الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المحصول)، والإطلاق أرجح؛ لأنه يشمل القسمين، والتقييد يخرج أحد النوعين، فكان مرجوحًا.
(سؤال)
جعله المتواطئ مجملاً، إذا استعمل في موضوعه، إذا أريد به أحد أنواعه، أو أشخاصه - مشكل؛ لأنه إذا أريد به ذلك، لا يكون مستعملاً في موضوعه.
(تنبيه)
الأصل في المتواطئ عدم الإجمال
، وأن يحمل على مسماه المعنى الكلي، حتى تدل قرينة على استعماله في أخص من مسماه، والأصل في المشترك الإجمال، حتى يتبين، فهما مفترقان.
(سؤال)
قال النقشواني: ما ذكره أولاً في حد المجمل يشعر بأن المسمى بالمجمل يصير حده الأول غير جامع.
(سؤال)
قال النقشواني: إخراج المتواطئ أولاً عن أن يكون مجملاً؛ حيث ضرب المثال بقوله: اضرب رجلاً، وفي التقسيم جعله من جملة المجمل.
جوابه: أنه قد تقدم أن المتواطئ يصدق عليه الإجمال وعدمه، حال كونه مستعملاً في موضوعه، وأنه ظاهر من وجه، ومجمل من وجه، فباعتبار موضوعه ظاهر وغير مجمل، وباعتبار أشخاصه وأنواعه مجمل إجمالاً لا يمنع من العمل؛ لأن الإجمال هو عدم فهم المعنى من اللفظ، وهو أعم من كونه مانعًا؛ لاحتمال أن يكون مع غير المفهوم ما هو مفهوم من جهة أخرى، وقد تقدم.
المسألة الثانية
قال الرازي: يجوز ورود المجمل في كلام الله - تعالى - وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم والدليل عليه وقوعه في الآيات المتلوة.
واحتج المنكر: بأن الكلام: إما أن يذكر للإفهام، أو لا للإفهام، والثاني عبث غير جائز على الله تعالى.
والأول: إما أن يكون قد قرن بالمجمل ما يبينه، أو لم يفعل ذلك، والأول: تطويل من غير فائدة؛ لأن التنصيص عليه أسهل وأدخل في الفصاحة من ذكره باللفظ المجمل، ثم بيان ذلك المجمل بلفظ آخر، وأيضًا فيجوز أن يصل الإنسان إلى ذلك المجمل قبل وصوله إلى ذلك البيان، فيكون سببًا للحيرة، وإنه غير جائز،
والثاني: باطل؛ لأنه إذا أراد الإفهام مع أن اللفظ لا يدل عليه، وليس معه ما يدل عليه، كان تكليفًا بما لا يطاق، وإنه غير جائز.
والجواب: أن هذا الكلام ساقط عنا؛ لأن عندنا يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وعند المعتزلة: فلا يبعد أن يكون في ذكره باللفظ المجمل، ثم إرداف ذلك المجمل بالبيان مصلحة لا يطلع عليها، ومع الاحتمال لا يبقى القطع، والله أعلم.
* * *
المسألة الثانية
يرد المجمل في كتاب الله تعالى
قال القرافي: قوله: (جواز وقوعه في الآيات المتلوة):
يريد المتقدمة في التمثيل.
قوله: (ذكر البيان بعد المجمل تطويل من غير فائدة):
قلنا: لا نسلم به، بل فيه فوائد:
أحدها: امتحان المكلف؛ حتى يظهر المتثبت الفاحص عن دينه الباذل لجهده في طلب البيان من المعرض المتواني في ذلك، فيعظم قد الأول دون الثاني.
وثانيها: أن خطاب الله - تعالى - تشريف لعباده، فكلما كثر خطابه، كثر تشريفه، وتلك نعمة عظيمة منه سبحانه وتعالى، ولذلك لما سأل الله - تعالى - موسى عليه السلام فقال:{وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولىَ فيها مآرب أخرى} [طه: 17 - 18] فزاد في الجواب عما لم يسأل عنه، وقد كمل الجواب بقوله:{هي عصاي} وشرع يعلم الله - تعالى - بما هو به عليم، وما ذلك إلا لتكثير مناجاته لله تعالى، وتضاعف شرفه باستمرار حالة المخاطبة مع رب الأرباب، ولقد يفعل الإنسان ذلك مع ملوك الدنيا وعظمائها، فكيف مع الله تعالى؟!
وثالثها: أن ألفاظ القرآن بكل حرف منه عشر حسنات، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا كثرت التلاوة، كثرت الأجور.
ورابعها: أن المعنى، إذا ذكر أولاً بلفظ مجمل، ثم ذكر بلفظ مفصل، كان أوقع في النفس؛ فإن النفس تشتاق إلى تمامه بعدل إجماله، وحصول الشيء بعد الشوق إليه، وصورة المنع منه، أبلغ عند النفس من حصوله ابتداءً، ويكون إقبالها على المعنى وفهمه، أتم: لتوفر الداعية بسبب الشوق إليه.
قوله: (وقد يصل إليه المجمل دون البيان، وذلك سبب الحيرة):
قلنا: التقصير يكون من جهته، لا من جهة المتكلم؛ فإن البيان قد حصل من جهة المتكلم.
القول في أمور ظن أنها من المجملات
وليست كذلك، وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: ذهب الكرخي: إلى أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان؛ كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] يقتضي الإجمال.
وعندنا: أنه يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الذات، فيفهم من قوله:{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] تحريم الاستمتاع، ومن قوله:{حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] تحريم الأكل؛ لأن هذه الأفعال هي الأفعال المطلوبة في هذه الأعيان.
والحاصل: أنا نسلم كونه مجازًا في اللغة؛ لكنه حقيقة في العرف.
لنا وجوه:
الأول: أن الذي يسبق إلى الفهم من قول القائل: (هذا طعام حرام) تحريم أكله، ومن قوله:(هذه المرأة حرام) تحريم وطئها؛ ومبادرة الفهم دليل الحقيقة.
وثانيها: ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها) فدل هذا على أن تحريم الشحوم أفاد تحريم كل أنواع التصرف، وإلا لم يتوجه الذم عليهم في البيع.
وثالثها: أن المفهوم من قولنا: (فلان يملك الدار) قدرته على التصرف فيها
بالسكنى والبيع، ومن قولنا:(فلان يملك الجارية) قدرته على التصرف فيها بالبيع، والوطء، والاستخدام؛ وإذا جاز أن تتخلف فائدة الملك على هذا النحو، جاز مثله في التحريم والتحليل.
احتج الكرخي: بأن هذه الأعيان غير مقدورة لنا، لو كانت معدومة، فكيف إذا كانت موجودة؟ فإذن لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، بل المراد تحريم فعل من الأفعال المتعلقة بتلك الأعيان، وذلك الفعل غير مذكور، وليس إضمار بعضها أولى من بعض، فإما أن نضمر الكل، وهو محالٌ؛ لأنه إضمار من غير حاجة وهو غير جائز، أو نتوقف في الكل، وهو المطلوب.
وأيضًا: فالآية لو دلت على تحريم فعل معين، لوجب أن يتعين ذلك الفعل في كل المواضع، وليس كذلك؛ لأن المراد بقوله تعالى:{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] حرمة الاستمتاع، وبقوله:{حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] حرمة الأكل.
والجواب: لا نزاع في أنه لا يمكن إضافة التحريم إلى الأعيان، لكن قوله:(ليس إضمار بعض الأحكام أولى من بعض) ممنوع؛ فإن العرف يقتضي إضافة ذلك التحريم إلى الفعل المطلوب منه، والله أعلم.
* * *
القول فيما ظن أنه من المجملات
قال القرافي: قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] مجاز لغوي حققة عرفية).
تقريره: أن هذا من مجاز التركيب؛ على ما قاله من حذف المضاف، وقد تقدم أن حذف المضاف من باب المجاز، وتقدم أن إطلاقات العلماء
تقتضي الخلاف في المضاف المحذوف، هل هو سبب المجاز، أو محل المجاز؟ وتقدم تقرير هذا وبسطه في باب المجاز، وتقدم في باب الحقيقة العرفية: أن أهل العرف كما ينقلون المفردات ينقلون المركبات أيضًا، كما أن العرب وضعت المفردات والمركبات، كذلك الوضع العرفي فيه القسمان، وهو معنى قوله:(حقيقة عرفية).
هذا هو ظاهر كلامه، ويحتمل على وجه البعد أن يكون أراد مجاز - الإفراد؛ بأن يعتقد أن لفظ الأمهات عبر به عن الاستمتاع بها؛ من باب التعبير بالسبب المؤدى عن مسببه، أو مجاز الملازمة؛ لأن وضع النساء يقتضي قبولهن الاستماع كما يقبل الوادي الماء، والاستمتاع من لوازم النساء في غالب أمرهن إلا أن مجاز التركيب فيه أظهر، وقد تقدم في باب المجاز الفرق بين مجاز التركيب، ومجاز الإفراد، وحقائقهما وشروطهما.
قوله: (روى عنه عليه السلام أنه قال: (لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها} يدل على تحريم كل أنواع التصرف، وإلا لم يتوجه الذم في النفع):
قلنا: عليه سؤالان:
السؤال الأول: أن هذا يناقض ما قدمتموه: أن اللفظ موضوع لما يتبادر الذهن إليه فقط، والمتبادر هاهنا إنما هو الأكل وهو المفهوم من الشحوم، إذا قلنا: حرم الله الشحم، أما جميع الأنواع فلا، كما قررتموه في الطعام.
السؤال الثاني: أن هذا الحديث في نفسه مشكل، استشكله جماعة من العلماء من جهة أن المتبادر إلى الفهم إنما هو الأكل كما تقدم، فيشكل اللعن على البيع؛ فإنه لا يلزم من تحريم الأكل تحريم البيع؛ كالبغال والحمير يحرم أكلها، ويجوز بيعها، وهو كثير، ومقتضى ذلك أن يعذر اليهود في كونهم حملوا التحريم على الأكل خاصة، فكيف يتوجه عليهم الذم، وأجاب
العلماء عنه بأن هذا الحديث يقتضي أنه قد تقدم عند نزول التحريم عليهم في الشحوم قرائن حالية، أو مقالية تقتضي تعميم التحريم عليهم في جميع المنافع؛ فيكون معنى قوله عليه السلام:(حرمت عليهم الشحوم) أي حرم عليهم جميع منافعها، فباعوها؛ بناء على أنهم كانوا يعملون ذلك بدليل منفصل ورد عليهم؛ لأن كل ما يتوقف عليه تصحيح كلام صاحب الشرع يجب اعتقاد وقوعه، وإلا فظاهر الحديث على خلاف القواعد.
قوله: (المفهوم من قولنا: (فلان يملك الدار) قدرته على التصرف بالبيع والتصرف، و (يملك الجارية) قدرته على البيع والوطء، وإذا جاز أن تتخلف فائدة الملك على هذا النحو، جاز مثله في التحريم والتحليل):
تقريره: أن التحريم سلب القدرة شرعًا، فإذا كانت القدرة تختلف حالة الثبوت، والسلب إنما يدخل على الحاصل حالة الثبوت، فيكون السكوت مختلفًا؛ لأنه عين الثابت، والتخيل إثبات القدرة شرعًا، فيختلف في الأعيان المحللة.
قوله: (هذه الأعيان غير مقدورة لنا، لو كانت معدومة، فكيف إذا كانت موجودة؟):
تقريره: أن العقلاء حيث قال بعضهم: إن الحيوان يوجد أفعال نفسه، كما قالت الفلاسفة والمعتزلة، إنما قالوه في أنواع من الأفعال عدها العلماء في كتبهم نحو العشرة:
الحركة والسكون، والعلم والظن، والاجتماع والفكر، والافتراق، والنية والإرادة، وأنواع العزوم، والطاعة والمعصية، وهما خصوصان للأفعال ونحو ذلك.
وأما إيجاد الآدمي أو غيره من الحيوانات، وخلق الجبال والسموات والشجر والنبات ونحو ذلك، فلم يقل به أحد، بل جميع الحيوانات عاجزة عن ذلك؛ باتفاق العقلاء، ونقلها من العدم إلى الوجود، إنما هو لله - تعالى - وأما إذا كانت موجودة، فأصعب وأبعد؛ فإن الموجود يستحيل إيجاده على القدرة القديمة فضلاً عن الحادثة، والأثر إنما يفتقر للمؤثر حالة حدوثه لا حالة بقائه؛ فلذلك الاستحالة علينا بعد الوجود أقوى وأشد.
*
…
*
…
*
المسألة الثانية
قال الرازي: ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ومسح بعضه، وإذا ظهر الاحتمال، يثبت الإجمال.
وقال آخرون: لو خلينا واللفظ لمسحنا جميع الرأس؛ لأن الباء للإلصاق.
وقال ابن جنى: (لا فرق في اللغة بين أن تقول: مسحت بالرأس، وبين أن تقول: مسحت الرأس؛ لأن الرأس اسم للعضو بتمامه؛ فوجب مسحه بتمامه).
وقال بعض الشافعية: إنها للتبعيض فهو يفيد مسح بعض الرأس.
وقال آخرون: لا إجمال فيه؛ لأن لفظ المسح مستعمل في مسح الكل بالاتفاق، وفي مسح البعض كما يقال:(مسحت يدي بالمنديل، ومسحت يدي برأس اليتيم) وإن كان إنما مسحها ببعض الرأس، والأصل عدم الاشتراك، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين مسح الكل، ومسح البعض فقط، وذلك هو مماسة جزء من اليد جزءًا من الرأس.
فثبت أن اللفظ ما دل إلا عليه، فكان الآتي به عاملاً باللفظ؛ وحينئذ لا يتحقق الإجمال، ويكفي في العمل به مسح أقل جزء من الرأس. وهو قول الشافعي رضي الله عنه.
المسألة الثانية
قال الرازي: (قال بعض الحنفية: {وامسحوا برءوسكم} مجمل؛ لاحتماله البعض والكل).
قلنا: لفظ (الرأس) اسم للجميع وهو ظاهر فيه، و (الباء) للإلصاق، ومع الظهور لا إجمال؛ لأن الإجمال إنما يكون مع الاحتمالات المستوية.
قوله: (وقال بعضهم: إنها للتبعيض):
قلنا: قد تقدم في باب الحروف إبطال هذا، وأن (مسح) له مفعولان، وتمام التقرير هنالك.
قوله: لفظ المسح يستعمل في البعض، كما يقال: مسحت برأس اليتيم، وإنما كان المسح ببعضها.
قلنا: (مسحت برأس اليتيم)(الباء) للآلة، أي: جعلت رأس اليتيم آلة للمسح، ومسحت برأس اليتيم بيدي، أي: يدي هي آلة المسح عن رأسه، وجميع الرأس هو الآلة، فلا بعض حينئذ حتى يدل الدليل على أنه استعمل لفظ الرأس في بعضها، فيعتقد حينئذ؛ المجاز، وأما مجرد اللفظ، فاللفظ ظاهر في الكل، ليس إلا، وعلى هذا لا يكون اللفظ حقيقة في المشترك، بل في جميع الرأس.
وفرق بين قوله: (امسحوا) وبين قوله: (امسحوا برءوسكم)، فالأول لا يقتضي إلا مطلق المسح؛ لأن الفعل في سياق الثبوت لا يدل إلا عليه، والثاني يقتضي تعميم الرأس، كما لو قال:(صوموا) اكتفينا بيوم، وصوموا رمضان، لابد من جملته، ففرق بين الاقتصار على أصل الفعل، وبين إضافته لمحل مخصوص، وإنما يتم مقصود الشافعي أن لو كان لفظ الآية من القسم الأول.
*
…
*
…
*
المسألة الثالثة
قال الرازي: اختلفوا في حرف النفي، إذا دخل على الفعل؛ كقوله:(لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) و (لا عمل لمن لا نية له).
فقال أبو عبد الله البصري: إنه مجملٌ؛ لأن ذات الصلاة والعمل موجودة؛ فلا يمكن صرف النفي إليها؛ فوجب صوفه إلى حكم آخر، وليس البعض أولى من البعض.
فإما أن يحمل على الكل، وهو إضمار من غير ضرورة؛ ولأنه قد يفضي إلى التناقض؛ لأنا لو حملناه على نفي الصحة، ونفي الكمال معًا، وفي نفي الكمال ثبوت الصحة، فيلزم التناقض.
أو لا يحمل على شيء من الأحكام، بل يتوقف، وهذا هو الإجمال.
ومن الناس من فصل؛ وقال: هذا النفي إما أن يكون داخلاً على مسمى شرعي، أو على مسمى حقيقي، فإن كان الأول، فلا إجمال؛ لأن الصلاة اسم شرعي، والشرع أخبر عن انتفاء الوصف المخصوص.
فإن قلت: يقال: هذه الصلاة فاسدة؛ فدل على بقاء المسمى مع الفساد، وقال صلى الله عليه وسلم:(دعِى الصلاة أيام أقرائك).
قلت: التوفيق بين الدليلين أن نصرف ذلك إلى المسمى الشرعي، وهذا إلى المسمى اللغوي.
ومن هذا الباب، قوله:(لا نكاح إلا بولي) و (لا صيام لمن لم يبيت الصيام
من الليل) أما إن كان المسمى حقيقيًا، فإما أن يكون له حكم واحد، أو أكثر من حكم واحد،
والأول: كقولنا: لا شهادة لمجلود في قذف؛ لأنه لا يمكن صرف النفي إلى ذات الشهادة؛ لأنها قد وجدت، فلابد من صرف النفي إلى حكمها، وليس لها إلا حكم واحد، وهو الجواز؛ لأن الشهادة، إذا كانت فيما كانت، ندبنا إلى ستره، لم يكن لإقامتها مدخل في الفضيلة؛ كقولنا: لا إقرار لمن أقر بالزنا مرة واحدة؛ لأن الأولى له أن يستر ذلك على نفسه؛ فإذن لا حكم له إلا الجواز، وإذا لم يكن له إلا هذا الحكم الواحد انصرف النفي فصح التعلق به.
أما إذا كان له حكمان: الفضيلة، والجواز، فلم يكن صرفه إلى أحدهما أولى من الآخر، فيتعين الإجمال، هذا قول الأكثرين.
ولقائل أن يقول: لكن صرفه إلى الجواز أولى من صرفه إلى الفضيلة؛ لوجوه:
أحدها: أن المدلول عليه باللفظ نفي الذات، والدال على نفي الذات دال على نفي جميع الصفات؛ لاستحالة بقاء الصفة مع عدم الذات.
فإذن قوله: (لا عمل) يدل على نفي الذات، وعلى نفي الصحة، ونفي الكمال، ترك العمل به في الذات؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في الباقي.
فإن قلت: اللفظ لم يدل على نفي الصحة بالمطابقة، وإنما دل عليها بالالتزام؛ ضرورة أنه يلزم من انتفاء الذات انتفاء الصفة؛ ودلالة الالتزام تابعة لدلالة المطابقة التي هي الأصل.
فهاهنا، لما لم توجد دلالة المطابقة التي هي الأصل، فكيف تبقى دلالة الالتزام التي هي الفرع؟
وأيضًا: فقد جاء هذا اللفظ لنفي الفضليلة فقط؛ والأصل في الكلام الحقيقة.
والجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن دلالة هذا اللفظ على نفي الصفة، تابعة لدلالته على نفي الذات، لكن بعد استقرار تلك الدلالة، صار اللفظ كالعام بالنسبة إليها بأسرها، فإذا خص عنها، في بعض الأمور، وهو الذات، وجب أن يبقى معمولاً به في الباقي.
وعن الثاني: أنا بينا: أن اللفظ عام بالنسبة إلى نفي الذات، ونفي الصفات ثم تارة يختص بالنسبة إلى الذات فقط، وحينئذ يفيد نفي بقية الأحكام، وتارة يختص بالنسبة إلى الذات، والصحة، فيبقى معمولاً به في الباقي وهو نفي الفضيلة.
وثانيها: هو أن المشابهة بين المعدوم، وبين ما لا يصح، أتم من المشابهة بين المعدوم، وبين ما يوجد ويصح، ولا يفضل، والمشابهة إحدى أسباب المجاز، فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى.
وثالثها: أن الخلل الحاصل في الذات عند عدم الصحة أشد من الخلل الحاصل فيها عند بقاء الصحة، وعدم الفضيلة، وإطلاق اسم العدم على المختل أولى من إطلاقه على غير المختل.
سلمنا أنه لا يجوز حمل هذا النفي على هذه الأحكام، ولا يجوز حمله على نفي الذات، فلم قلت: إنه مجمل؟
بيانه: أن قولنا: هذا الشيء لفلان معناه: يعود نفعه إليه، وقولنا:(لا عمل لمن لا نية له) معناه لا يعود نفعه إليه، وهذا يقتضي نفي الصحة؛ لأنه لو صح ذلك العمل لعاد، نفعه إليه، واللفظ دل على نقيضه، والله أعلم.
* * *
المسألة الثالثة
حرف النفي إذا دخل على الفعل
قال القرافي: قوله: (ذات الصلاة موجودة لا يمكن صرف النفي إليها):
قلنا: لا نسلم؛ لأن المنفى هو الصلاة الشرعية، وهي غير موجودة.
قوله: (في نفي الكمال ثبوت الصحة):
قلنا: لا نسلم؛ بل نفي الكمال بمقتضى اللفظ أعم قد ينتفي لانتفاء أصل الصلاة، وقد ينتفي لوقوعها فاسدة أو غير كاملة، إن كانت صحيحة، غير أن المفهوم لا المنطوق في قولنا:(صلاة غير كاملة): أن الإجزاء حاصل، أما المنطوق فلا، كما إذا قلنا:(ليس في الدار رجل طويل) لنفيه طريقان:
ألا يكون في الدار رجل، أو فيها، لكنه رجل غير طويل.
وإذا كان نفي الكمال أعم، فلا تناقض حينئذ في نفيهما.
قوله: (إن كان المسمى شرعيًا، انتفى كالصلاة):
تقريره: أن مفهوم الصلاة استفيد من الشرع وضعه، فهو مسمى شرعي، بخلاف قوله عليه السلام:(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)؛ فإن الخطأ لم يحدد فيه الشرع وضعًا؛ بل حقيقة الخطأ والنسيان واقعتان، وسلب التأثيم عنهما، وهما لغويان واقعان في الوجود مستحيل رفعهما، وأما الصلاة الشرعية لم تقع ألبتة، فأمكن الإخبار عنها بالنفي، ويكون صادقًا.
قوله: (يصرف قولنا: (هذه صلاة فاسدة) إلى المسمى اللغوي، وكذلك (دعِىَ الصلاة أيام أقرائك):
قلنا: أما الثاني، فلا يتعين ذلك له، بل أمرت بأن تترك المسمى الشرعي أيام أقرائها، وما أمرت بترك الدعاء أيام الحيض، فلا يتجه المثال الثاني، وأما (هذه صلاة فاسدة)، فتقريره: أن المسمى اللغوي فسد، لا بمعنى أن الدعاء فسد بما هو دعاء؛ إنما معناه فسد أن يصير صلاة شرعية، وهذا غاية ما يمكن تقريره به، وعليه سؤالان:
أحدهما: أن عدم انتقال الحقيقة إلى حقيقة أخرى لا يقتضي القضاء على غير المنتقل بأنه فاسد في الاصطلاح، ونحن إنما أطلقنا الفساد؛ باعتبار الاصطلاح.
وثانيهما: أن الصلاة قد تفسد؛ لعدم القراءة فيها؛ فلا يكون فيها دعاء ألبتة؛ فلا يكون المسمى اللغوي موجودًا؛ حتى يقضى عليه بالفساد.
قوله: (نفي شهادة القاذف له حكم واحد):
يريد أن القاذف إذا شهد في الزنا مع امرأته امرأتان لا يشهد هو ولا غيره في الزنا، فلا تتجه الفضيلة والجواز، بل لم يخبر الشرع حينئذ إلا عن نفي الجواز، وكذلك أمر الإنسان بالستر على نفسه في الزنا ونحوه؛ لقوله عليه السلام:(من بلى بشيء من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبدي لنا صفحة وجهه، نقم عليه حد الله).
قوله: (بعد استقرار تلك الدلالة، صار اللفظ كالعام بالنسبة لنفي الذات والصفات):
قلنا: إن أردتم باستقرارها اعتقاد نفي الذات وصفاتها، فممنوع؛ لأنا لا نعتقد نفي الذات ألبتة، ويلزم من اعتقادنا نفي الذات: ألا نعتقد نفي الصفات؛ لانتفاء الوجوب من ذهننا.
وإن أردتم باستقرار الدلالة: أن عند سماع اللفظ يحصل إفهام نفي الذات، ونفي الصفات؛ فإنه لا يلزم من عدم اعتقاد المفهوم انتفاء الفهم، كما أن اللفظ العام إذا خص لانتفاء دلالته على جميع الأفراد بمعنى إشعاره بها - وإن انتفى اعتقاد العموم - فكذلك لفظ الحقيقة، إذا دل الدليل على أنه أريد به المجاز، لا يبطل إشعاره بالحقيقة.
ونقول: اللفظ يدل على العموم والحقيقة، وإنما منعنا من حمله عليه وجود المعارض، ويحكم بوقوع التعارض، والتعارض فرع تحقيق المتعارضين؛ فعلمنا حينئذ أن الدلالة في العموم وغيره باقية بعد اعتقاد أن المفهوم غير مراد، كذلك هاهنا استقرار الدلالة معناه استقرار الإشعار الذهني، وقد تقدم في باب الدلالة أن معناها الشعور، أو الإشعار، أو كون اللفظ بحيث إذا أطلق؛ أشعر، وبهذا التقدير؛ إذا كان هو المراد تستقيم دعوى استقرار الدلالة بالتفسير الأول، والسائل إنما أورد عليه السؤال في الكتاب من القسم الأول.