الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع السادس والستون
علم مخارج الحروف
النوع السادس والستون
علم مخارج الحروف
ولم يفرد هذا النوع الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى- في "الإتقان".
قال القسطلاني في "الطائف الإشارات في القراءات": المخارج: جمع مخرج، وهو موضع خروج الحرف، اسم للموضع.
ثم أن مخارج الحروف الأصول سبعه عشر مخرجا على الصحيح، وهو مذهب الخليل وغيره من المحققين، وهو الذي يظهر من حيث الاختبار، وتقريبا معرفته أن تسكن الحرف وتدخل عليه همزة الوصل، لتتوصل إلى النطق به فيستقر اللسان بذلك في [موضعه] فيتبين مخرجه.
وإذا حكيت اللفظ به، فإن كان ساكنا حكيته كما تقدم، وإن كان متحركا حكيته بهاء السكت، لقول الخليل - وقد سأل أصحابه -: كيف تلفظون باليم من جعفر؟ فقالوا: جيم، فقال: إنما لفظتم بالاسم لا
المسمى، لكن قولوا: جه.
وقال سيبويه وأتباعه- كالشاطبي-: ستة عشر، فأسقطوا الحروف الجوفية، وجعلوا مخرج الألف من أقصى الحلق، والواو والياء من مخرج المتحركة.
وقال الفراء وأتباعه: أربعة عشر، فأسقطوا مخرج النون، واللام، والراء، وجعلوها من مخرج واحد.
والصواب المختار هو الأول، وهذه المخارج على سبيل التقريب، وإلا فلكل حرف مخرج/.
ولما كان مادة الصوت الهواء الخارج من داخل، كان أول المخارج الجوف، ثم آخره الحلق، وآخره أول اللسان، ثم آخره الشفتان، فانحصرت هذه المخارج في الجوف، والحلق، واللسان، والشفة.
الأول: الجوف، وهو لثلاثة أحرف، الألف، والواو والياء الساكنين المجانس حركة ما قبل كل له، وهي حروف المد واللين، وتسمى الهوائية؛ لأنه لا حيز لها فهي بالصوت أشبه بجامع عدم الحيز، وكل حرف مساو لمخرجه إلا حروف المد فإنها دونه، ومن ثم قبلت الزيادة، وتسمى
الجوفية. قال الخليل: وإنما نسبن إلى الجوف لأنه آخر انقطاع مخرجهن.
وقول مكي: أن بعضهم زاد الهمزة لأن مخرجها من/ الصدر، وهو متصل بالجوف. تعقبه ابن الجزري فقال: والصواب اختصاصهن بالجوف دون الهمز؛ لأنهن أصوات لا يعتمدن علي مكان حتى يتصلن بالهواء، بخلاف الهمزة. انتهي.
الثاني: الحلق، وفيه ثلاثة مخارج لستة أحرف، أولها أقصى الحلق، وهو آخر طابقتيه مما يلي الصدر، وهو الهمزة ثم الهاء، وقيل: على مرتبة واحدة، وعند سيبويه بعد الهمزة مخرج الهاء والألف، وليس واحد أسبق من الآخر.
وذهب أبو العباس وغيره إلى أن الهمزة أولا، وهي من أول الصدر وآخر الحلق، وهي أبعد الحروف مخرجا، ثم الألف تليها، وهي صوت لا يعتمد اللسان فيها على شيء من أجزاء الفم، ثم الهاء بعد الألف، وهي آخر المخرج الأول.
وذهب بعضهم إلى أن الهاء قبل الهمزة في الرتبة، وأنها أدخل إلى الصدر.
والتحقيق ما ذكره الخليل.
قال الجعبري: ومعني جعل الألف من مخرج الهمز أن
مبتدأه مبدأ الحلق، ثم يمتد ويمر على الكل، ومن ثم نسب إلى كل مخرج، وخصه دون أختيه للزومه، وهذا معنى قول مكي: لكن الألف حرف يهوي في الفم حتى ينقطع مخرجه في الحلق. وقول الداني: لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم، وعلى هذا يحمل، وجعل الشاطبي وغيره الألف، حلقيا.
والهمزة انفردت العرب باستعمالها متوسطة ومتطرفة، ولم يستعملها العجم إلا في أول الكلام.
ثانيها: وسط الحلق، وهو للعين ثم الحاء المهملتين، والذي يظهر من كلام سيبويه: أن الحاء بعد العين في الرتبة، وإن كانا من مخرج واحد. وهو نص كلام محمد بن أبي طالب القيرواني.
وقيل: أن الحاء قبل، وهو نص شريح. قال أبو حيان في "شرح
التسهيل": وهذا هو الأظهر، والحاء مما انفردت بها العرب في كلامها، ولا يوجد في كلام غيرها. والعين مما انفردت بكثرة استعمالها، فإنها قليلة في كلام بعض الأمم، ومفقودة في كلام كثير منهم.
ثالثها: أدنى الحلق - يعني أقربه - إلى الفم، وهو للغين ثم الخاء المعجمتين، وهذا هو الظاهر من كلام سيبويه، ونص على تقديم الخاء أبو محمد القيرواني، والأظهر الأول.
الثالث: اللسان، وفيه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا من أربعة مواضع، أقصى، ووسط، وحافة، وطرف.
أولها: أقصى اللسان: وهو آخره مما يلي الحلق، وما فوقه من الحنك، وهو للقاف.
ثانيها: أقصاه من أسفل مخرج القاف قليلا، وما يليه من الحنك، وهو للكاف، ونسبهما الخليل إلى اللهاة: وهى اللحمة المشرفة على الحلق، أو ما بين الفم والحلق، وتجمع على لهي، كصرد، أو على لهوات، كجفنات.
ثالثها: وسطه، بينه وربين الحنك الأعلى، وهو للجيم، فالشين المعجمة،
فالياء المتحركة لا المدية، خلافا للشاطبي كسيبويه، لكن قال الجعبري: إطلاقه الياء والواو وفاقا للأكثر ينزل على غير المدية، وقيل: أن الشين تلي الكاف، والجيم والياء يليان الشين، قال أبو حيان في شرح التسهيل: وهذه الحروف سوى الياء عند الخليل شجرية، وشجر الحنك: ما يقابل طرف اللسان، وقال الخليل: الشجر: مفرج الفم، أي: منفتحه، وقال غيره: هو مجتمع اللحيين عند العنفقة.
رابعها: أول حافته، وما يليه من الأضراس من الجانب الأيسر، وهو للضاد المعجمة، وهو منها صعب، وقيل: تخرج من الأيمن، وهو أصعب، وقل من يخرجه/ منها، ويعز خروجها من الجانبين، كما أشار إليه الشاطبي بقوله:
إلى ما يلي الأضراس وهو لديهما
…
يعز وباليمنى يكون مقللا
وهذه العبارة أوضح وأسهل من عبارة ابن مالك في حوز المعاني، حيث قال:
فأقصاها لضاد توصلا
…
إلى ما يلي الأضراس
فلم يفصل كالشاطبي.
ومثله قوله في "التسهيل": وأول حافة اللسان، وما يليه من الأضراس للضاد. انتهي.
وقد ورد أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كان يخرجها منهما. قال أبو حيان: والضاد من أصعب الحروف التي انفردت العرب بكثرة استعماله، وهي قليلة في لغة بعض العجم، ومفقودة في لغة الكثير منهم. انتهي.
وقال بعضهم: ولصعوبته وشدته خصه- عليه الصلاة والسلام من بين الحروف بقوله: "أنا أفصح من نطق بالضاد". انتهى. فلا ريب أنه صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بها، إلا أن الحديث كما قال ابن كثير الحافظ: لا أصل
له. ونقله الحكري في النجوم من غير عزو ساكتا عليه. ونقل ابن الجزري - كغيره - عن الخليل: أن الضاد شجرية كالثلاثة قبلها، ورد بما تقدم من تعريف الشجر.
خامسها: رأس حافة اللسان إلى منتهى طرفه، وما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى مما فوق الضحاك، والناب، والرباعية والثنية، وهو [للام].
الثنية: مقدم الأسنان، والضاحك: كل بممرين تبدو من مقدم الأضراس عن الضحك. وحكى أبو حيان، عن شيخه أبي علي بن أبي الأحوص أنه قال: يتأتى إخراجها من كلتي حافتي اللسان، اليمني واليسرى، إلا أن إخراجها من حافته اليمنى أمكن، بخلاف الضاد فإنها من اليسرى أمكن.
سادسها: رأسه، بينه وبين ما فويق الثنايا. متصلا بالخيشوم، أسفل اللام قليلا، وهو للنون متحركة، وساكنة مظهرة.
قال الجعبري: وهو/ يشمل التنوين، ونص مكي عليه للبيان، والمراد بقولهم: الثنايا: الثنيتين، فجمع على حد {قلوبكما} [التحريم: 4] لعدم اللبس.
سابعها: رأسه مما بينه ما فوق الثنايا العليا، وهو للراء، وهو مخرج النون لكنها أدخل في ظهر اللسان قليلا، وهذا مذهب سيبويه مع كثير من حذاق العلماء. قال الفراء وقطرب وغيرهما: اللام، والنون، والراء، من رأس اللسان ومحاذيه.
والتحقيق ما ذهاب إليه سيبويه وأتباعه؛ لأن ظهر اللسان غير طرفيه، والحافة غيرهما، وتسمى الثلاثة دلقية - بفتح اللام وسكونها -، والذلوقية، سماهن الخليل بذلك؛ لأنهن نسبن إلى الموضع الذي منه مخرجهن، وهو طرف اللسان، وطرف كل شيء ذلقه.
ثامنها: طرفاه، وأصول الثنايا العليا مصعد إلى جهة الحنك، وهو للطاء والدال المهملتين، والتاء المثناة الفوقية، وتسمى نطعية، لأنهن يخرجن من نطع الغار الأعلى، وهو من الفم، وهو سقفه، فنسبن إليه.
تاسعها: طرفه فويق الثنايا السفلى، للصاد، والسين، والزاي. وقال في "التجريد" وصاحب "نهاية الإتقان": من الفرجة التي بين طرفي اللسان، والثنايا السفلى. وقال أبو حيان: وهو بمعنى الأول، وتسمى أسلية، نسبت إلى الموضع الذي تخرجن منه، وهو أسلة اللسان، وهي طرفه.
عاشرها: طرفه، وأطراف الثنايا العليا، وهى/ الظاء والذال المعجمتان والثاء المثلثة، ويسميها الخليل [لثوية]، لأنها من اللثة: وهي
اللحم المركب في الأسنان. قال أبو حيان: والظاهر أنها مما انفردت به العرب، واختصت به دون العجم، فالذال ليست في الفارسية، والثاء ليست في الرومية والفارسية انتهي.
الرابع: الشفتان، وفيهما مخرجان لأربعة أحرف:
أولهما: باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، وهو للفاء. قال أبو حيان: وليست في لسان الترك، ولذلك يقولون في فقيه: بقيه - بالباء المشربة - القوية.
ثانيهما: ما بين الشفتين، وهو للواء - غير المدية- والباء الموحدة والميم، لكنهما ينطبقان على الباء والميم، وينفتحان في الواو. قال الجعبري: والتحقيق تأخير الواو عن أختيها، وفاقا لمكي وسيبويه، لأن الشفتين لا ينطبقان مع الواو، وينطبقان مع الباء أقوى من الميم، وتسمى هذه: الشفهية والشفوية، نسبة للشفتين، موضع خروجهن.
المخرج السابع عشر: الخيشوم، وهو لصفة، وهي الغنة، وتكون في النون ولو تنوينا، كما صرح به الشاطبي في قوله: وغنة تنوين ونون، والميم الساكنة حالة الإخفاء، أو ما في حكمه من الإدغام بالغنة، فإن
مخرج هذين الحرفين يتحول من مخرجه في هذه الحالة عن مخرجهما الأصلي، على القول الصحيح، كما يتحول مخرج حرفي المد الياء والواو من مخرجهما إلى الجوف على الصواب. قال أبو حيان في "شرح التسهيل": قول سيبويه: ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة، [يريد النون المخفاة التي لم تبق منها إلا الغنة، فكأنه قال: مخرج الغنة. وإلا فالنون الخفيفة] في نحو: "يضربن"[النور: 31] مخرجها من مخرج المتحركة.
وقول مكي: الغنة نون ساكنة. أي: تابعة للنون الساكنة، قال: وهي حرف شديد، فقال الجعبري: جعلها إياها حرفا غير [سديد]، وإن أراد أنها ذات محل مغاير فلا يلزم منه حرفيتها، قال: والغنة - صفة النون ولو تنوينا - والميم تحركتا أو سكنتا، ظاهرتين أو مخففتين، أو مدغمتين، لا تختفي بمخرج، بل كل راجع إلى مخرجه، قال: وهذا معنى قول الداني، وأما الميم والنون فيتجافي بهما اللسان إلى موضع الغنة من غير قيد، وبرهانه في سد الأنف، وهي في الساكن أكمل من المتحرك، وفي المخفي أزيد من المظهر، وفي المدغم أوفي من المخفي. انتهى.
وزاد في "المنة في تحقيق الغنة": وذلك محسوس في الأحوال الأربعة: الإخفاء، والإدغام، والحركة، والسكون، ولا ينازع في هذه إلا مكابر في الحسيات، وعلى هذا فالغنة من الصفات، فاللائق ذكرها فيها، ويذكر عوضها مخرج النون المخفاة، كما قال مكي: النون الخفيفة مخرجها من الخيشوم، وهو فوق غار الحلق الأعلى، ومراده- كما تقدم - المخفاة، وتجوز عنه بالخفيفة. انتهى.
لكن قول الجعبري: أن الغنة صفة للثلاثة، ولا تختص بمخرج، بل كل راجع إلى مخرجه. تعقب: بأن الحس يشهد بخلافه في الحركة والسكون؛ لأنك إذا نطقت بحرف منها لزم مخرجه، متحركا كان أو ساكنا، بخلاف المخفي والمدغم، فإنهما يتحولان مع ذلك إلى الخيشوم، وهو المختار عند الحذاق من أهل الأداء والنقلة.
ووقع للحكري في النجوم/ الزاهرة أن ذكر في الشفتين ثلاثة مخارج، ثانيها: الواو بلا انطباق، ثالثها: باء فميم من بينهما بانطباق [ففرق] بالانطباق والانفتاح، وأسقط مخرج الغنة [من المخارج، وذكرها في الصفات]