الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: (لا يستقل بنفسه):
قد يستقل البيان بنفسه؛ كقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) فهو كلام مستقل، وهو بيان لقوله تعالى:{وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ويسميه العلماء بيانًا في الاصطلاح.
وقد لا يستقل البيان بنفسه؛ كقوله تعالى: {إنها بقرة صفراء} [البقرة: 69] فهذا إن لم يضم لما تقدم، عسر فهمه من أجل الضمير، وهذا هو مقصود المصنف غير أن ليس كل بيان كذلك، فكان تفسيره غير جامع.
قوله: (المبين: يقال على ما ورد عليه بيانه) وهذا اسم المفعول فيه ظاهر، إنما يشكل على المبين الذي هو واضح في أصل غنى عن البيان.
وتقرير تسميته مبينًا من جهة أن الناطق به أوضحه في أصل النطق به، وأتى به مفسرًا فصيحًا، معربًا عن المقصود، فهو أثره، فهو مفعول، فنقول لمن نطق بالنص الصريح: لفظه مبين واضح، والمفسر مرادف للمبين، وتعليلهما واحد.
قوله: (المفسر يقال على معنيين).
(فائدة)
قال اللغويون: هذه المادة إنما تؤخذ للظهور والبيان
، ومنه فسر، إذا بين، وسفر عن وجهه، إذا كشف، وأسفرت الشمس، إذا عظم نورها، وسافر؛ لأن السفر يكشف عن أخلاق الناس.
والسفارة: الرسالة؛ لأن الرسول يكشف للمرسل ما أرسله فيه.
قوله: (النص: كل كلام تظهر إفادته لمعناه):
قلنا: قد تقدم أول الكتاب: أن النص له ثلاثة معان:
ما دل على معنى قطعًا، ولا يحتمل غيره قطعًا؛ كأسماء الأعداد، وما دل على معنى قطعًا، وإن احتمل غيره؛ كصيغ الجموع في العموم، فلابد فيها من ثلاثة؛ كقوله تعالى:{فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] وما دل على معنى كيف كان، وهو غالب استعمال الفقهاء، يقولون:(نص الشافعي على كذا) ولنا النص والقياس على كذا، ولا يريدون إلا لفظًا دالاً كيف كان، وأصله من توصيل الشي إلى غايته، ومنه قول جابر:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد مزجة نص) أي: رفع السير إلى غايته.
ومنه منصة العروس؛ لأنها ترفع إلى الغاية الممكنة في الارتفاع بها.
قال امرؤ القيس: [الطويل]:
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش .... إذا هي نصته ولا بمعطل
فمن لاحظ أعلى مراتب رفع الشيء إلى غايته، قال بالتفسير الأول، أو أدنى مراتبه، فالثالث، أو المتوسط، فالمتوسط.
قوله: (احترزنا بقولنا: (كلام) عن المجمل مع بيانه؛ فإنه لا يسمى نصًا).
قلنا: عليه سؤالان:
أحدهما: أنكم ذكرتم في الحد لفظ (الكلام) لا لفظ (النص) فينبغي لكم أن تقولوا: المجمل مع مبينه لا يسمى كلامًا؛ أما النص: فلا مدخل له هاهنا؛ لأنه لفظ المحدد لا لفظ المقيد الواقع في حد الاحتراز.
وثانيهما: سلمنا صحة الاحتراز، لكن لا نسلم أن المجمل مع بيانه لا يسمى كلامًا ولا نصًا، بل الكلمات، وإن كثرت، والجمل المفيدة، وإن تعددت تسمى كلامًا؛ لقوله تعالى:{فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6]، والمراد جملة القرآن، واتفق المسلمون على تسمية القرآن كلام الله تعالى.
وأما النص: فأصله مصدر تقول: نص كلامه ينص نصًا، والمصدر يصدق على القليل والكثير لغة.
فإن قلتم: إنه نقل في عرف الاستعمال للفظ المفرد، قلنا: الأصل عدم النقل والتغيير.
قوله: (ولأن البيان قد يكون بغير القول، والنص لا يكون إلا قولاً):
قلنا: مسلم، لكن المجمل الذي بيانه قول لا يخرج حينئذ لما تقدم، ويكفي في النقض صورة.
قوله: (الآية نص في وجوب الصلاة فقط).
تقريره: أن المراد هاهنا: بالنص ما أفاد معنى كيف كان.
وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 110] مفيد للوجوب، وقد يكون مفيدًا من وجه، ومجمل من وجه، فهي مجملة في أحوال الصلاة ومقاديرها، وكذلك قوله تعالى:{واتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ظاهر في أصل الحق، مجمل في مقداره.
قوله: (إذا قال (اضرب عبيدي) لا يقول أحد: إنه نص على ضرب زيد من عبيده):
قلنا: لا نسلم؛ فإنا إذا فسرنا النص باللفظ الدال، كيف كان، كانت العمومات نصوصًا في ثبوت الحكم في كل فرد من أفرادها.
وكذلك نقول: الله - تعالى - نص على جواز بيع الغائب؛ بقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ونسبة اللفظ إلى الأفراد نسبة واحدة فلو لم يكن نص على فرد، يلزم ذلك في جميع الأفراد، ثم قولكم: لكن يقال: نصه على ضرب جميعهم يبطل ذلك؛ لأن ثبوت المجموع يتوقف على ثبوته في كل فرد، فإذا خرج الفرد عن أن يكون منصوصًا عليه، تعذر أن يكون المجموع منصوصًا عليه؛ فحينئذ يتعين أن يكون قولكم:(ولا يتناول أكثر منه) لا معنى له في الاحتراز.
قوله: (الظاهر الذي لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره أفاد وحده، أو مع غيره):
قلنا: ظاهر كلامكم: أنكم جعلتم الظاهر أعم؛ لقولكم: (أفاده وحده، أو مع غيره) ثم قلتم بعد هذا: (أو بالقيد الأخير يمتاز عن النص امتياز العام عن الخاص) ويلزم من هذا سؤالان:
أحدهما: أن حد النص السابق لا يمنع من دخول الظاهر فيه؛ كقولكم:
هو كلام تظهر إفادته لمعناه، وحينئذ لا عموم ولا خصوص، بل التفسيران عامان، وكل منهما لم يصدق إلا على الظاهر، وخصوص النص الذي هو قسيم الظاهر، لم يتعرضوا له؛ وهو الدال على معنى قطعًا، لا يقبل المجاز ألبتة؛ كأسماء الأعداد.
وثانيهما: أن الظاهر إذا كان أعم؛ فيجب صدقه على نوعه، الذي هو النص، فيصدق على النص أنه ظاهر، والاصطلاح يأباه.
قوله: (كما قلنا في باب اللغات؛ النص: هو الذي لا يمكن استعماله في غير معناه):
قلنا: هذه العبارة لم تتقدم، لكنه قال: النص هو المانع من النقيض وتفسيره أنه يمنع المجاز، وقد تقدم البحث عليه هناك، وهو أن النقض أعم من المجاز؛ لاحتماله النسخ.
قوله: (ولا منافاة بين التعريفين):
تقريره: أن ذلك تعريف للنص المفسر بما دل على معنى قطعًا، ولا يحتمل غيره قطعًا، وهذا تعريف للنص بما له إفادة، كيف كانت، أو لفظ النص لفظ مشترك، وكل لفظ مشترك يكون لكل واحد من مسمياته تعريف غير التعريف الكائن للآخر؛ فلا منافاة حينئذ.
قوله: (المجمل في عرف الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء هو معين في نفسه).
قلنا: كونه معينًا في نفسه لم يأت من قبيل المجمل، إنما جاء من ظاهر حال المتكلم، أما اللفظ من حيث هو لفظ، فلا دلالة له على التعيين، ثم قولكم:(من أشياء) قد يكون من جملة شيئين؛ كالقرء، له مسميان فقط، وهذا ينبني على أقل الجمع، هل هو اثنان، أو ثلاثة؟