الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبناء إبراهيم وإسماعيل، كيف لا يكون جائزا في شأن الرجلين بالذات!؟ وكيف لا يكون ثابتا قطعا ورواية التاريخ تؤكده؟! وكيف لا يكون بحيث لا يأتيه الريب، وقد ذكره القران، وتحدثت به الكتاب المقدسة الاخرى؟ «1» .
وأزيد فأقول: إن هذه الزعمة التي زعمها سير موير تنافي ما هو معروف عن اليهود من دعواهم أنهم شعب الله المختار، وزعمهم أن النبوة فيهم، فكيف يختلقون أمرا يرد عليهم في هذا؟! بل كيف يختلقون أمرا يقتضي ضرورة فضل العرب، وأنهم شركاؤهم في النبوة بكون خاتم الأنبياء والمرسلين منهم؟! وقد قرأت موقفهم من تحريف نصوص توراتهم في قصة الذبيح!!.
وقد قرأنا تاريخ حروبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحصاره لهم حتى نزلوا على حكمه كارهين، فما وجدنا أنهم مرة قالوا- وهم يستعطفون النبي- أنهم أبناء عمومة، وكان الأجدر بهم أن يذكروا هذا وهو حق؛ استعطافا للنبي عليهم!! وذلك على عكس المشركين القرشيين، فقد كانوا إذا أزموا يذكرون النبي بالرحم والقرابة التي تجمعهم، وهذا يدل على أنهم كانوا أكره ما يكرهون أن يذكروا هذه الصلة التي تربطهم بالعرب، فهل بعد هذا يزعم زاعم أن قصة مجيء إبراهيم إلى الحجاز وإسكانه هاجر وابنها من اختلاق اليهود؟!
الأشهر الحرم
قال الله سبحانه وتعالى:
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ «2» .
يعني عدة شهور العام في تقدير الله، وحكمه الأزلي، وأمر الناس بالأخذ
(1) حياة محمد، ص 90.
(2)
الاية 36 من سورة التوبة.
به- اثنا عشر شهرا، والمراد الشهور القمرية التي تعرف بسير القمر في المنازل، وعلى هذه الشهور كان يعتمد العرب، ولما جاء الإسلام جعلها مواقيت الناس يعتمدون عليها في صيامهم، وحجهم، وزكواتهم، ومعاملاتهم، وسائر أحكامهم، وأمورهم.
والشهر الفلكي أو الحقيقي مدته تسعة وعشرون يوما، ومائة وأحد وتسعون جزا من ثلاثمائة وستين جزا لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وأجزاء من اليوم، فما زاد عن نصف يوم عدّوه يوما كاملا وزادوه في الأيام، وتكون السنة حينئذ كبيسة، وتكون أيامها ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، واصطلحوا على جعل الأشهر شهرا كاملا أي ثلاثين يوما، وشهرا ناقصا أي تسعة وعشرين، فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوما، وصفر تسعة وعشرون، وهكذا إلى اخر السنة القمرية الأفراد منها ثلاثون، وأولها المحرم.
والأزواج تسعة وعشرون، وأولها صفر إلا ذا الحجة من السنة الكبيسة فإنه يكون ثلاثين يوما لاصطلاحهم على جعل ما زادوه في أيام السنة الكبيسة في ذي الحجة اخر السنة.
وأما مدار الشهر الشرعي فعلى الرؤية، فمن ثمّ اختلفت الأشهر فكان بعضها ثلاثين وبعضها تسعة وعشرين، وقد صدع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة فقال:«الشهر هكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا يعني تمام الثلاثين» رواه مسلم والبخاري مختصرا. ولا يتعين شهر للكمال، وشهر للنقصان، بل قد يكون الشهر ثلاثين في بعض السنين، وتسعا وعشرين في بعض اخر منها، وأما ما أخرجه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة» فالمعنى لا ينقص أجرهما، والثواب المرتب عليهما، وإن نقص عددهما في بعض السنين. وقيل الغالب والكثير أنهما لا ينقصان في سنة واحدة «1» .
ولما كانت السنة القمرية تنقص عن السنة الشمسية بنحو عشرة أيام
(1) تفسير الألوسي، ج 10 ص 90، 91.
أو أحد عشر يوما فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء، وتارة في الصيف، وتارة في الربيع، وتارة في الخريف. وهذا من رحمة الله بعباده في التشريع، حتى تنزاح المشقة، ويذهب السأم والملل بأداء العبادات في وقت لا يتغير، وليتدرب المتعبد على أداء العبادات في جميع فصول العام، وكذلك شاء الله أن يكون اعتبار الشهور بسير القمر، وظهوره، لأن ذلك لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو أمر مشاهد بالبصر، فيستوي في معرفته الجاهل والمتعلم، والبدوي والحضري.
وقد جعل الله من هذه الشهور أربعة حرما، وإنما سميت حرما لتحريم الله القتال فيها، وتعظيم العرب لها، حتى لو أن الواحد منهم يلقى قاتل أبيه، أو أخيه في هذه الأشهر فلا يعرض له بسوء، فلما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما. وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الفرد، ويقال له: رجب مضر «1» . ومنهم من يقول: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. والأول هو الأولى وهو الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان.
وقد كان تعظيم الأشهر الحرم من بقايا شريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقد جاءت الأشهر الحرم على هذا الوضع لأجل تأمين حجاج البيت وزوّاره، فحرّم الله قبل شهر الحج شهرا ليسيروا إلى هذه البقاع، وهو شهر ذي القعدة «2» ، وحرّم ذا الحجة لأنهم يوقعون فيه مناسك الحج، وحرّم بعده شهرا وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم. وحرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت، وأداء العمرة.
(1) وذلك لأن مضر كانت تعظمه أكثر من غيرها، وقيل لأن ربيعة بن نزار كانوا يعظمون رمضان ويسمونه رجبا، فأضيف رجب إلى مضر تمييزا له عن غيره.
(2)
وسمي ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال.