الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الخامس والستون
علم حقيقة الحروف القرآنية وأعدادها
النوع الخامس والستون
علم حقيقة الحروف القرآنية وأعدادها
ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي رحمه الله في "الإتقان".
قال القسطلاني في "الطائف الإشارات في القراءات": الحروف جمع حرف، وهو صوت معتمد على مقطع محقق أو مقدر.
والصوت: هو الحاصل من دفع الرئة الهواء المحتبس بالقوة الدافعة، فيتموج، فيصدم الهواء الساكن، فيحدث الصوت من قرع الهواء بالهواء المندفع من الرئة.
والذي عليه أهل الحق أن الصوت يحدث بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير لتموج الهواء والقرع كسائر الحوادث، ويختص الحرف بالإنسان وضعا.
والحروف الأصول تسمى حروف الهجاء والتهجي، وسماها سيبويه،
والخليل، حرف العربية، أي: حروف اللغة العربية، وهي التي تركب منها الكلام العربي، وتسمى حروف المعجم لأنها مقطعة لا تفهم إلا بإضافة بعضها إلى بعض، أو لأنها ينقط منها ما ينقط، يقال: أعجمت الحروف، ومعناها حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع، ومنهم من يجعل المعجم مصدرا بمعنى الإعجام، وهو من أعجم الشيء إذا بينه، فكأنها مبينه للكلام، والهمزة في أعجمت على هذا المعنى للإزالة، أي: أزلت عجمته إما بنقطه أو شكله؛ لأنها ما لم تنقط أو [تشكل] كأنها غفل لا يتضح معناها إلا بفكر، وتدبر، وتأمل، فإنه كثيرا ما يلتبس بينها ما كان متماثل الصورة ولا يتميز بعضه إلا بالنقط أو بالشكل، وتسمى هذه الحروف، أيضا، لحروف أبى جاد، وهى تسعة وعشرون حرفا باتفاق البصريين إلا المبرد، فإنه جعل الألف
همزة محتجا بأن كل حرف موجود في أول اسمه [ألف]، فالألف أولها همزة، ودفع بأنه يلزم منه أن تكون الهمزة هاء لوجود هاء أولها، وبأن أحدهما مبدل من الآخر، والشيء لا يبدل من نفسه. انتهي.
والحروف المذكورة هي حروف المد الثلاثة الآتي ذكرها، ثم الهمزة والهاء، ثم العين والحاء، ثم الغين والخاء، ثم القاف والكاف، ثم الجيم والشين والياء، ثم الضاد، ثم اللام، ثم النون، ثم الراء، ثم الطاء والدال والتاء، ثم الظاء والذال، والثاء، ثم الصاد والسين والزاي، ثم الفاء، ثم الواو والباء والميم.
ولبعض هذه الحروف فروع تستحسن، أي: توجد في كلام الفصحاء واردات في الكتاب "العزيز"، فمنها: الهمزة المسهلة، وهي عند سيبويه حرف واحد نظرا إلى مطلق التسهيل، وعند السيرافي ثلاثة أحرف، نظرا إلى التسهيل بالألف، أو الواو والياء، والنون المخفاة في قول بعضهم،
وعورض بأنها نون مخففة ليس فيها شائبة حرف آخر، ولم تقع بين مخرجين، وكونها ذات مخرجين - كما يأتي تقديره- لا يلزم [بينيتها] وإلا ورد عليه الواو والياء المتحركتان والمديتان، وفي التسهيل لابن مالك: وغنة مخرجها الخيشوم، وعورض بما عورض به المخفاة. وألف الإمالة المحضة فرع عن/ الألف المنتصبة، والصاد كالزاي فرع عن الصاد الخالصة، كقراءة {الصراط} [الفاتحة: 6] لحمزة، وعند مكي: ألف كواو فرع عن الألف المنتصبة، وهو محض التفخيم عنده، وذلك كـ {الصلاة} [البقرة: 3] في قراءة ورش، وعورض بأن ورشا لم يقرأ إلا بتفخيم اللام كما نقل هو وغيره.
وأما قول بعض النحاة: / ولذلك رسمت واوا، فإنه غلط؛ لأنها رسمت لتدل على أصلها بدليل الزكاة. والقاف [كالكاف] فرع عن
القاف الخالصة، وهى الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب، حتى لا يكاد عربيا ينطق بها إلا معقودة، أي: كالكاف، حتى توهم بعضهم أن العرب كانوا يقرؤون بها، لكن الظاهر أن القرآن لم يقرأ إلا بالقاف الخالصة، على ما نقله الأثبات متواترا، ولو قرى بالمعقودة لنقل ذلك كما نقل غيره، ولما لم ينقل دل على أنه لم يقرأ بها.
وقد تصير الحروف بفروعها المستحسنة والمستقبحة خمسين حرفا أضربنا عن باقيها خوف الإطالة.
واختلف الناس هل الحرف قبل الحركة؟ أو بالعكس؟ أو لم يسبق أحدهما الآخر؟
فذهب قوم إلى أن الحروف قبل الحركات، مستدلين بأن الحرف يقوم بنفسه غير محتاج إلى الحركة، وهي لا تقوم بنفسها، فلا بدّ من كونها على لحرف، فالحركة محتاجة إليه، وهو غير محتاج إليها، فالحرف أول.
وبأن من الحروف ما لا يدخله حركة، وهو الألف، وليس ثم حركة تستقل بغير حرف، فدل على أن الحرف مقدم على الحركة.
وبأن الحرف يسكن فيخلو من الحركة، ثم يتحرك بعد، فالحركة ثانية، والأول قبل الثاني.
وذهب آخرون: إلى أن الحركة قبله؛ لأن الحركات إذا أشبعت تولدت الحروف منها، فعن إشباع الفتحة تتولد الألف، وعن إشباع الكسرة تتولد الياء، وعن إشباع الضمة تتولد الواو.
وقال المحققون: لا يتولد حركة من حرف، ولا حرف من حركة، إذ لا يكون الذاتي مادة للعرضي، ولا العرضي مادة للذاتي.
وذهب آخرون إلى أنه لم يسبق أحدهما الآخر؛ بل استعملا معا، كالجسم [والعرض اللذين] لم يسبق أحدهما الآخر.
وتعقب بأن السكون في الجسم عرض، وليس السكون في الحرف حركة، فزوال الحركة من الحرف لا يؤديه إلى حركة، وزوال العرض من الجسم يؤديه إلى عرض آخر يخلفه؛ لأن حركة الجسم وسكونه كل واحد منهما عرض يتعاقبان عليه، وليس يكون الحرف حركة.
وبأن الجسم الذي هو نظير الحرف لا يخلو من حركة البتة، وبذلك علمنا أن الأجسام كلها محدثة؛ إذ لا يفارقها المحدث وهو العرض، وما يسبق المحدث فهو محدث مثله، والحرف يخلو من الحركة ويقوم بنفسه، ولا يقال لسكونه: حركة.
وأجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا الاعتراض إنما يلزم منه أن لا يشبه الحرف بالجسم، والحركة بالعرض، ولسنا ننفي قول من قال: أن الحرف والحركة لم يسبق أحدهما الآخر في الاستعمال، والدليل على صحة هذا القول أن الكلام الذي جيء به [للإفهام] مبني من الحروف، و [الحروف] أن لم تكن في أول
أمرها متحركة فهي ساكنة، والساكن لا يمكن أن يبدأ به، ولا يمكن أن يتصل به ساكن آخر في سرد الكلام لا فاصل بينهما، فلا بد - ضرورة - من كون حركة مع الحرف لا يتقدم أحدهما الآخر، إذ لا يمكن وجود حركة علي غير حرف،
الثاني: أن الكلام إنما جيء به لتفهيم المعاني التي في نفس المتكلم، [و] بالحركات واختلافها/ تفهم المعاني، فهي منوطة بالكلام، مرتبطة به، إذ بهما يفرق بين المعاني التي من أجلها جيء بالكلام. انتهى، ملخصا من "التمهيد" مع زيادات.
أقول: التقدم على أنواع: تقدم بالذات، وتقدم بالزمان، وتقدم بالرتبة
…
إلى غير ذلك من أنواع التقدمات الاعتبارية، والحرف متقدم على الحركة بالرتبة، يعنى أن رتبة الحرف في الاعتبار العقلي متقدمة على رتبة الحركة، وإن كانا في الوضع سواء لا يتقدم الحرف على الحركة، والحركة على الحرف كما تحقق، والله أعلم.
ثم أن الحركة تكون كاملة وناقصة، فالأولى هي المهيأة التي لو مدت لتولد عنها حرف من جنسها، والأخرى: المختلسة، والاختلاس: هو الإسراع للحركة حتى يظن سامعها أن المسموع سكوت لا حركة، ووزن الحركة في التحقيق تصف الحرف المتولد عنها، ولذلك سموا الفتحة: الألف الصغرى، والكسرة: الياء الصغرى، والضمة: الواو الصغرى، فنقص الحركة عما أجمع
والاختلاس: الإتيان ببعض الحركة، كما يأتي بيانه - أن شاء الله تعالى-
في باب الوقف.
وأما السكون فنوعان: حي وميت، فالثاني الألف وأختاها، لأنهن لا حيز ولا مقطع لهن محقق، فان انفتح ما قبل الواو والياء، فسكونهما حي لأخذ اللسان الفاء والشفتين الواو كسائر الحروف، فكما تجد الجيم التي هي أخت الياء في مخرجها قد أخذها اللسان في قولك: رميت، كذلك تجد الواو قد أخذتها الشفتان في قولك: عفوت، والله أعلم. انتهي.