الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وخديجة بنت خويلد «1» ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد «2» على سائر الطعام» .
وفاء الرسول لها بعد وفاتها
وإذا كان الرسول الكريم قد وفى لها في حياتها بحسن العشرة، وكريم الصحبة، والحرص على تطييب نفسها بعدم الزواج عليها، فقد وفى لها بعد وفاتها، فقد كان دائم الذكر لها، والإشادة بفضائلها والترحم عليها، والإحسان إلى صديقاتها، وإكرام كل من يمت بسبب إليها «3» ، وإذا جاز أن يضيع المعروف عند الناس فهو لا يضيع قط عند معلّم الناس الخير، وصانع المعروف، وهو القائل:«من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، وإلا فادعوا له» «4» وإذا كان رسول الله وفى لمن لم يستحق الوفاء، فكيف بمن هي أهل للوفاء؟! فلا عجب إذا كان وفاؤه للسيدة خديجة منقطع النظير.
ففي غزوة بدر الكبرى أسر السيد الجليل أبو العاص بن الربيع صهر الرسول، وزوج ابنته السيدة زينب رضي الله عنها، فأرسلت السيدة الوفية زوجته فداء له، وفيه قلادة كانت قلّدتها بها والدتها السيدة خديجة ليلة زفافها، فلما راها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لها رقة شديدة، وقال لأصحابه «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها قلادتها فافعلوا» ، فما كان من أصحابه إلا أن استجابوا، وكيف لا يستجيبون إلى نداء القلب المشوق، الذي أهاجته الذكرى وهم ذوو الحس المرهف، والشعور الرقيق والأدب العالي!!.
(1) من الموافقات اللطيفة التي جمعت الثلاث في نسق واحد أن كل واحدة منهن كفلت نبيا مرسلا، وأحسنت صحبته، وامنت به، فاسية ربّت موسى، وأحسنت إليه، وصدّقت به حين بعث، ومريم كفلت عيسى وربّته وصدّقت به حين أرسل، وخديجة رغبت في النبيّ وواسته بنفسها ومالها، وأحسنت صحبته، وكانت أول من صدّقه حين نزل عليه الوحي.
(2)
الثريد: الفت باللحم وكان عند العرب من أطيب الأطعمة.
(3)
بقرابة.
(4)
رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح بلفظ «من صنع» .
وقد كان ذكره صلى الله عليه وسلم الدائم لخديجة، وثناؤه عليها يثير غريزة الغيرة في نفس عائشة، فتنال منها، ولكن رسول الله كان يقسو عليها في الرد، مما جعلها تؤلي على نفسها ألا تعود. روى الإمام أحمد والطبراني بسندهما عن عائشة- رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام، فأخذتني الغيرة، فقلت:
هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب ثم قال:«والله ما أبدلني خيرا منها، امنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها» ، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبة أبدا) !! وروى نحوه البخاري.
ولم يقف الوفاء عند ذكرها، بل كان يحب حبيباتها، ويصلهن، فكان يذبح الشاة، ويقطّعها، ويقول:«أرسلوا إلى صديقات خديجة» رواه البخاري.
وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فيذكره صوتها بصوت خديجة، وحديثها العذب، وأيامها الحلوة، فيهش لها، وترتاح نفسه لذلك، وتشرق أسارير وجهه «1» .
وجاءته ذات يوم امرأة عجوز من صويحباتها فأحسن لقاءها، وصار يسأل عن أحوالها، وما صارت إليه، فقالت عائشة لما خرجت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: «إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» رواه الحاكم، والبيهقي في الشعب. فلله هذه السيدة العاقلة الطاهرة، التي لها دين كبير في عنق كل مسلم ومسلمة.
(1) صحيح البخاري- كتاب- الفضائل باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها.