الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني- من القراءة الصحيحة:
ما وافق العربية، وصح سنده، وخالف الرسم، كما ورد في الصحيح من زيادة ونقص، وإبدال كلمة بأخرى، ونحو ذلك مما جاء عن ابن مسعود وغيره، فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة، لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحا، وقد تقدم الكلام فيها.
وأما ما وافق المعنى والرسم، أو أحدهما، من غير نقل، فلا يسمى شاذا، بل مكذوب يكفر معتمده. انتهى.
وقد أجمع الأصوليون، والفقهاء، وغيرهم، على أن الشاذ ليس بقرآن، لعدم صدق حد القرآن عليه، وهو التواتر، صرح بذلك الغزالي، وابن الحاجب، والقاضي عضد الدين، .....
والنووي، والسخاوي في "جمال القراء"، وأجمعوا على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على العشرة.
ونقل البغوي في تفسيره: الاتفاق على جواز القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبعة المشهورة، ولم يذكر خلفا/ لأن قراءته لا تخالف في حرف، فقراءته مندرجة معهم.
وكذا قال الإمام السبكي في شرح منهاج النووي في صفة الصلاة. بل قال في النشر: تتبعت اختيار خلف، فلم أره يخرج عن قراءة الكوفيين في حرف واحد، بل ولا عن حمزة والكسائي وأبي بكر إلا في حرف واحد، وهو قوله تعالى: في (الأنبياء): {وحرم على قرية} [الأنبياء: 95] قرأها كفحص والجماعة بألف، وروى عنه القلانسي في إرشاده: السكت بين السورتين، فخالف [الكوفيين].
هذه المخالفة في الجملة، وإلا فقد قال به حمزة في الأربع
الزهر في وجه، والله أعلم.
وأما قول شيخ الإسلام أبي زكريا النووي في التبيان: ولا تجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، فقال ابن الجزري في المنجد: قد أباه الأئمة المحققون، والفقهاء المدققون، إذ مواد صحة القراءة عندهم الأركان الثلاثة المتقدمة، فهو الحق الذي لا محيد عنه، والحق أحق أن يتبع. انتهى.
وقال الإمام أثير الدين أبو حيان: لا نعلم أحدا من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة عن السبع، وهي: قراءة يعقوب، واختيار خلف،
وقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع.
فأما قراءة يعقوب فإنه قرأ بها على سلام الطويل، وقرأ سلام على أبي عمرو بن العلاء، فسلام كواحد ممن قرأ على أبي عمرو، كأبي محمد اليزيدي وغيره، وقرأ سلام، أيضا، على عاصم بن أبي النجود، فسلام كواحد ممن قرأ على عاصم، كأبي بكر بن عياش وغيره.
وأما [اختيار] خلف، فهو وإن خالف حمزة فقد وافق واحدا من الستة القراء.
وأما أبو جعفر فروى عنه قراءته أحد الأئمة السبعة، وهو نافع، وقرأ بها القرآن، ورواها جماعة، منهم قالون، وقدم أروع المسلمين عبد الله بن عمر أبا جعفر يؤم الناس بالكعبة فصلى وراءه عبد الله بن عمر. انتهى.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي في بعض فتاويه: القراءات السبع [التي] اقتصر عليها الشاطبي، و [الثلاث] التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف- متواترة، [معلومة] من الدين بالضرورة،
[وكل حرف انفرد به واحد من العشرة متواتر معلوم من الدين بالضرورة] وأنه منزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء من ذلك مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميا، جلفا، لا يحفظ من القرآن حرفا.
قال: ولهذا تقرير طويل، / وبرهان عريض، لا تسعه هذه الورقة، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى، ويجزم يقينه بأن ما ذكرنا متواتر، معلوم باليقين، لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه. انتهى.
وقال ابن العربي: ليست هذه السبعة [متعينة] للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وغيره ممن هو مثلهم أو فوقهم. انتهى.
ومن له اطلاع على هذا الشأن يعرف أن الذين قرءوا هذه القراءات العشر وأخذوها عن الأمم المتقدمين كانوا أمما لا تحصى، وطرائق لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم، أيضا، وأكثر، وهلم جرا إلى زمننا هذا.
فقد علم مما ذكر أن السبع متواترة اتفاقا، وكذا الثلاثة: أبو جعفر، ويعقوب، خلف، وأن الأربعة بعدها شاذة اتفاقا، لكن خالف صاحب "البدائع" من متأخري الحنفية- فيما نقله العلامة الكمال ابن أبي شريف، فاختار أن السبع مشهورة.
وأقول: لعله أراد بالمشهور المتواتر، لا المشهور الاصطلاحي، فحينئذ لا يخالف ما اتفق عليه العلماء.
ونقل السروجي في باب الصوم من كتاب (الغاية شرح الهداية) عن المعتزلة: أنها آحاد، وعن جميع أهل السنة: أنها متواترة.
وقال الشيخ علي القاري الحنفي في شرح الشاطبية: وأما ما فوق السبعة من العشر- وهي الثلاثة- فعامة علماء الحنفية، وجمهور الفقهاء، والشافعية على أنها شاذة، وهو المروي عن الرافعي، والنووي، خلافا لبعض المتأخرين منهم كابن الجزري، والسبكي.
وأما ما فوق العشر، فاتفقوا على أنها شاذة، تحرم قراءة، وتجوز رواية.
وأقول: الحق أن الثلاثة متواترة كالسبعة، إذ قد ثبت عن أهل العلم بالقراءة- الثقاة- أنها لا تخالف السبعة إلا في مواضع معلومة، فكأنها السبعة بعينها، والله أعلم.
فإن قلت: الأسانيد إلى الأئمة السبعة، وأسانيدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما في كتب القراءات- آحاد لا تبلغ عدد التواتر، فمن أين جاء التواتر؟ أجيب: بأن انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، وإنما نسبت القراءات إلى الأئمة ومن ذكر في أسانيدهم، والأسانيد إليهم، لتصديهم لضبط الحروف، وحفظ شيوخهم فيما ومع كل منهم في طبقته ما يبلغها عدد التواتر، لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد- بقراءة إمامهم- الجم الغفير عن مثلهم، وكذلك دائما، مع تلقي الأمة لقراءة كل منهم بالقبول. انتهى.
قال السخاوي: ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذ أسندت من طريق الآحاد، كما لو قلت: أخبرني فلان، عن فلان، أنه رأى مدينة سمرقند، وقد علم وجودها بطريق التواتر، فلم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها، فقراءة السبع كلها متواترة.
وقد اتفق على أن المكتوب في المصاحف متواتر الكلمات والحروف، فإن نازع في تواتر السبع أحد قلنا له: ما تقول في قراءة ابن كثير- مثلا- في سورة (التوبة): {تجرى من تحتها الأنهار} [التوبة: 100] بزيادة "من"، وقراءة غيره بإسقاطها؟ فإن قال: متواترة، فهو الغرض، وإن منع تواتر ذلك، فقد خرق الإجماع المنعقد على ثبوتها، أو باهت فيما هو معلوم منهما، وإن قال بتواتر بعض دون بعض، تحكم فيما ليس له، لأن ثبوتها في الرتبة سواء، فلزم التواتر في قراءة السبعة. انتهى.
ثم إن التواتر المذكور شامل للأصول الفرش، هذا هو الذي عليه المحققون.
وأما قول ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، [وتخفيف الهمزة]، ونحوه، فإن غير/ متواتر. فيه على أصله، هل يقتصر فيه على قدر ألف ونصف؟ كما قدر به مد الكسائي، أو كما قدر مد ورش وحمزة.
وكل هذه الهيئات غير متواترة عند ابن الحاجب.
وقال ابن الجزري- متعقبا لابن الحاجب: أما المد فأطلقه، وهو لا يخلو: اما أن يكون طبيعيا أو عرضيا.
والطبيعي: هو الذي لا تقوم ذات حرف المد دونه، كالألف من "قال"، والواو من "يقول"، والياء من "قيل"، وهذا لا يقول أحد بعدم تواتره، إذ لا تمكن القراءة بدونه.
والمد العرضي: هو الذي يعرض زيادة على الطبيعي لموجب، إما سكون أو همزة.
فاما: السكون فقد يكون لازما، كما في فواتح السور، وقد يكون مشددا، نحو:{الم (1)} [البقرة: 1]، و {ن} [القلم: 1]، و {ولا الضالين} [الفاتحة: 7]، فلهذا يلحق بالطبيعي، فلا يجوز فيه القصر، لأن المد
قام مقام حرف توصلا للنطق بالساكن
وأما الهمز فعلى قسمين:
الأول: منفصل، واختلفوا في مده وقصره، وأكثرهم على المد عدم تواتر المد فيه ترجيحا من غير مرجح، ولو قيل بالعكس لكان أظهر شبهة، لأن أكثر القراء على المد.
الثاني: متصل وقد أجمع القراء على مده سلفا وخلفا، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما روي عن بعض من لا يعول عليه بطريق شاذ، حتى إن الإمام الهذلي الذي رحل إلى المشرق والمغرب، وأخذ القراءة عن ثلاثمائة شيخ وخمسة وستين شيخا. قال: دخلت من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا وشمالا، جبلا وبحرا- قال في كتابه "الكامل" الذي جمع فيه بين الصحيح، والشاذ، والمشهور، والمنكر- في باب المد: لم يختلف في هذا الفصل في مدود، وإذا كان كذلك
فكيف يجسر على ما أجمع عليه، فيقال فيه: إنه غير متواتر؟
فهذه أقسام المد العرضي، أيضا، متواترة، لا يشك في ذلك إلا من لا علم له بهذا الشأن.
ويرحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد روى عنه الهذلي: أنه سأل نافعا عن البسملة، فقال: السنة الجهر بها، فسلم إليه، وقال: كل علم يسأل عنه أهله.
فكيف يكون المد غير متواتر، وقد أجمع الناس عليه سلفا وخلفا.
ثم قال: فإن قلت: قد وجدنا للقراءة في بعض الكتب- كالتيسير- فيما مد للهمز مراتب إشباعا، وتوسطا، وفوقه، ودونه، وهذا لا ينضبط، إذ المد لا حد له، وما لا ينضبط كيف يكون متواترا؟
فالجواب: نحن لا ندعي أن مراتبهم متواترة، وإن كان قد ادعاه طائفة من القراء الأصوليين، بل نقول: إن المد العرضي من حيث هو متواتر، مقطوع به، قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم، فلا أقل من أن نقول: القدر المشترك متواتر، وأما ما زاد عن القدر المشترك لعاصم، وحمزة، وورش، فهو وإن لم يكن متواترا فصحيح مستفاض متلقى بالقبول، ومن ادعى تواتر الزائد
على القدر المشترك فليبين.
وأما الأصالة: فهي وضدها لغتان فاشيتان من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، مكتوبتان في المصاحف، متواترتان.
وهل يقول أحد في لغة أجمع الصحابة والمسلمون على كتابتها في المصاحف: إنها من قبيل الأداء؟
قال الهذلي في كامله: الإمالة والتفخيم لغتان، ليست أحدهما أقدم من الأخرى، بل نزل القرآن بهما جميعا .. إلى أن قال: / وبالجملة، فمن قال إن الله- تعالى- لم ينزل القرآن بالإمالة أخطأ، وأعظم الفرية على الله، وظن بالصحابة خلاف ما هم عليه من الورع والتقى. انتهى.
وهو يشير إلى كونهم كتبوا الإمالة في المصاحف- نحو: {يحي} [آل عمران: 39]، و {عيسى}
[البقرة: 120]، و {سعى} [البقرة: 114]، و {يغشى} [آل عمران: 154]، و {يغشها} [الشمس: 4]، و {سواها} [الشمس: 7]، و {جلها} [الشمس: 3]، و {ءاتكم} [المائدة: 20] بالياء- على لغة الإمالة، وكتبوا مواضع تشبه هذه على لغة الفتح، منها قوله- تعالى- في سورة [إبراهيم]:{ومن عصانى} [إبارهيم: 36] بالألف.
وفي "الكامل" للهذلي، أيضا: وروى صفوان بن عسال أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {ييحي خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] فقيل: يا رسول الله، تميل، وليس هي لغة قريش؟ قال:"هي لغة الأحوال- يعني بني سعد"
وقال عاصم: أقرأني أبو عبد الرحمن بن حبيب معلم الحسن والحسين: أقرأني علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه ورضي عنه: {رءا كوكبا} [الأنعام: 76] بالإمالة.
وقد اجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على الأخذ والقراءة والإقراء بالإمالة والتفخيم.
وأما تخفيف الهمز ونحوه، من الإدغام وترقيق [الراءات] فمتواتر قطعا، معلوم أنه منزل من الأحرف السبعة، ومن لغات العرب الذي لا يحسنون غيره، وكيف يكون [ذلك غير] متواتر؟ وقد أجمع القراء على الإدغام في/ نحو:{فلما أثقلت دعوا الله} [الأعراف: 189]، و {ما لك لا تأمنا} [يوسف: 11]. وعلى تخفيف الهمز في نحو: {ءالذكرين} [الأنعام: 143]، {ءالله} [يونس: 59]
في الاستفهام. وعلى النقل: {لكنا هو الله ربى} [الكهف: 38]. وعلى الترقيق في نحو: {فرعون} [البقرة: 49]، و {مرية} [هود: 17]. وعلى التفخيم في اللامات من اسم الجلالة بعد فتح أو ضم، فكيف يكون ما أجمع عليه القراء، أمما بعد أمم، غير متواتر، [وإذا كان المد وتخفيف الهمز والإدغام غير متواتر على الإطلاق، فما الذي يكون متواترا؟ أقصر {الم (1)} [البقرة: 1] و {دابة} [البقرة: 164] و {أولئك} [البقرة: 16][الذي] لم يقرأ
[به] أحد من الناس؟ أم [تخفيف] همز {ءالذكرين} [الأنعام: 143]،
{ءالله} [يونس: 59]؟ الذي أجمع الناس على أنه لا يجوز، وأنه [لحن. أم إظهار]
{مدكر} [القمر: 15] الذي أجمع الصحابة والمسلمون على كتابته وتلاوته بالإدغام؟ فليت شعري، من الذي تقدم هذا القائل بهذا القول فاقتفى أثره.
والتظاهر أنه لما سمع الناس يقولون: التواتر فيما ليس من قبيل الأداء، ظن أن المد، والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه، من قبيل الأداء، فقال ذلك، وإلا فلو فكر فيه لما أقدم [عليه]
ولو وقف على كلام 0 إمام] الأصوليين أبي بكر بن الطيب الباقلاني في الانتصار، حيث قال: جميع ما قرأ به قرأ الأمصار كما اشتهر عنهم، واستفاض نقله، ولم يدخل في حكم الشذوذ، من همز، وإدغام، ومد، وتشديد، وحذف، وإمالة،
أو ترك ذلك كله، أو شيئا منه، أو تقديم، أو تأخير، فإنه- كله- منزل من عند الله تعالى، ومما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم على صحته، وخير بينه وبين غيره، وصوب جميع القراءة به.
قال: ولو سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول- عليه الصلاة والسلام والصحابة، أو غير ذلك، لسوغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وليس ما مثل به ابن الحاجب من قبيل الأداء.
وإذا ثبت أن شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم كتقسيم وقف حمزة وهشام على الهمز، وانواع تسهيله، فإنه وإن تواتر بتخفيف الهمزة في الوقف عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها/ [و] لابعشرين، ولا بنحو ذلك، وإنما إن صح شيء منها فوجه، والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء، كالمد والإمالة، لما قال في جمع الجوامع: والسبع متواتر، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة ونحوه، وسئل عن زيادته على ابن الحاجب، قيل: المقتضية لاختيار إنما هو من قبيل الأداء، كالمد والإمالة. إلى آخره متواتر، فأجاب في كتابه منع الموانع: بأن السبع متواترة، والمد متواتر، والإمالة متواترة، وكل هذا بين لا شك فيه.