الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذعرت عروش الظالمين فزلزلت
…
وعلت على تيجانهم أصداء
والنار خاوية الجوانب حولهم
…
جمعت ذوائبها وغاض الماء
والاي تترى، والخوارق جمة
…
جبريل روّاح بها غدّاء
ما صاحب الميلاد من الايات والعجائب
ومن الايات والإرهاصات «1» التي صاحبت الميلاد ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، فقد كان هذا إيذانا بأنه لم يبق من ملوكهم إلا أربعة عشر «2» ، وهذا ما كان، وصدّقه التاريخ والواقع، وغاضت بحيرة ساوه «3» ، وخمدت نيران فارس التي كانوا يعبدونها، ولم تخمد منذ ألف عام «4» .
وقد أسرف المؤلفون في السير والمولد والتاريخ في ذكر العجائب التي اقترنت بالميلاد، ومنها كلام الهواتف «5» ، والجن، وفيها الكثير مما لم يصح، وما هو مختلق، فأعرضت عن ذكر كل ذلك، واكتفيت بما هو ثابت، أو بعضه «6» .
أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمّى، ومبلغ تحلّيه بالفضائل والاداب والخصائص والميزات، ولرسول الله صلوات الله وسلامه عليه أسماء كثيرة
(1) ما تقع بين يدي النبوة من الخوارق.
(2)
وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى سقوط دولتهم، وخضوعها للإسلام.
(3)
بسين مهملة بعدها ألف، وبعد الألف واو مفتوحة فهاء ساكنة: من بلاد فارس، كانت بحيرة كبيرة بين همذان وقم، وكانت ستة فراسخ طولا وعرضا، وتسير فيها السفن، ويسافر فيها الناس إلى ما حولها من البلدان. أما بحيرة طبرية فهي ببلاد الشام، وليست هي، وما قيل من أنها طبرية غير صحيح، فطبرية لا تزال إلى يومنا هذا، وما قيل: إنها نقص ماؤها ليلتئذ فهو تكلّف.
(4)
رواه البيهقي، وأبو نعيم، والخرائطي في «الهواتف» وابن جرير، وابن عساكر كلهم من حديث مخزوم بن هانىء عن أبيه.
(5)
ما يسمع كلامه ولا يرى.
(6)
انظر: شرح المواهب، ج 1 ص 142 وما بعدها.
أشهرها خمسة. ففي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وأشهر هذه الأسماء هما: محمد، وأحمد، وقد وردا في الكتاب الكريم قال تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (29)«1» .
وقال:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ (144)«2» .
وقال عز شأنه:
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (6)«3» .
ثم إن هذه الخمسة مما خصّ به نبينا عليه الصلاة والسلام، وأما غيرها فقد يشاركه فيها غيره من الأنبياء، ومما وقع من أسمائه صلى الله عليه وسلم في القران بالاتفاق:
الشاهد، والمبشّر، والنذير، والمبين، والداعي إلى الله، والسراج المنير، قال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (46)«4» .
وفيه أيضا: المذكر، والرحمة، والنعمة، والهادي، والشهيد، والأمين، والمزمّل، والمدثّر، والرؤوف، والرحيم.
(1) الاية 29 من سورة الفتح.
(2)
الاية 144 من سورة ال عمران.
(3)
الاية 6 من سورة الصف.
(4)
الايتان 45- 46 من سورة الأحزاب.
ومما وقع في الحديث الصحيح: «سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ؛ ولا جاف، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يقابل السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح» «1» .
ومن أسمائه: المختار، والمصطفى، والشفيع المشفّع «2» ، والصادق المصدوق «3» ، وكان بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدّث عنه قال:«حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم» إلى غير ذلك من الأسماء الشريفة التي تدل على صفات جليلة وخصوصيات منيفة.
وقد قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في تصنيف له في «الأسماء النبوية» :
«قال بعضهم: أسماء النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وتسعون اسما عدد أسماء الله الحسنى، ثم قال: ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلاثمائة اسم» ، وقد ذكر في كتابه المذكور أماكنها من القران والأخبار، وضبط ألفاظها وشرح معانيها، واستطرد- كما هي عادته- إلى فوائد كثيرة.
والحق- كما قال الحافظ الكبير ابن حجر- أن غالب الأسماء التي ذكروها هي أوصاف للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، وذلك مثل عدهم: اللبنة، للحديث الصحيح المشهور في التعبير عنه باللبنة «4» ، وعدهم الهادي، والمذكّر، والمختار ونحوها.
أما (محمد) فاسم مفعول من التحميد للمبالغة يقال: حمّده إذا نسبه إلى
(1) رواه البخاري.
(2)
الشفيع: الذي يشفع لغيره، المشفّع: الذي تقبل شفاعته.
(3)
الذي يصدقه من يسمعه لتوافر الدلائل على صدقه، وقد كان المشركون وغيرهم كما في كتب الحديث، والتفسير، والسير يكذبونه في الظاهر، ولكنهم فيما بينهم وفي أنفسهم يعلمون صدقه.
(4)
هو الحديث الذي رواه الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون حول هذا البيت ويقولون: ما أحسن هذا البيت!! لولا هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم الأنبياء» .
كثرة المحامد، والفضائل، أو هو الذي حمد مرة بعد أخرى كالممدّح قال الأعشى:
إليك- أبيت اللعن- كان وجيفها
…
إلى الماجد القرم الجواد المحمّد
ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قد اجتمع فيه المعنيان، فقد تكاملت فيه الخصال المحمودة، والأخلاق الفاضلة العظيمة، ولا تنفك ألوف الألوف بل مئات ألوف الألوف، تلهج بحمده، والثناء عليه من لدن مبعثه إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وفي المحشر حينما يشفع للناس، ويريحهم من هول الموقف يحمده الأولون والاخرون. وقد نوّه الله سبحانه في الكتاب الكريم بهذه الفضيلة والخصيصة الظاهرة، فقال عز شأنه:
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) » .
فمن ذا الذي يحصي ألوف ألوف الألوف الذين سيحمدونه في هذا المقام؟! وهذا الاسم الكريم هو أشهر الأسماء الخمسة، وأذكرها بين الناس.
ولم يكن هذا الاسم مشهورا في الجاهلية، وإنما تسمّى به بعض العرب قرب ميلاده لما سمعوا من الأحبار والرهبان من أهل الكتاب أن نبيا سيبعث اخر الزمان يسمى (محمدا) ، فسموا أبناءهم بهذا رجاء ذلك، قال القاضي عياض:
وهم ستة لا سابع لهم «2» ، وقال السهيلي في «الروض الأنف» : لا يعرف من
(1) الاية 79 من سورة الإسراء.
(2)
هم: 1- محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي. 2- ومحمد بن مسلمة الأنصاري. 3- ومحمد بن براء البكري. 4- ومحمد بن سفيان بن مجاشع. 5- ومحمد بن حمران الجعفي. 6- ومحمد بن خزاعي السلمي. قال: لا سابع لهم، ويقال: أول من سمي محمدا محمد بن سفيان، واليمن تقول بل
تسمّى قبل النبي بهذا الاسم إلا ثلاثة «1» ، والذي حققه الحافظ ابن حجر أنه تسمّى بهذا الاسم خمسة عشر شخصا «2» ، فلما ولد النبي صلى الله عليه وسلم ألهم الله جده بهذا الاسم تحقيقا لما سبق به علم الله.
وأما (أحمد) فهو أفعل تفضيل أي أكثر الناس حمدا، فهو علم منقول من صفة، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام حمّادون، وهو أحمدهم أي أكثرهم حمدا، أو أعظمهم في صفة الحمد، وهو صاحب لواء الحمد يوم القيامة، وهو صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية في الاتصاف بالمحامد والفضائل، والغاية في حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، وشكره على نعمائه. وقد ورد هذا الاسم في القران مرة واحدة على لسان عيسى- عليه السلام في التبشير به صلى الله عليه وسلم.
وقد زعم بعض المبشرين وأعداء الإسلام أن المبشّر به أحمد، ونبيكم محمد، وكأني برسول الله يرد عليهم حينما ألهمه الله سبحانه أن يقول هذا الحديث، إذ هو يقتلع الشبهة من أساسها فهو: محمد، وأحمد.
وأما الماحي فقد ورد تفسيره في الحديث عن النبي، وقد قيل إن المراد أنه الذي محا الله به الشرك والعقائد الوثنية من الجزيرة العربية. والذي أراه أن يترك الحديث على عمومه، فقد كان الكفر عند مبعثه يكاد يكون عاما في الدنيا ولم يسلم من ذلك إلا القليلون كالحنيفيين، وأهل الأديان الذين لم يحرّفوا،
- محمد بن اليحمد من الأزد (الشفا، ج 1 ص 190) وقد تعقب الحافظ ابن حجر القاضي عياضا في عدّه محمد بن مسلمة وقال: إنه غلط فإنه ولد بعد ميلاد النبي بمدة.
(1)
هم: 1- محمد بن سفيان بن مجاشع. 2- ومحمد بن أحيحة بن الجلاح. 3- ومحمد بن حمران بن ربيعة. وكأنه لم يقف على كلام عياض.
(2)
فتح الباري، ج 6 ص 434، 435 فقد عدهم وذكر أدلة ذلك، واستبعد من وقع فيه الوهم أو التكرار.