الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال العلّامة ابن كثير في تفسيره: «قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه «التنوير في مولد السراج المنير» بعد أن ذكر حديث الإسراء والمعراج من طريق أنس بن مالك، وتكلم عليه فأفاد وأجاد:
وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وشدّاد بن أوس، وأبيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن قرظ، وأبي حبة «1» ، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر، وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانىء بنت أبي طالب، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق- رضي الله عنهم أجمعين- منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع من المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحيح، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة، والملحدون يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون» «2» .
رواية البخاري ومسلم في صحيحيهما
وسأكتفي بذكر أوثق الروايات وأصحها، وهي التي اتفق عليها الإمامان الجليلان: البخاري، ومسلم في صحيحيهما، ومن أراد استيفاء الروايات في الصحيحين فليرجع إلى رسالة «الإسراء والمعراج» «3» .
روى الشيخان في صحيحيهما بسندهما «4» عن قتادة، عن أنس بن مالك،
(1) أبو حبة: بفتح الحاء، وبالباء المشددة على المشهور، وعند القابسي بمثناة تحتانية وغلط في ذلك وذكره الواقدي بالنون.
(2)
تفسير ابن كثير والبغوي، ج 5 ص 66، ط المنار.
(3)
الإسراء والمعراج للمؤلف، ص 57- 67.
(4)
صحيح البخاري- باب المعراج، ج 5 ص 66؛ صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2 ص 223- 225.
عن مالك بن صعصعة- واللفظ للبخاري- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثهم عن ليلة أسري به قال:
«بينما أنا في الحطيم، وربما قال: في الحجر «1» مضطجعا إذ أتاني ات، فقدّ «2» قال- أي قتادة-: وسمعته يقول: فشقّ ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود «3» : ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى ثنته «4» ، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا وحكمة «5» ، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض. فقال له الجارود:
هو البراق «6» يا أبا حمزة- كنية أنس-؟ قال أنس: نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه «7» ، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح «8» ، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ «9» قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجيء «10» جاء، ففتح» .
(1) الحطيم: هو الحجر على الصحيح، والراوي لمّا لم يتأكد من اللفظ الذي سمعه ذكرهما على صيغة الشك، وهي أمانة في النقل من المحدّثين مشكورة.
(2)
القد: هو القطع.
(3)
لعله الجارود بن أبي سبرة البصري صاحب أنس وأحد الرواة عنه.
(4)
الثغرة: المكان المنخفض بين الترقوتين، والثنة بضم الثاء وتشديد النون: ما تحت السرة.
(5)
يعني مملوءة بشيء يترتب على الغسل به زيادة الإيمان، وكمال الحكمة.
(6)
بضم الباء، وتخفيف الراء مشتق من البرق، لأن سرعته في سيره مثل سرعة البرق في لمعانه.
(7)
يعني عند منتهى بصره، وما أشد سرعة من كان على هذا الحال.
(8)
طلب الفتح، ولله ملائكة موكلون بكل ما خلق، وله الحكمة البالغة.
(9)
قال العلماء: يعني أنه قد أرسل إليه للعروج إلى السماء، وأما أصل بعثته فمشهورة عند الملأ الأعلى معروفة لهم.
(10)
قيل المخصوص بالمدح محذوف وفيه تقديم وتأخير، والتقدير جاء فنعم المجيء مجيئه، وقال ابن مالك: المخصوص بالمدح محذوف وجاء صلته أو صفة والتقدير نعم المجيء
فلما خلصت فإذا فيها ادم «1» عليه الصلاة والسلام، فقال: هذا أبوك ادم، فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح «2» .
ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:
جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل:
مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى- عليهما الصلاة والسلام- وهما ابنا الخالة «3» ، قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما، فسلّمت، فردا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا أخوك يوسف فسلّم عليه، فسلّمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:
جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل:
مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلّم عليه، فسلّمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
- الذي جاءه أو نعم المجيء جاءه، وكونه موصولا أولى لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة.
(1)
إما أن يكون بعث من قبره استعدادا للقادم الكريم في هذه الليلة، أو تكون روحه تمثلت في جسده من غير بعث، ولعله الأولى والأقرب، وكذلك يقال في جميع الأنبياء الذين تشرفوا بلقائه هذه الليلة ما عدا عيسى عليه السلام.
(2)
اقتصر الأنبياء الذين لقيهم في السماء على وصفه صلى الله عليه وسلم بصفة الصلاح لأن فيها جماع الخير كله، والصالح هو الطيب في نفسه، الذي يقوم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد.
(3)
وهذا على أن مريم وإيشاع أم يحيى بن زكريا أختان، وقيل: إن إيشاع خالة مريم، فيكون في العبارة تسامح، ولا يزال العرف عندنا في مصر يعتبر خالة الأم خالة للابن.
ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:
جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلّم عليه، فسلّمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:
جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما «1» بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلون من أمتي.
ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال:
جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجىء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلّم عليه، قال: فسلّمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى «2» ، فإذا نبقها مثل قلال هجر «3» ، وإذا ورقها كاذان الفيلة «4» ، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان،
(1) لم يرد موسى- عليه السلام التقليل من شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وحاشا لله أن يريد ذلك، وإنما أراد صغر سنه لمن كان أكبر منه سنا من الأنبياء، وإذا قسنا عمر النبي بأعمار نوح، وإبراهيم، وموسى وجدناه أقل منهم بكثير، ومع هذا فقد أعطاه الله على صغر سنه، وقصر مدته ما لم يعط أحدا ممن هو أسن منه، وأطول زمنا، وتبعه على دينه الحق من غير تحريف ولا تبديل ما لم يتبع أحدا من الأنبياء.
(2)
سميت بذلك لأنها ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرّب، ولم يجاوزها أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم.
(3)
جمع قلة وهي الجرة، والنبق الثمر يعني أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت قلال هجر معروفة عند المخاطبين، وهجر: بفتح الهاء والجيم: بلد بقرب المدينة.
(4)
يعني في الشكل والكبر.
ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة «1» ، وأما الظاهران فالنيل والفرات «2» .
ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال «3» : هي الفطرة «4» التي أنت عليها وأمتك.
ثم فرضت عليّ الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قال بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى
(1) هما: الكوثر والسلسبيل.
(2)
أي مثالهما أو عنصرهما وإلا فهما ينبعان من الأرض، وقد فهم النبي من تمثيلهما له أن دينه سيبلغ هذين النهرين المشهورين وما وراءهما، وهذا ما كان، وبهذا التفسير يظهر لك أن الحديث لا يخالف المشاهدة كما أرجف المرجفون.
(3)
القائل هو جبريل.
(4)
عبر عن اللبن بالفطرة؛ لأنه أول ما يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه، وهو الغذاء الذي لم يكن يصنعه صانع غير الله، والغذاء الكامل المستوفي للعناصر التي يحتاج إليها الجسم في بنائه ونموه، مع كونه طيبا سائغا للشاربين، وقد تكرر هذا العرض مرتين، مرة بعد الصلاة في بيت المقدس- كما في صحيح مسلم- ومرة في السماء كما في هذا الحديث المتفق عليه.
استحييت، ولكن أرضى وأسلّم، قال: فلما جاوزت ناداني مناد «1» : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» .
وقد تكفّلت بعض روايات الإمام مسلم في صحيحه «2» ببيان مجيء النبي بيت المقدس، ودخوله به، وصلاته فيه ركعتين، وعرض جبريل عليه بعد خروجه إناءين: إناء من خمر، وإناء من لبن، فاختار اللبن.
وأن الله تبارك وتعالى قال: «يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر- يعني حسنات- فذلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة» .
وكذلك تكفّلت بعض الكتاب الحديثية الاخرى ببيان ما راه النبي في مسراه من مكة إلى بيت المقدس، حيث ضربت له الأمثال لبعض الفضائل والرذائل، وصلاته صلى الله عليه وسلم ركعتين بطور سيناء، وببيت لحم وبالمدينة، وصلاته بالأنبياء في بيت المقدس، وثناء الأنبياء على ربّهم، وثناء النبي على ربه، وقد ذكر الكثير من هذه الروايات الدالة على ذلك ابن كثير في تفسيره «3» ، والحافظ ابن حجر في «الفتح» «4» ، وقد ذكرت كل هذا وغيره كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وأهي بعيني بصره؟ أم بعيني قلبه وبصيرته؟! إلى غير ذلك من المباحث المحرّرة الشيقة في كتابي «الإسراء والمعراج» فليرجع إليه من يشاء التزيد من روايات الإسراء والمعراج.
وقد رويت روايات أخرى في الإسراء والمعراج حصلت فيها بعض
(1) المنادي هو الله سبحانه وتعالى إذ هذا الكلام لا يصدر إلا منه سبحانه، وهذا من أقوى الأدلة على أن الله سبحانه وتعالى كلّم نبيه ليلة المعراج بغير وساطة.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2 ص 209- 215.
(3)
تفسير ابن كثير والبغوي، ج 5 ص 107- 130.
(4)
فتح الباري، ج 7 ص 159- 172.
التزيدات، وأطلق بعض رواتها لأنفسهم فيها عنان الخيال، وألحق فيها من هنا وهناك بعض القصص، حتى غدا فيها تخليط وتزيدات كثيرة، وليس فيها من الحقيقة إلا شيء يسير، وذلك مثل الحديث الطويل الذي رواه ابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة، وهي رواية مطوّلة جدا وفيها غرابة، وقد ذكرها ابن كثير في تفسيره «1» ، وأشار إلى أنها رويت أيضا من طريق أبي جعفر الرازي ثم قال ابن كثير:
(1) تفسير ابن كثير، ج 5 ص 131- 137.