الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما علمناه، وصدقوا، فإنهم لم يعلموه، وأما المسلمون فصار بعضهم ينظر إلى بعض ولا يتكلم، ثم قام المشركون وفيهم الحارث بن هشام المخزومي وفي رجليه نعلان جديدان، فقال كعب: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فخلعهما الحارث من رجليه، ثم رمى بهما إلى كعب، وأقسم عليه لينتعلنّهما، فقال أبو جابر: مه، أحفظت والله- الفتى، فاردد إليه نعليه، فقال: والله لا أردهما، فأل- والله- صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنّه.
ثم ذهب المشركون إلى عبد الله بن أبي، فقالوا له مثل ما قالوا للخزرج، فقال لهم: والله إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوّتوا علي بمثل هذا وما علمته كان، فانصرفوا عنه.
تأكد قريش من صدق الخبر وطلبهم الأنصار
ثم نفر الناس من منى، وتنطّس»
المشركون من أهل مكة الخبر فوجدوه صادقا، فخرجوا في طلب الأنصار ولكنهم كانوا قد فاتوهم، ولم يدركوا إلا سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله «2» ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته «3» ، وكان ذا شعر غزير، وقد بقي في أيديهم يلكمه اللاكم، ويضربه الضارب، حتى هتف باسم رجلين من أشراف قريش كان يجير لهما تجارتهما إذا مرّت بالمدينة، ويمنعهم من ظلمهم، فجاا إليه فخلّصاه من أيديهم، فانطلق وقد سلمت له نفسه راجعا إلى المدينة.
إسلام عمرو بن الجموح
لما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة
(1) تنطس الخبر: أكثر من البحث عنه، والتنطّس: تدقيق النظر، ومنه الطبيب النطاسي أي البارع بعيد النظر.
(2)
النسع: الشراك الذي يشد به الرحل.
(3)
الجمة: ما يصل من الشعر إلى المنكبين، والمراد أنهم يشدونه من شعره.
أظهروا الإسلام بها، وكان في قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك، منهم: عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له «مناة» كما كان الأشراف يصنعون، فلما أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ ومعاذ بن جبل، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو هذا فيحملونه، فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكّسا على رأسه، فإذا أصبح قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله، وطيّبه، وطهّره، ثم قال: والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه.
فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله، ويطيّبه، ويطهره. ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك.
فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطيّبه، ثم جاء بسيفه، فعلّقه عليه، ثم قال له: إني والله لا أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه.
ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من ابار بني سلمة فيها عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه، فجعل يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميت، فلما راه أبصر شأنه وبان له صوابه، ورجع إليه عقله، وعلم أنها أصنام لا تضر ولا تنفع، فما إن كلّمه من أسلم من قومه حتى أسلم، وحسن إسلامه وقال- حين استبان له الرشد- يذكر صنمه هذا وما كان من أمره، ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلها لم تكن
…
أنت وكلب وسط بئر في قرن «1»
(1) القرن: الحبل.