الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(تنبيه)
غير (المنتخب) في أدلة الوجوب؛ كما قال المصنف ({فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63]).
قال المصنف: والأمر حقيقة في الفعل، وهذا هو مذهب تقدم.
قال في (المنتخب): والمراد القدر المشترك بين القول والفعل؛ نفيًا للمجاز والاشتراك، وهذا مذهب لم يقل به أحد، فكان خارقًا للإجماع؛ فإن كل من قال: إنه ليس حقيقة في القول فقط، قال: إنه مشترك؛ كما تقدم، في الأوامر، فكونه حقيقة في المشترك من غير اشتراك ولا مجاز، لم يقل به أحد، وزاد؛ فقال: الاقتداء به- عليه السلام واجب في الصلاة والمناسك، فيكون في الكل؛ لأنه لا قائل بالفرق، ويرد عليه أن القائل بالفرق بين العبادات وغيرها منقول عن العلماء، نقله القاضي عبد الوهاب في كتاب (الإفادة) وزاد: ترك متابعته مشاقة له، فيكون محرمًا؛ لقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول
…
} [النساء: 115].
ويرد عليه: لا نسلم أن ترك المتابعة مشاقة؛ فإن لفظ المشاقة، إنما يفهم منها في غرف الاستعمال المعاندة والمضادة، ومجرد الترك لا يكفي في ذلك، وزاد: قال عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
ويرد عليه أن التخصيص بقوله- عليه السلام لا يفيد إلا أصل الطلب، فإن أمكن أن يكون مندوبًا، فلا يتعين الوجوب، وزاد: قوله عليه السلام: (من ترك سنتي فليس مني) والسنة: الطريقة؛ فيتناول الأقوال، والأفعال، والتروك.
ويرد عليه أن تارك جميع طريقه ليس منه؛ لأنه صيغة عموم؛ لكونه اسم جنس أضيف حكمه على كل أفراده بالترك، ونحن نقول به؛ لأن من جملة ذلك قواعد العقائد وغيرها.
ثم إن قوله عليه السلام: (ليس مني):
قال العلماء: ليس من أهل صفتي، ويكفي في المباينة لصفته- عليه السلام ترك المندوبات أو بعضها، ولا يتوقف ذلك على وجوب الإتباع في الجميع.
وزاد: قوله عليه السلام: (افترقت بنو إسرائيل
…
) الحديث إلى قوله عليه السلام: (إلا ما أنا عليه وأصحابي).
ويرد عليه أن الخروج عما عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصدق بترك المندوبات أو بعضها، وأنتم لا تقولون به، وهو أيضًا خلاف الإجماع في كونه موجبًا لدخول الناس، فيتعين التخصيص، فنحمله على أصول الشريعة، وعلى ما أجمعنا على وجوبه، ضرورة أن الظاهر غير مراد.
وزاد: قوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام؛ ليؤتم به).
ويرد عليه أن صيغة (يؤتم به) فعل في سياق الإثبات، فلا يعم والدعوى عامة، فلا يحصل المطلوب.
وغير التربيري؛ فقال: تعظيم الرسول- صلى الله عليه وسلم واجب، والاقتداء بأفعاله تعظيم له؛ فيكون واجبًا، ونص الأصل إنما هو تعظيم الرسول عليه السلام، والإتيان بمثل فعله تعظيم له، والتعظيمان مشتركان في قدر من المناسبة، فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بذلك التعظيم يقتضي وروده بأنه يجب علينا الإتيان بمثل فعله، فكلام الأصل قياس بجامع المناسبة بمطلق التعظيم، فهذا كلام متجه من حيث الجملة، وهو صحيح في قواعد الاستدلال.
أما كلام التبريزي، فلا يصح في قواعد الاستدلال؛ لأنه أعرض عن تقرير
القياس، وجعل كلامه موجبتين في الشكل الرابع، الذي هو أبعد الأشكال عن الطبع، وجعل صغراه جزئية؛ لأن معناها بعض تعظيمه- عليه السلام واجب؛ إذ لو ادعى أن (ما) كلية، لاندرجت صورة النزاع، فيتجه المنع، فيبقى معنى كلامه هكذا: بعض التعظيم واجب، والإتباع تعظيم، فيكون الأوسط المتكرر موضوعًا في الصغرى، محمولًا في الكبرى، وهذا هو الشكل الرابع، ومن شرطه متى كانت الصغرى موجبة جزئية، لا تكون الكبرى إلا سالبة كلية، وهاهنا ليس كذلك، بل موجبة كلية؛ فلا تنتج.
ونظيره قولنا: بعض الحيوان إنسان، وكل فرس حيوان، فإنه لا ينتج بعض الإنسان فرس؛ لأنه كاذب، ونتيجة كلامه: بعض الواجب اقتداء به.
ولو سلم صحة هذه النتيجة ما أفاده شيئًا؛ بسبب أن معناه: بعض الواجب اقتداء به.
وقولنا: (اقتداء به) لا يشمل جميع أنواع الاقتداء؛ فإن المحمول دائم، إنما هو مطلق، والكلية والعموم إنما يكونان في الموضوعات، فإذا قلت: كل إنسان حيوان، إنما معناه مطلق الحيوان، لا كل حيوان: وإلا لكذبت القضية، فتأمل ذلك، وسر اشتراط السالبة الكلية مع الموجبة الجزئية في الشكل الرابع حتى يصح عكسها، وعكس الصغرى، فيزيد الأول؛ بخلاف الموجبة الجزئية؛ لأنه لا قياس عن جزئيتين، والموجبة الكلية، فلا تنعكس إلا جزئية، ولا قياس عن جزئيتين؛ كما تقرر في علم المنطق.
ثم قال التبريزي: في المسألة نظران:
أحدهما: فيما يجب أن ينزل عليه في حقه- صلى الله عليه وسلم والآخر في ثبوت ما ثبت في حقه- عليه السلام في حقنا.
أما الأول: فالظاهر فيه الندب فيما وراء الأمور العادية، التي من ضرورات
الوجود، إلا أن تكون كنفيها؛ بخلاف المعهود، وهو فيما ظهر بقرينة تعاطيه في معرض التقرب، أو مظان القربات، أو كان عليه السلام يواظب عليه فظهر، أن احتمال الذنب لم يكن ممتنعًا، فلا أقل من أن يكون بعيدًا، وكذلك احتمال الإباحة؛ فإن تعاطي المباحات فيما عدا مصالح المعاش يعتبر في نظر أهل العزائم من باب اللعب، ويضيع الوقت؛ فيبعد ذلك في حق من عرف بحفظ وقته، ورعاية زمانه، فكيف في حق الأنبياء عليهم السلام.
وإذا ظهر الرجحان في فعله- عليه السلام فغيره لا دليل عليه؛ فيتوقف فيه إلى أن يأتي دليل.
وأما النظر الآخر: فالظاهر لزومه في حقنا؛ لأن النادر أن يفعل ما هو خاص به- عليه السلام ويدل عليه سيرة الصحابة- رضي الله عنهم في مبادرتهم للاقتداء به- عليه السلام ولو في المباحات؛ إلا أن يمنعوا؛ حتى أن ابن عمر كان بطريق (مكة) يقود برأس رحلته يثنيها ويقول: لعل خفًا تقع على خف راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله عليه السلام: (ألا أخبرتها) قاطع في الحجة:
يريد التبريزي: قوله عليه السلام: (ألا أخبرتها أني أقبل، وأنا صائم):
قال: وقول المصنف: إنه أخبار آحاد.
قلنا: لم يبق في ربتة الآحاد، بل استفاض هو وأمثاله، بل صار كالمعلوم بالضرورة من سيرة الصحابة لمن يتبع آثارهم، ويؤيده أنه من باب التعظيم، كما ستجده من أنفسنا في صالحي زماننا.
وتعظيم النبي- عليه السلام واجب، وأصله مندوب في مراتبه.
قلت: كان ينبغي أن يقول: أصله واجب، ومراتبه قد تكون مندوبة، أما وصفه أصله بالندب، فغير متجه.
* * *
المسالة الثالثة
قال الرازي: قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: التأسي به واجب، ومعناه: أنا إذًا علمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل فعلًا على وجه الوجوب، فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجب، وإن علمنا أنه تنفل به كنا متعبدين بالتنفل به، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة، كنا متعبدين باعتقاد إباحته لنا، وجاز لنا أن نفعله.
وقال أبو علي بن خلاد من المعتزلة: نحن متعبدون بالتأسي به في العبادات دون غيرها كالمناكحات والمعاملات، ومن الناس من أنكر ذلك في الكل.
واحتج أبو الحسين بالقرآن، والإجماع:
أما القرآن فقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] والتأسي بالغير في أفعاله هو أن يفعل على الوجه الذي فعل ذلك الغير، ولم يفرق الله تعالى بين أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت مباحة، أو لم تكن مباحة.
وقوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] أمر بالإتباع فيجب.
أما الإجماع فهو: (أن السلف رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم) وفي أن (من أصبح جنبًا، لم يفسد صومه) و (في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهو حرام) وذلك يدل على أن أفعاله لابد من أن يمتثل فيها طريقه.
ولقائل أن يقول على الدليل الأول: الآية تقتضي التأسي به مرة واحدة، كما أن قول القائل لغيره:(لك في الدار ثوب حسن) يفيد ثوبًا واحدًا، فإن قلت: هذا إن ثبت، تم غرضنا من التعبد بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في الجملة.
وأيضًا فالآية تفيد إطلاق كون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا، ولا يطلق وصف الإنسان بأنه أسوة حسنة لزيد، إذا لم يجز لزيد أن يتبعه إلا في فعل واحد، وإنما يطلق ذلك، إذا كان ذلك الإنسان قدوة لزيد يقتدي به في الأمور كلها، إلا ما خصه الدليل.
قلت: الجواب عن الأول أن أحدًا لا ينازع في التأسي به صلى الله عليه وسلم في الجملة؛ لأنه لما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) و (خذوا عني مناسككم) فقد أجمعوا على وقوع التأسي به هاهنا، والآية ما دلت إلا على المرة الواحدة فكان التأسي به صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة كافيًا في العمل بالآية، لاسيما، والآية إنما وردت على صيغة الإخبار عما مضى، وذلك يكفي فيه وقوع التأسي به فيما مضى.
والجواب عن الثاني: أنك إن أردت به أنه لا يصح إطلاق اسم الأسوة عليه، إلا إذا كان أسوة في كل شيء فهذا ممنوع؛ ثم الذي يدل على فساده وجهان:
الأول: أن من تعلم من إنسان نوعًا واحدًا من العلم يقال له: إن ذلك فلان أسوة حسنة.
الثاني: وهو أن يقال: (لك في فلان أسوة حسنة في كل شيء) ويقال: (لك من فلا أسوة حسنة في هذا الشيء (دون ذاك، ولو اقتضى اللفظ العموم لكان الأول تكريرًا، والثاني نقضًا.
وإذا أردت أن يصح إطلاق اسم الأسوة، إذا كان أسوة في بعض الأشياء، فهذا مسلم، ولكنه صلى الله عليه وسلم عندنا أسوة لنا في أقواله، وفي كثير من أفعاله التي أمرنا بالاقتداء به فيها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:(صلوا كما رأيتموني أصلي) و (خذوا عني مناسككم).
والجواب عن الحجة الثانية: أن قوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] مطلق في الإتباع، فلا يفيد العموم في كل شيء من الإتباعات، والأمر لا يقتضي التكرار؛ فلا يفيد العموم في كل الأزمنة.
فإن قلت: ترتيب الحكم على الاسم يشعر بأن المسمى علة لذلك الحكم، فماهية المتابعة علة للأمر بها.
قلت: فعلى هذا، لو قال السيد لعبده:(اسقني) يلزم أن يكون أمرًا له بجميع أنواع السقي في كل الأزمنة ولو قال له: (قم) يلزم أن يكون أمرًا له بجميع أنواع القيام في كل الأزمنة، وفي هذه الأمثلة كثرة، وما ذكرناه كاف في إفساد ما قالوا، والله أعلم.
وأما الإجماع فقد سبق الكلام عليه، والله أعلم.
المسألة الثالثة
في وجوب التأسي
قال القرافي: قلت: هذه المسألة في غاية الالتباس بالتي قبلها؛ لأن المعنى بدلالة الفعل على الوجوب: أنه يجب علينا التأسي به.
وقولنا: لا يدل الفعل على الوجوب، أي: لا يجب التأسي، غير أن الفرق بينهما من جهة، وهو أن البحث في المسألة الأولى في أنه، هل نصب فعله- عليه السلام دليلًا أم لا؟ فالبحث في المسألة الأولى، إنما هو في نصب الفعل دليلًا.
فإذا قلنا بأنه لم ينصب أو نصب؛ فهل كلفنا نحن بإتباعه؟ وإن لم ينصب دليلًا، كما نقوله في إمام الصلاة، والخليفة، وولاة الأمور؛ أنه تجب طاعتهم وإتباعهم، وإن كنا لا نقول: إن أفعالهم نصبت دليلًا شرعيًا.