الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحنيفيون
«1»
وقد كان في العرب من يدين بشريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، في الألوهية والتوحيد، والإيمان بالبعث، واليوم الاخر، وأن رسولا سيبعث في اخر الزمان، ويخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهم (الحنيفيون) منهم:
1-
قسّ بن ساعدة الإيادي: كان خطيبا، حكيما، عاقلا، له نباهة، وفضل، وكان يدعو إلى توحيد الله، وعبادته، وترك عبادة الأوثان، كما كان يؤمن بالبعث بعد الموت، وقد بشّر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس قال:«إن قس بن ساعدة كان يخطب قومه في سوق (عكاظ) فقال في خطبته: سيعلم حق من هذا الوجه- وأشار بيده إلى مكة- قالوا: وما هذا الحق؟ قال: رجل من ولد لؤيّ بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص، وعيش الأبد، ونعيم لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه لكنت أول من يسعى إليه» وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه مات قبل البعثة.
وروي أن النبي قال: «رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلم
(1) سموا بذلك من حنف عن الشيء أي مال عنه، لأنهم مالوا عن الدين الباطل إلى الدين الحق، سواء أكانوا على دين إبراهيم أم على دين المسيح الحق، وإن كانت الكلمة تطلق على الأولين غالبا، وفي الكتاب الكريم «ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما» .
بكلام له حلاوة لا أحفظه» فقال بعض قومه: نحن نحفظه، فقال:«هاتوه» فذكروا خطبته المشحونة بالحكم والمواعظ.
وروى الطبراني في كتابه «المعجم الكبير» والحافظ البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أيكم يعرف قسّ بن ساعدة الإيادي» ؟ قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله، قال:«فما فعل» ؟ قالوا: هلك، قال: «فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام، وهو على جمل أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس:
اجتمعوا، واستمعوا، وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو ات ات، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا
…
» إلى اخر خطبته المشهورة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفيكم من يحفظ شعره» ؟ فأنشده بعضهم قوله:
في الذاهبين الأول
…
ين من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا
…
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
…
يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إل
…
يّ ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محال
…
ة حيث صار القوم صائر
ولذلك قال الجاحظ في «البيان والتبيين» : «ولإياد وتميم خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ، وموعظته، وهو الذي روّاه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسن كلامه، وأظهر من تصويبه، وهذا إسناد «1» يعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الامال، وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة، لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث، ولذا كان خطيب العرب قاطبة» «2» .
(1) في البداية والنهاية: «وهذا شرف
…
» .
(2)
البيان والتبيين، ج 1 ص 52، ط ثالثة.
ولو أن الرواية بهذا كانت ثابتة لاستقام كلام الجاحظ، ولكن بعض حفاظ الحديث ونقاده قالوا: في السند راو كذاب متهم بوضع الحديث، وقد حكم الحافظ ابن الجوزي عليها بالوضع، ووافقه بعض الحفاظ.
نعم رويت رواية أمثل من هذه وأقوى، ولكنها تفيد أن الذي أورد القصة بكمالها: نظمها ونثرها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصدّيق أبو بكر رضي الله عنه وأغلب طرق القصة لا تخلو من ضعف «1» ، ومهما يكن من شيء فقد كان قس بن ساعدة من الحنفاء الداعين إلى الله وتوحيده، والإيمان باليوم الاخر في هذا العصر الجاهلي المظلم.
2-
زيد بن عمرو بن نفيل: ابن عم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووالد الصحابي الجليل سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان حنيفيا على دين الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وكان لا يأكل ما ذبح على الأنصاب، وقد التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم بمكان يقال له:(بلدح)«2» وكانت قدّمت إلى النبي سفرة «3» ، فأبى أن يأكل منها. ثم قدمت لزيد، فأبى، وقال: لا اكل ما تذبحون على أنصابكم، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي الوحي، فقدمت إلى النبي سفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست اكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا اكل إلا ما ذكر اسم الله عليه» ، وكان زيد بن عمرو بن نفيل يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟!
وهذه الرواية الصحيحة ترد ما ذكره بعض الكتاب في السيرة من أن
(1) البداية والنهاية، ج 2 ص 231- 237؛ اللالىء المصنوعة، ج 1 ص 55.
(2)
مكان في طريق التنعيم، ويقال: واد.
(3)
طعام المسافر.
النبي أكل مما ذبح على النصب، أما زيد فقد أبى أن يأكل منها، وهو زعم باطل «1» .
ثم ذكر البخاري في قصة طويلة أن زيدا خرج إلى الشام يطلب الدين الحق، فلقي عالما من علماء اليهود، فلم يعجبه ما قال، ثم خرج فلقي عالما من النصارى فلم يقع في نفسه ما عرض عليه، ولكنه وجدهما يذكران دين إبراهيم وأنه هو الدين الحنيف، فلما سمع قولهما في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه وقال:«اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم» .
وروى البخاري تعليقا «2» عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها:
إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها» «3» .
وروى ابن إسحاق أنه كان يقول: «اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه» ثم يسجد على راحته، وروى ابن سعد، والفاكهي عن عامر بن ربيعة أن زيدا قال له:«إني خالفت قومي واتّبعت ملة إبراهيم، وإسماعيل، وما كانا يعبدان، وكانا يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام» ، قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي صلى الله عليه وسلم بخبره، فردّ عليه السلام، وترحم عليه، وقال:«لقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا» ، وروى أن سعيد بن زيد، وعمر بن الخطاب سألا رسول الله عن زيد فقال:«غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم» ولما بعث
(1) انظر: «محمد رسول الحرية» لعبد الرحمن الشرقاوي.
(2)
المعلق: هو ما حذف من مبتدأ إسناده راو أو أكثر، وقد يحذف السند كله.
(3)
صحيح البخاري- باب زيد بن عمرو بن نفيل.
النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بالشام وبلغه ذلك، عاد ليؤمن به، فقتل بمضيعة من أرض البلقاء «1» .
3-
ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى: ابن عم السيدة خديجة رضي الله عنها وكان ممن كره عبادة الأوثان، وما كان عليه قريش من الضلال، فخرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام يبحثان عن دين تركن إليه نفوسهما، فأما زيد فقد انتهى أمره إلى الحنيفية- كما أسلفنا- واتّبع دين إبراهيم، وأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر، ولعله لقي من الرهبان من بقي على دين عيسى الحق، ولم يبدل، ولم يحرف، فقد كان موحّدا، وبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفي صحيح البخاري في حديث بدء الوحي الطويل:«وكان امرا قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي» ولما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بخبره قال: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني فيها حيا إذ يخرجك قومك» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أو مخرجي هم؟» قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي «2» .
وقد اختلف في وفاته، فذهب الكثيرون إلى أنه مات قبل أن يؤمر النبي بالإنذار على ما في الصحيح، وقيل عاش حتى شهد المبعث، وأنه كان يمر على بلال وهو يعذب على رمضاء مكة ويقول:«أحد. أحد» فيقول ورقة: «أحد.
أحد، يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنّه حنانا «3» » .
وأيّا ما كان فقد مات على التصديق بالنبي والإيمان به، روى البيهقي في الدلائل وأبو نعيم أنه لما توفي قال صلى الله عليه وسلم:«لقد رأيت القسّ «4» في الجنة عليه
(1) فتح الباري، ج 8 ص 142- 144؛ سيرة ابن هشام، ج 1 ص 224- 232.
(2)
صحيح البخاري- باب كيف كان بدء الوحي.
(3)
بركة أتبرك به.
(4)
القس- بفتح القاف وتشديد السين- والقسّيس- بكسر القاف وتشديد السين-: رئيس النصارى في العلم والدين.
ثياب الحرير، لأنه امن بي وصدقني» ، وفي رواية:«رأيت ورقة في بطنان الجنة عليه السندس» ولذلك عدّه بعض العلماء أول من امن بعد خديجة من الرجال، وعده البعض من الصحابة «1» .
4-
أمية بن أبي الصّلت بن عوف الثقفي: كان ممن طلب الدين، ونظر في الكتاب، ويقال: إنه ممن دخل في النصرانية، وأكثر في شعره من ذكر التوحيد، والبعث، وأحوال القيامة، وكان يعلم من الكتاب أن نبيا سيبعث من العرب، وكان يرجو أن يكون هو، فتحنّث وتعبّد أملا في هذا، وكأنه ظن أن النبوة تنال بالرياضات، وما علم أنها فضل من الله يؤتيه من يشاء.
ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم حسده، وقال:«إن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد» . ولما قيل له: أفلا تتبعه؟ قال: «أستحي من نسيّات ثقيف أني كنت أقول لهن: إني أنا هو، ثم أصير تابعا لغلام من بني عبد مناف!!» ولما أنشدت أخته النبي شيئا من شعره قال: «امن شعره، وكفر قلبه» وقد روي في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم» وقد عاش حتى وقعة بدر الكبرى: فرثى من مات بها من الكفار، ثم مات من غير أن يسلم بين كمده، وحسده، وحسرته، قيل سنة اثنتين بعد بدر، وقيل سنة تسع.
(1) شرح المواهب، ج 1 ص 292، 293.