الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الدين، وأن يؤمهم في الصلاة، وذلك أن الأوس والخزرج كره كل منهم أن يؤمه الاخر، وكان يسمى بالمدينة «المقرىء» و «القارىء» ، وكان نزوله بالمدينة على السيد الصحابي الجليل السابق إلى الخير سيد الخزرج، ونقيب بني النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن أبي أمامة.
نجاح مصعب في مهمته
وقد نجح داعية الإسلام بالمدينة في إسلام الكثيرين من أهلها، ومن أجلّهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير «1» ، وبإسلامهما أسلم الكثيرون من بني عبد الأشهل وغيرهم، وإليك قصة مصعب معهما، فإن فيها أسوة حسنة لكل داع إلى الله، وإلى الإسلام بإخلاص وعقيدة، وتفان في سبيل الدعوة.
ذلك أن مصعب بن عمير نزل على أسعد بن زرارة سابق الأنصار إلى الإسلام، فخرج أسعد بمصعب يريد دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، فدخل به أسعد حائطا «2» من حيطان بني ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم، وكان سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير سيّدي قومهما من بني عبد الأشهل، وكانا مشركين على دين قومهما، فلما سمعا بمصعب بن عمير ونشاطه في الدعوة إلى الإسلام قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما.
فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل عليهما، فلما راه أسعد بن زرارة
- الإيذاء، والضيق، والتقشف، ورثاثة الحال، فلا تعجب إذا كان رسول الله إذا راه بكى لحاله، وقد شهد بدرا، واستشهد بأحد لما حمى رسول الله بنفسه، ولما مات كان عليه ثوب إن «غطّوا به رأسه تبدّت رجلاه، وإن غطّوا به رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله: غطّوا رأسه وضعوا على رجليه الإذخر» ، فرضي الله عنه وأرضاه.
(1)
بالتصغير فيهما.
(2)
حائطا: بستانا.
قال: هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه، فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما تسفّهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب بلسان المؤمن الهادىء الواثق من سماحة دعوته: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟!
قال أسيد: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القران، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي، فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه وتشهّد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكم الان: سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم!! فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال:
كلمات الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك «1» .
فقام سعد مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من أمر بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما سعد فوجدهما مطمئنين، فعرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره وكان أسعد قد قال لمصعب: لقد جاءك- والله-
(1) كان غرض أسيد إثارة حمية سعد ليقوم ويذهب إلى أسعد وصاحبه مصعب، ويسمع منه.
سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلّف منهم اثنان، فقال له مصعب:
أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ القران، وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول سورة الزخرف، قالا:
فعرفنا- والله- في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم، ودخلتم في هذا الدين؟
قالا: تغتسل، فتطّهر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين، فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما راه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا:
سيدنا وأفضلنا رأيا وأيماننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات، إلا ما كان من الأصيرم «1» وهو عمرو بن ثابت بن وقش «2» ، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم، واستشهد بأحد، ولم يصلّ لله سجدة قط، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.
وقد روى ابن إسحاق- بإسناد حسن- عن أبي هريرة أنه كان يقول:
«حدّثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ صلاة قط، فإذا لم يعرفه الناس قال
(1) بصاد مهملة تصغير أصرم، وبه كان يلقب أيضا، وقيل: أصرم، وقدمه البعض على المصغّر.
(2)
بفتح الواو وسكون القاف، وشين معجمة، ويقال: أقيش، وقد ينسب إلى جده فيقال: ابن أقيش.