الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السادسة
قال الرازي: الخطاب المتناول لما يندرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم والأمة كقوله: {يأيها الناس} [البقرة: 21]، {يأيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] عام في حقهما، ومنهم من خصصه بالأمة قال: لأن منصب الرسول صلى الله عليه وسلم يقتضي إفراده بالذكر؛ وهو باطل؛ لأن اللفظ عام، ولا مانع من دخول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه.
وقال الصيرفي: كل خطاب لم يصدر بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتبليغه، ولكن ورد مطلقًا فالرسول صلى الله عليه وسلم مخاطب به؛ كغيره.
وكل ما كان مصدرًا بأمر الرسول بتبليغه فذلك لا يتناوله؛ كقوله: {قل يأيها الناس} [الأعراف: 158].
المسألة السادسة
الخطاب المتناول للأمة غير متناول لرسول الله صلى الله عليه وسلم
قال القرافي قوله: (منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي إفراده بالذكر):
تقريره: أن عوائد الملوك والعظماء، إذا خاطبوا عامة رعيتهم، خصصوا وزراءهم وكبراء خاصتهم بخطاب يخصهم، وإذا كانت هذه العادة في الخطاب، وكلام الله- تعالى- يخصص بالعوائد، فتخصص بهذه العادة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم البرية وسيد الكونين.
(سؤال)
إنما كانت عوائد الملوك كذلك؛ لأن عظماء دولتهم يقاربونهم في الجلالة والحرمة وتمام العظمة؛ فاقتضاء الحال في سياستهم أن يميزوا عن الرعية؛ حفظًا لقولهم عن الفساد، وما يخشي من غوائلهم في إفساد الممالك.
أما الله تعالى، فالعالم كله، وجميع المخلوقات بالنسبة إلى عظمة جلاله، لا أقول: كالذرة الملقاة في الفلاة، بل العدم الصرف، والنفي المحض، فالتسوية بين أجزاء العالم بالنسبة إلى الله- تعالى- ضعيفة جدا، بل ذلك جناب عظيم، كل عظيم بالنسبة إليه ليس بعظيم، فهذا فرق عظيم يمنع من ملاحظة عوائد الملوك في خطاب الله تعالى.
قوله: (إن كان الخطاب أمرًا بالتبليغ، لم يشاركه لقوله تعالى: {قل يأيها الناس} [يونس: 104]):
قلنا: لا مانع من أن الله- تعالى- يأمره بأن يأمر نفسه بالأوامر الشرعية، وقد روى عنه- عليه السلام أنه كان يقول، إذا جاء من الغزو:(جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر).
قال العلماء: هو مجاهدة النفوس بأمرها وحضها على طاعة الله- تعالى- فإن عدو الكفر إن قتلك، أو قتلته، دخلت الجنة، وإن قتلت نفسك دخلت النار، والأمور كثيرة مذكورة في كتب الرقائق، ليس هذا موضعها؛ فإن أمر الإنسان لنفسه هو دأب كل عاقل في ليله ونهاره.
***
المسألة السابعة
قال الرازي: الخطاب المتناول لما يندرج فيه الحر والعبد والمسلم والكافر لا يخرج عنه العبد والكافر، أما العبد: فلأن اللفظ عام، وقيام المانع الذي يوجب التخصيص خلاف الأصل.
وهذا القدر يوجب دخول العبد فيه، بل العبادة التي تترتب على المالكية لا تتحقق في حق العبد؛ لأن العبد ليس له صلاحية المالكية، فأما فيما عداه فهو داخل فيه.
فإن قلت: المانع من ذلك هو ما ثبت من وجوب خدمته لسيده في كل وقت يستخدمه فيه، وذلك يمنعه من العبادات في هذه الأوقات.
فإن قلتم: إنما يلزمه خدمة سيده، لو فرغ من العبادات، فنقول: لم كان تخصيص الدليل الدال على وجوب خدمة السيد بما دل على وجوب العبادة أولى من تخصيص ما دل على وجوب العبادة بما دل على وجوب خدمة السيد؟
قلت: ما دل على وجوب خدمة السيد في حكم العام، وما دل على وجوب العبادات في حكم الخاص؛ لأن كل عبادة يتناولها لفظ مخصوص كآية الصلاة وآية الصيام؛ والخاص متقدم على العام.
وأما بيان أن كونه كافرًا لا يخرجه عن العموم؛ فقد ثبت في باب أن الكفار مخاطبون بالشرائع، والله أعلم.
المسألة السابعة
المتناول للأحرار والعبيد.
قال القرافي: قوله: (الدليل الدال على العبادات أقوى من الدليل الدال على وجوب خدمة السيد؛ فيقدم عليه؛ فيندرج العبيد): لا يتم؛ لأن تلك النصوص تتناول الأحرار مع العبيد، فهي أعم من وجه؛ فيجب التوقف؛ لأن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه.
***
المسألة الثامنة
قال الرازي: قصد المتكلم بخاطبه إلى المدح، أو إلى الذم لا يوجب تخصيص العام، ومنع بعض فقهائنا من عموم قوله تعالى:{والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] وأبطلوا التعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي، وقالوا: القصد به إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم.
والجواب: أنا فهمنا الذم من الآية؛ لدلالة اللفظ عليه، واللفظ دل على العموم فوجب إثباته، وليست دلالتها على الذم مانعة من دلالتها على العموم.
المسألة الثامنة
خطاب المدح والذم لا يوجب تخصيص العام
قال القرافي: قوله: (خصص بعضهم قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة
…
} الآية: [التوبة: 34]، ومنعوا التمسك بها في الخيل، وقالوا: القصد إيجاب الذم بالكنز دون العموم).
تقريره: أن لهم قاعدة، وهي: أن اللفظ إذا سيق لمعني لا يستدل به في غير ذلك المعني؛ لأن المتكلم لم يتوجه عليه، كما قلنا لأبي حنيفة لما استدل بقوله عليه السلام:(فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة في الخضراوات:
قلنا له: هذا الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه؛ فلا يستدل به على عموم المسقي من السماء؛ لأنه لم يقصد في هذا المقام دليل قوله عليه السلام:(سنوا بهم سنة أهل الكتاب) سيق لبيان أن المجوس يسوى بينهم، وبين أهل الكتاب في أخذ الجزية، فلا يستدل به على أن
الجزية تؤخذ من المرأة والصغير ونحوهما؛ بطريق العموم؛ لأن ذلك لم يقصد، وإنما سيق للجزية، ولم يتوجه المتكلم بتقرير غير ذلك من القواعد، وكذلك لا يستدل به على جواز نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم؛ نظرًا لعموم اسم الجنس إذا أضيف في قوله عليه السلام:(سنة أهل الكتاب) فإنه يعم جميع ما ثبت لأهل الكتاب، وبالجملة: فهذه قاعدة مشهورة، إذا سيق الكلام بمعني، لا يستدل به على غيره؛ لعدم توجه المتكلم إليه، وحكاها القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) مسألة مستقلة وفرسها بتوقف العموم على المقصود فيه.
وحكي عن متقدمي المالكية، وبعض الشافعية منهم القفال: أنه موقوف على ما سيق لأجله، ويختص به، وإن كان عاما.
وحكي عن متأخري المالكية القول بإجرائه على عمومه، فمستند المانع من التمسك بالآية ظاهر، وإنما في المسألة غور آخر، وهو أن العام إن تقدمه حكم قوم نحو:(إن أكلة الربا ظلموا أنفسهم) ثم بقول: (إنه لا يفلح الظالمون) فهل يحمل اللفظ على عمومه؟ ونقول: لا يفلح كل ظالم، كيف كان من هؤلاء، أو من غيرهم، ونحو هذا، وكذلك إذا قال: صلوا أرحامكم، وأحسنوا لأقاربكم، ثم يقول: إن الله مع المحسنين، هل كان يحسن، أو يختص بمن تقدم؟
ونحو هذه السياقات هي التي يتجه فيها: أن المدح والذم لا يوجب تخصيصًا.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ويتعين التخصيص، إذا كان المتقدم شرطًا؛ نحو قوله تعالى:{إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا} [الإسراء: 25] فإنه يتعين أن تكون العدة بالغفران هاهنا مختصة بمن تقدم ذكره من المخاطبين في قوله تعالى: {تكونوا} ولا يعم هذا الحكم جميع
الخلائق، ولا جميع- الأمم الماضية، بسبب أن التعاليق اللغوية أسباب، والجزء المرتب عليها مسببها وناشئ عنها، وصلاحنا نحن لا يكون سببًا للمغفرة لغيرنا من الأمم؛ لأنها عادة الله تعالى، بل صلاح كل أحد يختص به، إلا أن يكون لغيره في ذلك سبب، أو معونة لقوله تعالى:{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39].
أما إذا لم يكن شرطًا، فالصحيح الحمل على العموم، وهذه مواطن في المسألة، لم يتعرض لها المصنف، وهي جل المقصود من المسألة، والذي يعرض له الصحيح فيه مع خصمه، ففاتت المسألة عليه بالكلية.
***
المسألة التاسعة
قال الرازي: عطف الخاص على العام، لا يقتضي تخصيص العام.
مثاله: أن أصحابنا لما احتجوا على أن المسلم لا يقتل بالذمي؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مؤمن بكافر) قالت الحنفية: إنه صلى الله عليه وسلم عطف عليه قوله: (ولا ذو عهد في عهده) فيكون معناه: (ولا ذو عهد في عهده بكافر) ثم إن الكافر الذي لا يقتل ذو العهد به هو: الحربي؛ فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو: الحربي؛ تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
والكلام عليه يقع في مقامين:
الأول: ألا نسلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ذو عهد في عهده) معناه: (ولا ذو عهد في عهده بكافر).
بيانه أن قوله صلى الله عليه وسلم (ولا ذو عهد في عهده) كلام تام، وإذا كان كذلك لم يجز إضمار تلك الزيادة.
إنما قلنا: إنه كلام تام؛ لأنه [لو] قال: (ولا يقتل ذو عهد) لكان من الجائز أن يتوهم منه متوهم أن من وجد منه العهد، ثم خرج عن عهده، فإنه لا يجوز قتله، فلما قال:(في عهده) علمنا أن هذا النهي مختص بكونه في العهد.
وإذا ثبت أن هذا القدر كلام تام، لم يجز إضمار تلك الزيادة؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه إلا لضرورة.
سلمنا: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ذو عهد في عهده) معناه: (ولا ذو عهد في عهده بكافر) لكن لا نسلم أن هذا الكافر، لما كان هو: الحربي؛ وجب أن يكون المراد بقوله: (لا يقتل مؤمن بكافر) هو: الحربي.
بيانه: أن مقتضي العطف مطلق الاشتراك، لا الاشتراك من كل الوجوه، وإذا كان كذلك، لم يجب ما قالوه، والله أعلم.
المسألة التاسعة
عطف الخاص على العام
قال القرافي: قوله: (الكافر الذي لا يقتل به دون العهد هو الحربي):
تقريره: أن القاعدة الشرعية في القصاص أن كل آدمي يقتل بمن هو أعلى من إجماعًا، إنما الخلاف بيننا وبين الحنفية في قتل الأعلى بالأدنى، والذمي أعلى من المعاهد؛ لأن عقد الذمة يدوم لجميع الذرية إلى قيام الساعة، وعقدة المعاهدة تختص بزمان العهد، فيقتل المعاهد بالذمي فلم يبق أحد لا يقتل به المعاهد إلا الحربي.
والقاعدة اللغوية أن العطف يقتضي التسوية؛ فتساوي الجملة الأولى الجملة الثانية، وأن المسلم لا يقتل بالحربي، ويكون المراد بعموم الكافر خصوص الحربي، وهذا مجمع عليه، فسقط الاستدلال بالحديث على أن المسلم لا يقتل بالكافر، فصدر الحديث ينهض وآخره يعكر عليه.
قوله: (مقتضي العطف مطلق الاشتراك).
تقريره: أن أئمة النحو قالوا: إذا قلنا: مررت بزيد منطلقًا وعمرو؛ لا يقتضي أنك مررت بالمعطوف عليه منطلقًا، بل الاشتراك في مطلق المرور، كذلك جميع الظروف والأحوال والمتعلقات لا يلزم الاشتراك فيها.
فإذا قلت: لا يقوم زيد في الدار ولا عمرو، أمكن نفي قيام عمرو باعتبار غير الدار؛ لأنه متعلق، وهكذا هاهنا لا يشتركان فيمن يقتل به، بل في أصل القتل. هذه قاعدة النحاة، وللعلماء في الحديث أربعة أجوبة:
(الواو) للاستئناف ليست للعطف؛ لأن ما بعدها جملة مستقلة، سلمنا أنها عاطفة، لكن في أصل النفي، وهو الثاني في الكتاب، سلمنا أن العطف يقتضي التسوية مطلقًا، لكن لا نسلم أن (في) للظرفية، بل للسببية