الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تكرار شق الصدر
وقد تكرر شق الصدر الشريف غير هذه المرة، فقد حصل مرة ثانية عند المبعث «1» . ومرة ثالثة عند الإسراء والمعراج، وهذه المرة ثابتة بالأحاديث الصحيحة من رواية الشيخين: البخاري ومسلم، وغيرهما «2» .
أما المرة الأولى: فقد كانت لنزع العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان من كل بشر، فخلقت فيه صلى الله عليه وسلم تكملة للخلق الإنساني، ثم إخراجها بعد خلقها كرامة ربانية، فهو أدل على مزيد الرفعة والكرامة من خلقه بدونها وبنزعها منه نشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، والاتصاف بصفات الرجولية من الصغر فلا لهو ولا عبث وإنما هو الكمال والجد.
وأما الثانية: فليتلقّى ما يوحى إليه من أمور الرسالة بقلب قوي وهو على أكمل الأحوال وأتم الاستعداد.
وأما الثالثة: فكانت استعدادا لما يلقى إليه في هذه الليلة من أنواع الفيوضات الإلهية، وما سيريه ربّه فيها من الايات البينات، وإدراك مرامي المثل الرائعة التي ضربت له في مسراه وفي معراجه «3» ، وكلها تحتاج إلى شرح الصدر، وثبات القلب.
المنكرون لشق الصدر، والمشككون فيه
وينكر «سيرموير» حادثة شق الصدر على معناها الظاهر، ويرى أن ما حدث إنما هي نوبة عصبية، ويجعلها «درمنغم» أسطورة، ويحملها على أنها أمر معنوي، يشير إلى مغزى فلسفي، فيقول: «إنها نشأت من قول الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وأن هذه العملية أمر باطني قام على تطهير ذلك القلب ليتلقى رسالة الله عن حسن نية، ويبلغها بإخلاص تام، وإن أسطورة شق
(1) رواه أبو نعيم في كتابه «دلائل النبوة» انظر المنتخب من السنة ج 1، ص 64.
(2)
الإسراء والمعراج للمؤلف ص 55- 66.
(3)
فتح الباري ج 7، ص 161؛ تفسير الالوسي ج 30، ص 166، 167.
الصدر ذات مغزى فلسفي لما تشير إليه تلك الدرنة السوداء من الخطيئة الأولى التي لم يعف منها غير مريم وعيسى!! ولما يدل عليه من معنى الورع الصوفي» «1» .
وقد تأثر بهذا الرأي بعض الكاتبين في السيرة من المسلمين ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل- رحمه الله، فقال: «لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند
…
» «2»
إلى اخر ما قال.
وقد طعن في القصة بأنها ضعيفة السند، وأنها مرسلة، وأن القصة رواها طفل صغير في سن السنتين، وكان النبي في مثل هذه السن أيضا، وهي سن لا يحصل فيها التمييز حتى يكون تحمّل الراوي للقصة صحيحا، كما ذكر مزاعم بعض المستشرقين.
وللرد على ما أثاره المستشرقون وغيرهم حول حادث شق الصدر أقول وبالله التوفيق:
1-
أما أن المستشرق «سيرموير» لم يرض أن يشير إلى قصة الملكين فثبوت القصة أو نفيها لا يتبع رضاه ولا عدم رضاه، وإنما المعوّل عليه في هذا ثبوت الرواية أو عدم ثبوتها، ولا أدري كيف استراح الدكتور هيكل إلى زعم موير وتجويزه أن يكون النبي في طفولته أصابته نوبة عصبية، وقد تنبهت لها حليمة وزوجها، وأن هذه النوبة لم تؤثر في النبي لحسن تكوينه!!
وهو دس خبيث، وطعن مردود، وليس في القصة ما يدل عليه، ولماذا رجّح ظنّ حليمة وزوجها وتخوّفهما أن يكون أصاب النبيّ شيء، ولم يرجّح قطع أمه السيدة امنة في أنه ليس للشيطان عليه سبيل؟! والأم أعلم الناس بالابن، واخر من يقتنع بزوال أثر المرض عن الابن، و «موير» لأجل أن ينكر الشق وقع فيما هو أشد نكرا، وهو أن النبي أصابته نوبة عصبية، حتى خيّل إليه
(1) حياة محمد لدرمنغم ص 48.
(2)
حياة محمد لهيكل ص 109، 110.
ما ليس بحاصل حاصلا، وهي شنشنة تعرف من أخزم؟
2-
أما أن «درمنغم» يرى أن القصة لا تستند إلى شيء غير ما يفهم من الاية، وأن ما يشير إليه القران إنما هو عمل روحي بحت «1» ، فنحن لم نقل:
إن الاية هي الدليل، وإن كان البعض يقول: إنها تشير إلى ذلك، ولكن الدليل هو ما ثبت من الروايات التي سقناها.
3-
أما أن ما يدعو المستشرقين والمفكرين من المسلمين إلى إنكار هذا الحادث: أن حياة النبي كانت كلها إنسانية سامية، فنحن نرى ألاتنافي قط بين سمو الحياة الإنسانية، وثبوت الخوارق والمعجزات الحسية للأنبياء، وهل عيسى لما ولد بغير أب، وأجرى الله على يديه خوارق العادات لم تكن حياته إنسانية؟! وهل موسى عليه السلام لما أعطي الايات التسع لم تكن حياته إنسانية؟!
الحق أنها لوثة حمل لواءها المستشرقون، وسرت عدواها إلى بعض الكتاب المسلمين المعاصرين.
4-
ثم إن حادثة شق الصدر ليست مخالفة للعقل، لقد ظلم الدكتور هيكل العقل حين قال ذلك، وفرق كبير بين مخالفة العادة، ومخالفة العقل، ولو جاز هذا التشكيك في القصة في العصور الأولى فلن يجوز ذلك اليوم، وقد تقدم العلم والطب، وأصبحت تجرى فيه العمليات الخطيرة في القلب، وفي الكلى، وفي الرئتين، بل أنا أكتب هذا وتجري محاولات عدة لزرع بعض أجزاء إنسان في جسم إنسان اخر، فإذا جاز أن يقع هذا من البشر، أفنستبعد على قدرة الله، وملائكته المؤتمرين بأمره أن يشقّوا صدر النبي، ثم يلتئم بلا الة، ولا ألم، ولا سيلان دم؟!
ثم ما للمعجزات ولسنن الكون العادية، حتى نتعلل في إنكارها بأننا لن
(1) لئن جاز حمل الاية أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ على الشرح المعنوي بل لعله الأظهر، فبعيد جدا أن تحمل القصة على هذا، وإلا كان خروجا بالألفاظ العربية عن ظاهرها من غير صارف لها عن هذا الظاهر.
نجد لسنة الله تبديلا، وما المعجزات إلا أمور خارقة للمألوف من سنن الله في الكون!!
5-
أما قول البعض: إن هذه القصة ضعيفة السند فنقد مجمل، وكنا نحب من الناقد أو المنكر، وقد عرض لإنكار أمر يقره جمهرة المسلمين وفيهم أئمة كبار لهم بصر بالنقد والتعديل والتجريح للرواة، أن ينقد سند القصة نقدا تفصيليا، أما وقد أتى به نقدا مجملا فهو معارض بتوثيق أئمة كبار لسند هذه القصة، وقد سمعت انفا أن القصة رواها الإمام مسلم في صحيحه وإن كانت مجملة، وأن بعض أسانيد القصة إن لم تكن صحيحة فهي حسنة وجيدة وتصلح للاحتجاج بها، بل قصة الشق ليلة الإسراء والمعراج مروية في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، بل قال بعض العلماء المحققين: إنها متواترة.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن عرض لذكر الروايات الدالة على شق الصدر وتكرره: «وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك» . وقال القرطبي في «المفهم» :
«لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء والمعراج، لأن رواته ثقات مشاهير» وطبعي أن من صدق به ليلة الإسراء والمعراج يلزمه التصديق به في الصغر، وعند البعثة ما دام الأمران ثابتين بالروايات التي يحتج بها.
أما ما قيل: من أن ابن إسحاق رواها مرسلة عن رجل لم يسمّ من الصحابة فلا ينهض للطعن، إذ المعروف في قواعد «أصول الحديث» أن الصحابة عدول، فلا تضر جهالة الصحابي.
6-
أما قولهم: إن القصة رواها طفل صغير في سن ليست سن تمييز
…
فهذا بنوه على ما ذكره ابن إسحاق، وقد قدّمت أن الصحيح الذي رجّحه أئمة النقد والرواية أن الشق كان في السنة الرابعة، أو أوائل الخامسة، وهي سن تمييز، ولا سيما من مثل النبي وأخيه السّعدي. وأنا أذكر أحداثا وقعت لي وأنا في الرابعة أو دونها، ولا أنساها أبدا، وكأنها ماثلة أمامي الان،