الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من التأثير ما يتجلّى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية، فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا عليه من السماء، وقد يسمعه يقول ذلك، وإنما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة، كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند الأنبياء، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه، أو عن ملك ألقاه على سمعه فهو خبر صادق عنده، ولكن تفسيره عندنا ما ذكرنا من أن ما تخيله إنما هو نابع من نفسه ومن عقله الباطن.
ولأجل أن يؤيدوا فكرتهم الباطلة هذه ذكروا مقدّمات زعموا أنها كانت أساس هذا العلم النفسي الباطني الذي فاض على لسان النبي وقال إنه وحي، فزعموا أنه استفاد من رحلاته مع عمه أبي طالب التي لقي فيها الأعراب وسمع منهم، وأحبار اليهود والنصارى وأخذه عنهم، وأنه استفاد أيضا معلوماته عن اليهودية والنصرانية بسبب انتشار هاتين الديانتين في بلاد العرب، وما سمعه من متنصّرة العرب: كقس، وأمية بن أبي الصلت، وورقة بن نوفل، وأنه استفاد أيضا من رحلتي الشتاء والصيف، ومن الخلوة بغار حراء، وانقطاعه إلى عبادة الله، والتأمل والتفكير في خلق السموات والأرض، حتى خيّل إليه أنه النبي المنتظر الذي سيبعثه الله لهداية البشر، بل وسمع الكثير من القصص من اليهود والنصارى الذين كانوا يسكنون
جزيرة العرب ولا سيما مكة التي كان فيها جالية كبيرة من النصارى، ولقد حاول درمنغم أن يثبت تعرّف النبيّ بكثير من النصارى بمكة، حتى ليخيل لقارىء ما كتب أن النبي كان يعيش في بيئة نصرانية «1» .
تفنيد هذه الفكرة
أما هذه الأمور التي استندوا إليها فهي من خيالهم، وقد قدّمت الرد عليهم في كثير من هذه الادعاات، وأنهم تقوّلوا على التاريخ وعلى الواقع حينما زعموا هذه المزاعم، وأن النبي لم يأخذ عن أحد من أهل الكتاب، ولا عن متنصّرة العرب شيئا، وإلا لواجهوه بالحقيقة حينما جادلهم وفند مذاهبهم، وأبطل عقائدهم، ثم إن النصرانية كما شهد بذلك الأحرار من النصارى كانت فاسدة،
(1) حياة محمد، لدر منغم، ص 125- 126.
محرّفة، مبدّلة، فغير معقول أن تكون مصدرا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عقيدة صحيحة، وتوحيد خالص لله.
والنصارى الذين كانوا في مكة كانوا خدما أو صنّاعا، ولم يكونوا من أهل العلم والمعرفة حتى يأخذ النبي عنهم، ولما ادّعى بعض المشركين مثل هذه الدعوى، وزعموا أن النبي تعلم من (جبر) الرومي النصراني رد الله عليهم بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «1» .
وإذا ثبت بطلان المقدمات التي ذكروها ثبت بطلان ما أدّت إليه من نتيجة.
ثم إنّ فكرة الوحي النفسي كما صوّروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدّخرة في العقل الباطن وأنها تظهر في صورة رؤى، ثم تقوى فيخيّل إلى صاحبها أنها حقائق خارجية، فهل كان الدين الذي جاء به نبينا محمد بعقائده وتشريعاته: في العبادات والمعاملات، والحدود والجنائيات، والاقتصاد والسياسة والأخلاق والاداب مركوزا مدّخرا في نفس النبي؟!.
هذا ما تنكره العقول بداهة لأن ما جاء به النبي في العقائد يعتبر مناقضا لكل ما كان سائدا في العالم حينئذ من عقائد كالوثنية، والمجوسية، والثنوية «2» ، والتأليه، والتثليث والصلب، وإنكار البعث واليوم الاخر، وكذلك جاء النبي بتشريعات لم تأت بها شريعة أخرى، واشتمل القران على أسرار في الكون والأنفس ما كانت تخطر على بال بشرقط، ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم العلوم في العصر الحديث، فكيف تكون هذه الأسرار والعلوم من داخل نفس النبي صلى الله عليه وسلم؟!
وأيضا فإن الوحي قد انقطع فترة بعد نزول صدر سورة «اقرأ» فكيف سكت النبي طوال هذه المدة، وهو هو صاحب العقل الباطن المملوء بالمعارف، والوجدان الملتهب، والنفس المتوثبة للإصلاح؟!!
(1) الاية 103 من سورة النحل.
(2)
الذين يقولون بإله الخير وإله الشر، أو إله النور وإله الظلمة.