الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
له: اللات والعزّى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل «1» ليمر بهم، فيقولون له: أهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده.
شكاتهم إلى رسول الله ما يلاقون
وفي بعض ساعات الضعف الإنساني كانوا يأتون إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- شاكين ما يجدون من شدائد وتعذيب، فيضرب لهم الأمثال، ويعظهم ويذكرهم، فيرجعون راضين مطمئنين صابرين على البلاء. روي عن خباب بن الأرتّ أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد، وهو محمّر وجهه، وقال:«قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه!! وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله- عز وجل والذئب على غنمه» وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون» رواه البخاري ومسلم.
إنّ ما وعاه التاريخ الصادق مما كان يلاقيه المسلمون الأوائل من صنوف البلاء والعذاب قد بلغ من الروعة، والجلال، وعزة النظير ما يعتبر عند بعض الناس ضروبا من الخيال، ولكنها الحقيقة التي لا ريب فيها، إن الإنسان ليغضّ الطرف حياء، ويحمر وجهه خجلا حينما يستعرض هذه المواقف البطولية الفذة التي سمت بأصحابها إلى درجات سامقة من السمو الديني والخلقي والنفسي، وإليك طرفا من حديث هؤلاء القوم.
المعذّبون في الله
فمن هؤلاء السادة الأبطال: بلال بن رباح الحبشي، وكان اسم أمه حمامة، وكان مولاه أمية بن خلف الجمحي قاسي الكبد، غليظ القلب؛ لا ينبض قلبه بقطرة من الرحمة الإنسانية. كان يخرجه إلى بطحاء مكة إذا حميت الشمس في الظهيرة، والرمضاء في هذا الوقت تكاد تنضج اللحم الطري، ثم
(1) الجعل: بضم الجيم وفتح العين دويبة من دواب الأرض.
يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا- والله- لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.
ولكن بلالا لا يعبأ بالالام ولا بالبلاء، ويأبى إلا أن يعلن عن صادق إيمانه، فلا ينفك يردد ويقول:«أحد. أحد» فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان!! فإذا حلاوة الإيمان تطغى على مرارة العذاب، وكان يقول:«لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها» وقد هانت نفس بلال عليه في الله، فتحمل ما تحمل بقلب مؤمن، ونفس راضية مطمئنة، حتى صار مثلا يحتذى، كلما ذكر المجاهدون والمعذبون.
وهان هو على مواليه فكانوا يجعلون في عنقه حبلا، ويدفعون به إلى الصبيان يلعبون به، حتى أثر الحبل في عنقه، فما صرفه ذلك عن دينه، ويسرف أمية بن خلف الطاغية في التنكيل ببلال وسومه سوء العذاب، ويزداد بلال إيمانا واستعذابا لألوان العذاب، حتى مر به الصّديق أبو بكر- رضي الله عنه فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! «1» فقال له: أنت الذي أفسدته، فأنقذه مما ترى، فقال الصّديق: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك، فأعطاه سيدنا أبو بكر- رضي الله عنه غلامه ذلك، وأخذ بلالا فأعتقه لوجه الله!!
وهذه الأسرة الياسرية: عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سمية بنت خباط «2» مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكان ياسر حليفا له فزوّجه سمية، فولدت له عمارا، فأعتقه، وكان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، ويلبسونهم دروع الحديد المحماة بالنار، فما وهنوا ولا استكانوا، وكان يمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون، فما يملك لهم إلا أن يحثهم على الثبات والصبر، فيقول:«صبرا ال ياسر فإن موعدكم الجنة» .
ولما اشتكى له عمار قائلا: يا رسول الله بلغ منا العذاب كل مبلغ، فقال له:
(1) يعني إلى أي وقت يدوم هذا العذاب؟!
(2)
بضم الخاء، وباء مواحدة مشددة، ويقال بمثناة تحتية، وهي غير سميّة أم زياد.
«اصبر أبا اليقظان، اللهم لا تعذب من ال ياسر أحدا بالنار» . ومرّ أبو جهل اللعين بسمية، وهي تعذب في الله، فطعنها بحربة في ملمس العفة منها، فماتت، فكانت أول شهيدة في الإسلام! ثم لم يلبث أبوه أن توفي تحت وطأة العذاب!!
ويطول العذاب بعمار حتى كان لا يدري ما يقول، فيظهر كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ويجيء عمار- وهو يبكي- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:«ما وراءك» ؟ قال: شر يا رسول الله: نلت منك، وذكرت الهتهم بخير، قال:«كيف وجدت قلبك» ؟ قال: «مطمئنا بالإيمان» ، فجعل النبي يمسح عينيه بيده، ويقول له:«إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» !! ولهج بعض الناس بأن عمارا كفر، ولكن رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى صدع بالحق فقال:«كلا، إن عمارا ملىء إيمانا من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» !!
ثم ينزل الوحي بشهادة السماء على صدق إيمان عمار، قال تعالى:
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106)«1»
فكانت الاية إعذارا لهؤلاء المعذبين في الله بأن لا حرج عليهم إن جاروا الكفار بطرف اللسان، ما دام القلب عامرا بالإيمان، ورخصة يترخص بها من خاف على نفسه الهلاك.
ومن المعذبين في الله عامر بن فهيرة «2» ، أسلم قديما، وصحب النبي والصدّيق في الهجرة يخدمهما، وشهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا.
(1) الاية 106 من سورة النحل.
(2)
بضم الفاء وفتح الهاء وإسكان الياء وهي أمه.
ومنهم أبو فكيهة، ذكر ابن إسحاق أنه أسلم يوم أسلم بلال، فعذبه أمية بن خلف حتى اشتراه أبو بكر فأعتقه.
ومن المعذّبات في الله، وأظهرن صبرا، وتجلدا، وبطوله: زنّيرة «1» الرومية أمة عمر بن الخطاب، أسلمت قبله، فكان يضربها حتى يفتر، ويشاركه في ضربها أبو جهل، فلا يزيدها ذلك إلا إصرارا على الإسلام، ولما أسلمت أصيب بصرها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزّى، فقالت: كذبوا وبيت الله- ما تضر اللات والعزى، وما تنفعان، ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر على أن يرد عليّ بصري!! فرد الله بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد.
وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم، لو كان ما أتى محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنّيرة إلى رشد!!
نعم، نعم، يا أبا جهل- ولا كرامة لك- لقد سبقتك زنيرة إلى الرشد؟! وبقي لها الذكر والترضّي عليها ما بقي مسلم على وجه الأرض، وبقي لك اللعن على كل لسان إلى ما شاء الله، لقد ذهبت الأحساب والأنساب، وبقيت التقوى، قال تعالى:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
ومنهن أم عنيس «2» أمة لبني زهرة، وكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، فما استطاع أن يفتنها عن دينها.
(1) بكسر الزاي، وتشديد النون المكسورة، فتحتية، فراء كسكّينة كما في القاموس وكذلك قال في الإصابة، ويقال: زنبرة بفتح الزاي وسكون النون فمواحدة كما في الاستيعاب (شرح المواهب، ج 1 ص 320) .
(2)
أم عنيس: بعين مهملة مضمومة فنون فياء على صيغة المصغر، وقيل: بباء مواحدة، فتحتية، فسين مهملة.