الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما أخره الشرع في نظره، وسكت عنه، جعلوه هو المهم، وهذا عكس ما يقتضيه لسان العرب.
(مسألة)
قال: إذا ظهر تعليل الحكم من كلام الشرع، ليس لأحد أن يؤوله بقياس
؛ كقوله عليه السلام لما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أينقص إذا جف)؟ فقالوا: (نعم) فقال: (فلا إذن) هذا ظاهر في أن النقصان عند الجفاف سبب المنع، فإذا تأوله أحد بقياس، رد ذلك القياس؛ لأن الظن المستفاد من كلام صاحب الشرع أولى من الظن الناشيء عن فكرة المجتهد، فإن كان ظن القياس نشأ عن كلام صاحب الشرع أيضًا، تقابل الأمران، وحصل التعارض.
(تنبيه)
مقصوده من هذه المسائل أن يبين قرب التأويل من بعده، وما يسوغ أن يذهب إليه منه مما يمتنع، وينعطف بحثه في هذه المسائل على ما تقدم فيما يجوز إليه تخصيص العموم، وفي تخصيص العموم بالقياس، فقد منع هاهنا في مواطن منوعًا تتعلق بهاتين المسألتين، واستبعد ما جوزه ثمت غاية الاستبعاد.
وقيل: وافقه على إيراد هذه المسائل، ونحو منها سيف الدين في (الإحكام) لهذا الغرض أيضًا، وكذلك الغزالي في (المستصفى) والقاضي عبد الجبار في كتاب (العمد)، وابن العربي في (المحصول).
وسلك الجميع في هذه المسائل طرق الخلاف في المناظرة في خصوص هذه المسائل، وهذا لائق بعلم الخلاف، لا بعلم الأصول، فلذلك تركها صاحب (المحصول) وتركت أنا أيضًا نقل تلك الحجاج التي لهم هنالك.
القسم الثاني
في المبين، وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: في أقسام المبين:
الخطاب الذي يكفي نفسه في إفادة معناه إما أن يكون لأمر يرجع إلى وضع اللغة، أو لا يكون كذلك:
والأول: كقوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} [العنكبوت: 62].
أما الثاني: فإما أن يكون بيانه على سبيل التعليل، أو لا على سبيل التعليل.
أما التعليل: فضربان:
أحدهما: أن يكون الحكم بالمسكوت عنه أولى من الحكم بالمنطوق به، كما في قوله تعالى:{فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23].
وثانيهما: كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
وأما الذي لا يكون تعليلاً: فضربان:
أحدهما: أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به.
وثانيهما: أن يظهر في العقل تعذر إجراء الخطاب على ظاهره، ويكون هناك أمر يكون حمل الخطاب عليه أولى من حمله على غيره كما في قوله تعالى:{واسأل القرية} [يوسف: 82].
فهذه أقسام المبين، والله أعلم.
القسم الثاني
في المبين
قال القرافي: قوله: (إنها من الطوافين) هو حديث روى أنه عليه السلام دُعِىَ إلى دار قوم فيها كلب فلم يجب، ودُعِىَ إلى دار فيها هرة، فأجاب، فسئل عن ذلك فقال:(إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
أفاد بمفهومه أن الكلب نجس، وأن علة طهارة هذه بطوافها، والكلب لا يتخذ للطواف في البيوت، وعدم العلة علة لعدم المعلول، فحصل المفهوم في الحكم والعلة.
قوله: (إذا تعذر حمل اللفظ على ظاهره في العقل؛ كقوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82].
مراده بالعقل المناسبة؛ لأن سؤال القرية وإجابتها لا يستحيل عقلاً، بل المناسبة تقتضي أنهم لا يقيمون الحجة عند أيهم بسؤال الجمادات التي إجابتها من خوارق العادات التي قد تتفق للأنبياء، وقد لا تتفق في جميع الأحوال؛
فإن ذلك ريبة في حجتهم.
*
…
*
…
*
المسألة الثانية
في أقسام البيانات
قال الرازي: اعلم أن بيان المجمل: إما أن يقع بالقول، أو بالفعل، أو بالترك.
أما بالقول فظاهر.
وأما بالفعل فإما أن يكون الدال على البيان شيئًا يحصل بالمواضعة أو شيئًا تتبعه المواضعة، أو شيئًا يتبع المواضعة.
فالأول: هو الكتابة، وعقد الأصابع.
فأما الكتابة فقد يقع بها البيان من الله تعالى بما كتب في اللوح المحفوظ، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم بما كتب إلى عماله.
وأما عقد الأصابع فقد بين به الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: (الشهر هكذا وهكذا) وحبس في الثالثة أصبعه.
وهذا الباب يستحيل على الله تعالى؛ لاستحالة الجوارح عليه.
وأما القسم الثاني: وهو الذي تتبعه المواضعة: فهو: الإشارة؛ لأن المواضعة مفتقرة إليها، وهي غير مفتقرة إلى المواضعة، وإلا لافتقرت إلى إشارة أخرى، ولزم التسلسل، وهو محال.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم بالإشارة، وذلك حين أشار إلى الحرير بيده، وقال:(هذا حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها).
وأما القسم الثالث: وهو الذي يكون تابعًا للمواضعة، فهو كما إذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا الفعل بيان لهذه الآية، أو يقول:(صلوا كما رأيتموني أصلي).
واعلم أنه لا يعلم كون الفعل بيانًا للمجمل، إلا بأحد أمور ثلاثة:
أحدها: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده.
وثانيها: أن يعلم بالدليل اللفظي، وهو أن يقول: هذا الفعل بيان لهذا المجمل، أو يقول أقوالاً يلزم من مجموعها ذلك.
وثالثها: بالدليل العقلي وهو: أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلاً يصلح أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، فيعلم أن ذلك الفعل بيان للمجمل، وإلا فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإنه لا يجوز.
وأما الترك فاعلم أن الفعل يبين الصفة، ولا يدل على وجوبها وترك الفعل يبين نفي وجوبه، وذلك على أربعة أضرب:
أحدها: أن يقوم من الركعة الثانية إلى الثالثة، ويمضي على صلاته، فيعلم أن هذا التشهد ليس بشرط في صحة الصلاة، وإلا لم تصح مع عدم شرط الصحة، ويدل على أنه ليس بواجب أنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يتعمد ترك الواجب.
وثانيها: أن يسكت عن بيان حكم الحادثة فيعلم أنه ليس فيها حكم شرعي.
وثالثها: أن يكون ظاهر الخطاب متناولاً له، ولأمته على سواء، فإذا ترك الفعل دل على أنه كان مخصوصًا من الخطاب، ولم يلزمه ما لزم أمته.
ورابعها: أن يتركه بعد فعله إياه، فيعلم أنه قد نسخ عنه، ثم ينظر؛ فإن كان
حكم الأمة حكمه، نسخ عنهم أيضًا، وإلا كان حكمهم بخلاف حكمه، والله أعلم.
المسألة الثانية
في أقسام البيانات
قال القرافي: قوله: (البيان يقع بالقول، مثاله قوله عليه السلام: (فيما سقت الشماء العشر):
قوله: (البيان بالكتابة يمكن في حق الله - تعالى - بخلاف عقد الأصابع والإشارة):
قلنا: الكتابة التي قالها في اللوح المحفوظ، إنما تتأتى بأن يخلق الله - تعالى - جسمًا يخلق فيه رقومًا، وأصباغًا، وأشكالاً دالة على المعاني، وإذا كان ذلك لا بد فيه من ذلك، فيخلق الله - تعالى - جسمًا يخلق فيه إشارات مخصوصة، أي إشارة كانت فيها مواضعة تدل الخلق على ذلك المعنى، فالحاصل أن كليهما مستحيل عليه في ذاته، بل يخلقهما في أجسام يخلقها، وممكنات بالطريق التي ذكرناها؛ فلا معنى للفرق بينهما.
قوله: (الإشارة تتبعها المواضعة، وهي غير مفتقرة للمواضعة):
قلنا: الإشارة بالوضع كاللفظ، فلو قالت العرب: إذا قلنا هكذا وهكذا وهكذا، وضممنا أصابعنا في المرة الأخيرة، كان زائدًا اعتقدناه ناقصًا، ولغى ذلك، وإنما اعتقدنا نقصان؛ لأنهم اصطلحوا على أنه ناقص، وكذلك تحريك اليد، وجميع الحركات إنما تدل بالوضع، وكذلك أهل العرف، إذا أخرج أحدهم ذقنه إلى جهة البعد، كان معناها (نعم) وإن قربها إليه، كان معناها (لا) وعند أهل (مصر) وغيرهم الأمر على العكس، ولا يفهم أهل كل قطر إلا ما تواضعوا عليه؛ فظهر أن الإشارة كالكتابة تفتقر للوضع، ثم
إن المواضعة قد لا تحتاج لإشارة، بل تحصل باللفظ وغيره من العلوم الضرورية، وإنما تحصل المواضعة بالإشارة بشرطين:
أن تكون قد وضعت، وأن يقصد المتكلم ذلك، ويعينها للإفهام، وإلا لو عين غيرها، لم يحتج إليها، والكتابة كذلك يحصل بها المواضعة بهذين الشرطين، فهما سواء.
وأما قوله: (لو احتاجت للمواضعة، لافتقرت لإشارة أخرى، ولزم التسلسل):
قلنا: لا نسلم؛ بل قرائن الأحوال كافية في معرفة أوضاع الألفاظ والإشارات، وجميع الموضوعات كما تقدم في أول الكتاب في تعلم الصبي لغة أبويه.
وقوله عليه السلام لما أشار إلى الحرير، وقال:(هذا حرام) لو لم يكن موضوعًا للإشارة، أعنى لفظ هذا، لما فهم السامعون الإشارة، ولا المشار إليه.
قوله: (الذي يكون تابعًا للمواضعة كقوله عليه السلام: (هذا الفعل بيان لهذه الآية):
تقريره: أن الألفاظ التي قال بها عليه السلام: هذا الفعل بيان لهذه الآية، لو لم تكن موضوعة، ما فهم السامعون المقصود، فصار هذا الفعل بيانًا بعد