الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أى: و {لا} الفرقدان، واعتذروا عن الآيات أنها مقدرة بـ"لكن" ولا أرى لهذا الاعتذار معنى، فإن اللفظ إذا لم يتناول ما بعد "إلا" لم يكن ثنياً، ولا إخراجاً، فإن كان الاستثناء هو الإخراج، وحرف "إلا" صيغة موضوعة له، فهو مجاز قطعاً، وإلا فليغير حد الاستثناء عن الإخراج إلى غيره، أو يدعى الاشتراك فى حرف "إلا".
"
فائدة
"
إذا أردت تغير الحد، فقل فيه: هو إخراج بعض الجملة، كانت جزيئات، أو أجزاء، أو إخراج ما يعرض فى نفس المتكلم {فقط} ، بلفظ "إلا" وأخواتها، فقولنا:"جزئيات": كالعام والعدد.
وقولنا: "أو أجزاء": كإخراج جزء من الشاة، ونحوه بما تقدم من المثل.
وقولنا: "ما يعرض فى نفس المتكلم": ليدخل المنقطع؛ لأنه لا ضابط له إلا ما يعرض فى نفس المتكلم، هذا إذا فرعنا على أنه حقيقة، وأن لفظ الاستثناء ليس مشتركاً، أما إذا فرعنا على أنه مجاز، فلا حاجة لذكره، فإن الحدود إنما جعلت لما يتناوله اللفظ حقيقة، وأما إذا فرعنا على أن اللفظ مشترك، فلا حاجة لإدخاله فى الحد؛ لأن القاعدة: أن اللفظ المشترك لا يشمل مسمياته حد واحد، بل لكل مسمى حد.
المسألة الرابعة
قال الرازى: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق، ثم من الناس من قال: شرط المستثنى ألا يكون أكثر مما بقى؛ بل يجب أن يكون مساوياً، أو أقل.
وقال القاضى: بل شرطه ألا يكون أكثر ولا مساوياً بل أقل.
ويدل على فساد القولين أن الفقهاء أجمعوا على أن من قال: "لفلان على عشرة إلا تسعة" يلزمه واحد، ولولا أن هذا الاستثناء صحيح لغة وشرعاً، وإلا لما كان كذلك.
ويدل على فساد القول الثانى خاصة قوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر: 42. وقال؛ حكاية عن إبليس: (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر: 39 - 40. فلو كان المستثنى أقل من المستثنى منه، لزم فى أتباع إبليس، وفى المخلصين أن يكون كل واحد منهما أقل من الآخر؛ وذلك محال.
حجة القاضى رحمه الله: أن المقتضى لفساد الاستثناء قائم، وما لأجله ترك العمل به فى الأقل ـ غير موجود فى المساوى والأكثر؛ فوجب أن يفسد الاستثناء فى المساوى والأكثر.
بيان مقتضى الفساد: أن الاستثناء بعد المستثنى منه إنكار بعد الإقرار؛ وإنه غير مقبول.
بيان الفارق: أن الشيء القليل يكون فى معرض النسيان؛ لقلة التفات النفس
إليه، والكثير يكون متذكراً محفوظاً؛ لكثرة التفات القلب إليه، فإذا أقر بالعشرة، فربما كانت تلك العشرة بنقصان شيء قليل، وإن كانت تامة، لكنه أدى منها شيئاً قليلاً، ثم إنه نسى ذلك القدر؛ لقلته؛ فلا جرم أقر بالعشرة الكاملة، ثم إنه بعد الإقرار، تذكر ذلك القدر؛ فوجب أن يكون متمكناً من استدراكه؛ فلأجل هذا شرعنا استثناء الأقل من الأكثر، ولم يوجد هذا المعنى فى استثناء المثل أو الأكثر؛ لما ذكرنا أن الكثرة مظنة الذكر، وإذا ظهر الفارق، بقى المقتضى سليماً عن المعارض.
والجواب عندنا: أن الاستثناء مع المستثنى منه، كاللفظ الواحد الدال على ذلك القدر؛ وعلى هذا الفرض يسقط ما ذكرتم، والله أعلم.
المسألة الرابعة
قال القرافى: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق.
قلنا: نقل ابن طلحة فى مختصره المعروف بـ"المدخل" إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ـ قولين:
أحدهما: أنه استثناء، وينفعه الآخر يلزمه الثلاث ويعد نادماً.
وقال سيف الدين: منع بعض أهل اللغة استثناء عقد، فلا يقول له: مائة إلا عشرة، بل إلا خمسة؛ لأنها بعض العقد أما عقد كامل فلا.
قال المازرى: وهؤلاء منعوا: له عندى عشرة إلا ثلاثة؛ لأنه ليس كسراً، وإنما جاز عندهم قوله تعالى:(فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت: 14. لأنه كسر، وأجمع الفقهاء على قوله: هى طالق ثلاثاً
إلا واحدة: أنه لا يلزمه إلا اثنتان، فيكون حجة عليهم، وكذلك يجرى الخلاف فى: عشرة إلا واحداً، ونحو ذلك، فإنه ليس بكسر؛ لأن نسبة الآحاد إلى العشرة كنسبة العشرات للمائة، والمئين للألف، وهذا القائل لم يجد فى الكتاب إلا الكسر، وكذلك السنة؛ ففى حديث:"الأسماء مائة إلا واحداً".
قال الأيبارى فى "شرح البرهان": ومذهب القاضى: هو مذهب سيبويه، والخليل، والنضر بن شميل، وجماهير البصريين، وهو الوارد فى الكتاب والسنة، ولم يجد إلا استثناء الأقل فى قوله تعالى:(إلا خمسين عاما) العنكبوت: 14. و"مائة إلا واحداً
…
".
قال الغزالى فى "المستصفى": قال كثير من أهل اللغة: لا يجوز استثناء عقد، فلا يجوز: مائة إلا عشرة، ولا عشرة إلا درهماً، بل مائة إلا خمسة، وعشرة إلا دانقاً، ونحو ذلك.
قوله: أجمع الفقهاء على أن من قال: له عندى عشرة إلا تسعة، لا يلزمه إلا واحد، ولولا أنه صحيح لغة وشرعاً، لما كان كذلك.