الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حتى إن بعض الخلق الذين قصرت أفكارهم ومعارفهم لما رأى ما فيها من الكبرياء ظنوها هي الصانع المقصود بالعبادة فعبدوها على وجه الغلط، فأمر الله - جل شأنه - عباده المؤمنين أن يقولوا: الله أكبر، أي: الله أعظم وأكبر من هذه الموجودات التي ترى عظيمه كبيرة، وأجل وأقوى فلا سوى عظمته وكبريائه شيء؛ بل هو أكبر وأجل من كل كبير، الله أعلم.
والكلام في التكبير في مباحث:
أولها في سببه ومحله:
أما سببه فروينا عن البزي، أن الأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع عنه الوحي، فقال المشركون: قلى محمدا ربه، فنزلت سورة {الضحى} فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر" تصديقا لما كان ينتظر من الوحي، وتكذيبا للكفار.
وأمره صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يكبر إذا بلغ {الضحى} مع خاتمة كل سورة حتى يختم تعظيما لله تعالى، واستصحابا للشكر، وتعظيما لختم القرآن.
وقيل: كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من صورة جبريل عليه السلام التي خلقه الله عليها عند نزوله بهذه السورة، فقد ذكر الإمام أبو بكر محمد بن
إسحاق عن هذه السورة أنها التي جاء بها جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطا وهو بالأبطح، وهذا قوى جدا، إذ التكبير إنما يكون غالبا لأمر عظيم أو مهول. رواه/ الحافظ أبو العلاء بإسناده إلى أحمد بن فرح عن البزي، وكذا رواه غيره، لكن قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: إنه لم يرد بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.
ومراده - كما "النشر"- كون هذا سبب التكبير، وإلا فانقطاع الوحى مده، أو إبطاؤه مشهور.
وروينا، أيضا، عن أحمد بن فرح قال: حدثني ابن أبي بزة بإسناده: ان النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه قطف عنب جاء قبل أوانه فأكل منه، فجاءه سائل فقال: أطعموني مما رزقكم الله، قال: فسلم إليه العنقود، فلقيه بعض الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد السائل الى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل فأعطاه إياه، فلقيه رجل أخر من الصحابة، فاشتراه منه، وأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد السائل فانتهره، فانقطع الوحى عن النبي صلى الله عليه وسلم اربعين صباحا، فقال المنافقون: قلى محمد ربه، فجاء جبريل فقال اقرأ يا محمد، فقال:"وما أقرأ؟ " قال: اقرأ: {والضحى} فلقنه السورة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبيا لما بلغ {والضحى} أن يكبر مع خاتمة كل سوره حتى يختم.
وهو حديث معضل غريب جدا بهذا السياق، وهو مما انفرد به ابن أبي بزة.
أقول: وترده الأحاديث الصحيحة التي وردت في سبب انقطاع الوحى ونزول سوره المدثر، وقد تقدمت في نوع فتره الوحي فلا يعول على هذا الحديث، والله أعلم.
وقد كان تكبيره صلى الله عليه وسلم آخر/ قراءة جبريل عليه السلام وأول قرأته صلى الله عليه وسلم ومن ثم تشعب الخلاف في محله، فمنهم من قال به من أول {ألم نشرح} ميلا إلى أنه لأول السورة، أو من آخر الضحى ميلا إلى أنه لآخر السورة.
وفى "التيسير" وفاقا لأبى الحسن بن غلبون كوالده أبي الطيب في "إرشاده"، وصاحب "العنوان"، و"الهداية"،
"والكافي" في أنه من آخر الضحى.
وفي "المستنير" من أول {ألم نشرح} ، وكذا في إرشاد أبي العز، وهو الذى في روضة أبي العلاء، وفي [التجريد] من قراءة مؤلفه علي عبد الباقي.
ومنهم من قال به من أول الضحى كأبي على البغدادي في روضته، وقرأ به صاحب التجريد على الفارسي والمالكي. وأما قول الشاطبي: وقال [به] البزي من آخر الضحى وبعض من آخر الليل وصلا
فتعقبه في "النشر": بأنه لم يرو أحد التكبير من آخر {واليل} كما ذكروه من آخر {والضحى} ، ومن ذكره كذلك فإنما أراد كونه أوله {والضحى} ، قال: ولا أعلم احدا صرح بهذا اللفظ إلا الهذلي في "كامله" تبعا للخزاعي في "المنتهى"، وإلا الشاطبي، ولما رأى بعض الشراح قوله هذا مشكلا قال: مراده بالآخر في الموضعين أول السورة أي: {ألم نشرح} ، وأول الضحى، وهذا فيه نظر، لأنه يكون بذلك مهملا رواية من رواه من آخر الضحى، وهو الذى في "التيسير"، والظاهر أنه سوى بين الأول والآخر في ذلك، وارتكب في ذلك المجاز، وأخذ باللازم في الجواز، وإلا فالقول بأنه من آخر {واليل} حقيقه لم يقل به أحد من الشراح، فعلم أن المقصود
بالذكر: آخر {واليل} هو أول الضحى، وهو الصواب بلا شك. أنتهى.
وروى أحمد البزي في عكرمة بن سليمان مولى [آل] شيبة أنه قال: قرأت على إسماعيل القسط فلما بلغت {والضحى} قال لي: كبر مع خاتمه كل سورة حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك، وأخبره/ أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك. رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ورواه ابن خزيمة لكنه قال: إني خائف أن يكون قد أسقط ابن [أبي] بزة أو عكرمة من هذا الإسناد
شبلا.
قال ابن الجزري: يعني بين إسماعيل وابن كثير، ولم يسقط واحدا منهما شبلا، فقد صحت قراءة إسماعيل على ابن كثير نفسه، وعلى شبل، ومعروف عن ابن كثير. انتهى.
وقال البزي: قال لي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: إن تركت التكبير فقد تركت سنة من سنن نبينا صلى الله عليه وسلم.
وهذا كما قال الحافظ العماد ابن كثير: يقتضي ترجيحه لهذا الحديث.
وأما انتهاء التكبير فجمهور المغاربة وغيرهم إلى انه ينتهي إلى آخر
سورة (الناس)، وجمهور المشارقة إلى أنه أول سورة (الناس) فلا يكبر آخرها؟ فمن قال: إنه لأولها لم يكبر لآخر الناس، سواء كان ابتداء التكبير عنده من ألم {ألم نشرح} أو من أول الضحى، ومن قال: الابتداء من آخر الضحى كبر في آخر الناس.
وأما قول الشاطبي - رحمه الله تعالى -:
إذا كبروا في آخر الناس. . . . . . . . . . . . . . . . . .
مع قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . [و] بعض [له] من آخر الليل على ما تقرر من أن المراد بآخر الليل أول الضحى، فقال في "النشر": يقتضي أن يكون ابتداء التكبير من أول الضحى، وانتهاؤه آخر الناس، وهو مشكل لما تأصل؛ بل هو ظاهر المخالفة لما رواه، فإن هذا الوجه - وهو التكبير من أول الضحى - هو من زيادته على "التيسير" وهو من "الروضة" أن البزي روى التكبير من أول سورة {والضحى} إلى خاتمة
(الناس)، و [تابعه] الزينبى عن قنبل، ولفظه: خالف في الابتداء فكبر من أول سورة {أم نشرح} ، ولم يختلفوا أنه منقطع مع خاتم، و (الناس) انتهى بحروفه.
فبهذا الذي أخذ الشاطبي في التكبير من روايته قطع بمنعه من آخر (الناس)، فتعين حمل كلام الشاطبي على تخصيص التكبير آخر (الناس) بمن قال به من آخر (الضحى) كما هو مذهب صاحب "التيسير" وغيره، ويكون معنى قوله: إذا كبروا في آخر (الناس) أي: إذا كبر من يقول بالتكبير في آخر (الناس) يعني الذي قالو به من آخر (الضحى). انتهى.
ويأتي على ما تقدم ز من كون التكبير لأول السورة أو آخرها حال وصل السورة بالسورة الأخرى ثمانية أوجه: اثنان منها على تقدير أن يكون التكبير لآخر السورة، واثنان على تقدير أن يكون لأولها، وثلاثة محتملة على التقديرين، والثامن ممتنع وفاقا، وهو: وصل التكبير بآخر السورة، وبالبسملة
مع القطع عليها؛ لأن البسملة لأول السورة فلا يجوز أن تجعل منفصلة منها متصلة بآخر السورة.
أما الوجهان المبينان على تقدير كون التكبير لآخر السورة فأولهما: وصل التكبير بآخر السورة والقطع عليه، ووصل البسملة بأول السورة، نص عليه/ في "التيسير" كاختيار طاهر بن غلبون، وهو اختياره في "جامع البيان" وهو ظاهر كلام الشاطبي.
وثانيهما: وصل التكبير بآخر السورة والقطع عليه والقطع على البسملة، نص عليه/ الجعبري كأبي عبد الله الفاسي.
وأما الوجهان المبنيان على تقدير كون التكبير لأول السورة، فأولهما: قطع التكبير من آخر السورة وصله بالبسملة ووصلهما بأول السورة، نص عليها ابن سوار في "المستنير" ولم يذكر غيره، واختاره أبو العز والهمداني وحكاه الداني وابن الفحام، ولم يذكر في الكفاية" غيره.
ثانيهما: قطعه عن آخر السورة ووصل البسملة مع القطع
عليهما والابتداء بالسورة، وهو ظاهر كلام الشاطبية، ونص عليه كالفاسي ومنعه الجعبري في شرحه.
قال ابن الجزري: ولا وجه لمنعه إلا على تقدير أن يكون التكبير لآخر السورة، وإلا فعلى أن يكون لأولها لا يظهر لمنعه وجه، إذ غايته أن يكون كالاستعاذة، ولا شك في جواز وصلها بالبسملة وقطع البسملة عن القراءة.
وأما الثلاثة المحتملة على التقديرين، فأولها: وصل التكبير بآخر السورة، وبالبسملة، وبأول السورة، واختاره في الشاطبية، ونص عليه في أصلها، وذكره في "المبهج" و "التجريد"
وثانيها: قطعه عن آخر السورة وعن البسملة مع وصل البسملة بأول السورة، ويخرج من "الشاطبية" كما نص عليه الجعبري كالفاسي، واختيار ظاهر ابن غلبون وأبي معشر.
وثالثها: القطع عن آخر السورة وعن البسملة، وقطع البسملة عن أول السورة، وهو ظاهر عن كلام الشاطبي، ونص عليه الجعبري كالفاسي، ومنعه
مكي، قال في "النشر": ولا وجه كلا التقديرين.
والمراد بالقطع والسكت هنا في هذه الأوجه المذكورة الوقف المعروف لا القطع الذي هو الإعراض، ولا السكت الذي هو دون التنفس، وهذا هو الصواب. وزعم الجعبري أن المقصود بالقطع في قولهم هو السكت المعروف، كما زعم ذلك في البسملة فقال في شرح الشاطبي: فإن شئت فاقطع دونه، أي فاسكت ولو قالها لأحسن، إذ القطع عام فيه وفي الوقف. انتهى.
قال: وهو شيء انفرد به، لم يوافقه أحد عليه، ولعله توهم ذلك من قول بعض أهل الأداء كمكي والداني، حيث عبر بالسكت عن الوقف [فحسب أنه] السكت المصطلح عليه، ولم ينظر آخر كلامهم ولا ما صرحوا به عقيب ذلك، وأيضا، فإن المتقدمين إذا أطلقوه لا يريدون به إلا الوقف، وإن أرادو به السكت المعروف قيدوه بما يصرف إليه.
وإن وقع آخر السورة ساكن أو منون كسر لالتقاء الساكنين على اصله نحو: {فارغب} [الشرح] الله أكبر، و {لخبير} [العاديات: 11] الله أكبر.