شاء الله، ذكرت ربى، إذا نسيت، فلا يكون متعلقاً بالخبر الأول.
قوله: "وعن ابن عباس، أنه جوز الاستثناء منفصلاً":
قلنا: الاستثناء من الألفاظ المشتركة بين معنيين:
أحدهما: الإخراج بـ"إلا" وأخواتها.
والثانى: يتعلق على مشيئة الله ـ تعالى ـ خاصة دون التعليق على غيرها، فمن قال: إن شاء الله، فقد استثنى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف واستثنى، عاد كمن لم يحلف".
ولو قال: أحد دخلت الدار فأنت حر، لم يقل له استثناء، فابن عباس ـ رضى الله عنه ـ إنما روى التأخير فى الاستثناء الذى هو التعليق على مشيئة الله ـ تعالى ـ إما إلا فما علمته.
ونقل العلماء أن مدركه فى ذلك غداً إلا أن يشاء الله، (واذكر ربك غذا نسيت) الكهف:24.
قالوا: معناه: إذا نسيت أن تقول: إن شاء الله، فقل ذلك بعد ذلك، ولم يخصص وقتاً؛ فيكون التقدير: واذكر مشيئة ربك، إذا نسيتها، فاعمل بها، وهاهنا لم يعين المصنف المقصود من غيره، بل بحثه يحتمل الأمرين، فإن ذكره للعقود من الطلاق وغيره يقتضى أن المراد إن شاء الله، وصرح بعد ذلك بـ"إلا" فى قوله: إلا زيد.
قال المازرى فى "شرح البرهان": عن ابن عباس فى تأخير المشيئة روايتان؛ قيل: مطلقاً، وقيل: سنة، ولم يختلف العلماء فى وجوب إيصال النعت،
والتأكيد، والعطف، والشرط، والاستثناءات، وهذه التوابع كلها، ولا خالف فى ذلك أحد، وإنما وقع الإشكال فيما روى عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ واتهم العلماء الرواة عنه، وقيل: يؤول بالنية.
قوله: إن صخت الرواية، فيحمل على ما إذا نوى عند التلفظ، ثم بين بعد ذلك نيته.
قلنا: هذا لا يتم فى كل صور الاستثناء، أما بمشيئة الله ـ تعالى ـ فلأنه سبب حال لليمين، ورافع لها؛ فلأبد من وجود هـ، ولا يكفى القصد إليه؛
كالطلاق الرافع للنكاح، لا يكفى القصد إليه إجماعاً، وإنما الخلاف فى الطلاق بالكلام النفسى.
وأما إخراج البعض بالألفاظ قسمان: نصوص، وظواهر:
فالنصوص: لا يكفى فى هالإخراج منها النية؛ لأنها لا تقبل المجاز؛ حتى يطلق لفظ العشيرة مثلاً، ويريد بها الثمانية، ثم يتبين بعد ذلك، وإنما يتأتى ذلك فى الظواهر، فيطلق العام، ويريد الخاص، وتفسيره بعد ذلك؛ فعلمنا حينئذ أن أكثر الصور لا يتأتى فيها ما ذكرتموه، بل فى الظواهر خاصة؛ باعتبار إخراج بعض الأفراد عن الحكم؛ لأنه تخصيص، لا باعتبار الاستثناء الذى هو السبب الرافع.
قوله: "لو صح التأخير، لما استقر شيء من العقود من الطلاق والعتاق، ولا يتحقق حنث أصلاً " والخصم يقول بذلك، ولا يبالى بهذا التهويل.
ويحكى أن بعض الفقهاء ناظر من يقول بهذا المذهب عندبعض الخلفاء، فقال الخليفة: أتدرى ما يقول هذا؟ هو يقول: إن بيعتك على الجند لا تنعقد، وإن لهم حلها أبداً، فسفَّه الخليفة رأيه، ونصر مخالفه.
وحكى ابن العربي فى "القبس": إنى سمعت "ببغداد" امرأة تقول لجاريتها: إن مطهب ابن عباس فى الاستثناء غير صحيح، ولو كان صحيحاً، لما قال الله تعالى لأيوب عليه السلام:(وخذ بيدك ضغثاً، فاضرب به ولا تحنث) سورة ص: 44. بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى هذا التخيل فى البر، فما فهم الناس كلهم عن صاحب هذا المذهب إلا أن العقود والحنث، وجميع ما ذكرتموه لا يستقر أبداً، ومتى ورد عليه الاستثناء، رفعه.
قوله: إذا قال لوكيله: "بع هذا" ثم قال بعد شهر: "إلا من زيد" ألا يعد هذا {فى العرف استثناءً} .
قلنا: قد نقل المفسرون أن قوله تعالى: (غير أولى الضرر) النساء: 95. نول منفصلاً مع أنه استثناء، وكلام لا يستقل بنفسه؛ فيكون ذلك حجة على العرف، ثم إن هذا من النوع الآخر من الاستثناء الذى هو الإخراج، والكلام مع ابن عباس فى المشيئة.
قوله: "احتجوا بتأخير النسخ والتخصيص":
قلنا: الفرق: أن النسخ لو تقدم الإعلام به، وقال: هذا الحكم بعد سنة؛ لكان هذا الحكم معنا من الآن بال سنة، فكان ينتهى بذاته لا بالناسخ؛ فتعجيل النسخ يبطل؛ بخلاف تعجيل الاستثناء لا يبطله.
وأما التخصيص: فإن كان بالأدلة المتصلة؛ كالغاية والشرط والصفة، منعنا تأخيره، أو بالمنفصلة، جوزنا تأخيره، لكن الفرق أنه لفظ يستقل بنفيه؛ بخلاف الاستثناء.
قوله: "ينتقض بالشرط، وخبر المبتدأ":
قلنا: الشرط تعليق، والتعليق اللغوية كلها أسباب، والسبب متضمن للحكمة، ومقصود المتكلم؛ فيكون تأخيره تأخير لما هو المقصود، أو جل المقصود، والاستثناء إخراج ماعساه يكون فى الكلام مما هو غير مقصود، وظهر الفرق أن الاستثناء يقع، والشرط مقصود، فهو مهم، والمهم لا يتأخر.
وأما خبر المبتدأ، فالفرق فيه وجهين:
الأول: أن الخبر، إذا لم ينطبق به، لا يكون الكلام تاما يحسن السكوت عليه، وإذا تأخر الاستثناء، كان الكلام تاما يحسن السكوت عليه، فظهر الفرق.
الثانى: أن الخبر المبتدأ هو موضع الفائدة، ومقصود الكلام، فإذا لم يؤت به، فات المقصود، والاستثناء ليس هو مقصود الكلام، بل ينفى عن الكلام ما ليس بمقصود، وبينهما فرق كبير.
قوله: "ثم يطالبهم بالجامع":
قلنا: الجامع: إبطال ما تناوله اللفظ، فإن الناسخ والمخصص مبطلان لما دل عليه ظاهر اللفظ، وكذلك الاستثناء، فهذا جامع حسن.
* * *
المسألة الثالثة
استثناء الشيء من غير جنسه باطل؛ على سبيل الحقيقة،
وجائز؛ على سبيل المجاز
قال الرازى: ودليل الأول: أن الاستثناء من غير الجنس الأول، لو صح، لصح: إما م اللفظ، أو من المعنى.:
والأول باطل؛ لأن اللفظ الدال على الشيء فقط غير دال على ما يخالف جنس مسماه، واللفظ إذا لم يدل على شيء لا يحتاج إلى صارف يصرفه عنه.
والثانى أيضاً باطل؛ لأنه لو جاز حمل اللفظ على المعنى المشترك بين مسماه، وبين المستثنى، لصح الاستثناء، ولجاز استثناء كل شيء من كل شئ؛ لأن كل شيئين لا بد، وأن يشتركا فى بعض الوجوه، فإذا حمل المستثنى على ذلك المشترك، صح الاستثناء.
ولما علمنا أن العرب لم يصححوا استثناء كل شيء من كل شيء، علمنا بطلان هذا القسم.
احتجوا بالقراءن، والشعر، والمعقول:
أما القراءن: فخمس آيات:
إحداها: قوله عز وجل: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ً إلا خطأ) النساء: 92.
وثانيها: قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس) الحجر: 30. وهو ما كان منهم، بل كان من الجن.
وثالثها: قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) النساء: 29.
ورابعها: قوله تعالى: (مالهم به من علم إلا اتباع الظن) النساء: 147. والظن ليس من جنس العمل.
وخامساً: قوله تعالى (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً) الواقعة: 25 - 26. والسلام ليس من جنس اللغو.
وأما الشعر: فقوله {الرجز} :
"وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس"
وقوله النابغة {البسيط} :
" ........................ وما بالربع من أحد"
"إلا أوارى ................................... "
والأوارى: ليس من جنس الأحد.
وأما المعقول: فهو: أن الاستثناء تارة: يقع عما يدل اللفظ عليه دلالة المطابقة أو التضمن، وتارة: عما يدل عليه دلالة الالتزام؛ فإذا قال: "لفلان على ألف دينار، إلا ثوباً" فمعناه: إلا قيمة الثوب.
والجواب: أما قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) النساء: 92. فجوابه: أن "إلا" هاهنا بمعنى "لكان" أو يقال: وما كان
لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا إذا خطأ؛ فغلب على ظنه أته ليس من المؤمنين: أما بأن يختلط بالكفار؛ فيظن الرجل أنه منهم، أو بأن يراه من بعيد؛ فيظنه صيداً، أو حجراً.
وأما قوله تعالى: (إلا إبليس) الحجر: 30. فقيل: إنه كان من الملائكة، ولا بد من الدلالة على أن كونه من الجن ينفى كونه من الملائكة.
سلمنا: أنه ليس من الملائكة كانوا مأمورين بذلك؛ فكأنه قال: فسجد المأمورين$ بالسجود إلا إبليس.
وأما قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة) النساء: 29. (إلا اتباع الظن) النساء: 157. فقد اتفقت النحاة على أنه ليس باستثناء، ثم فسره البصريون بقولهم: ولكن اتباع الظن، والكفيون بقولهم: سوى اتباع الظن.
والجواب عن الشعر: أن الأنيس، سواء فسرناه بالمؤنس أو بالمبصر، أمكن إدخال اليعافير والعيس فيه.
وعن الثالث: أنه لو صح الاستثناء من المعنى، لزم صحة استثناء كل شيء من كل شئ؛ على مابيناه، والله أعلم.
المسألة الثالثة
الاستثناء من غير الجنس
قال الجرافى: قوله: "لو صح المنقطع باعتبار المعنى، لصح استثناء كل شيء من كل شيء، وهو باطل عند العرب":
قلنا: لا نسلم بطلانه؛ فإن الاستثناء المنقطع لم يقل أحد من أئمة العربية: أنه يختص بنبل نوع من الكلام، بل أى شيء خطر فى نفس المتكلم، ثم