الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ [61 ظ] السَّعْىِ إِلَيْهِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَيَعْتَمِرُ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أجزَأَ عَنْهُ وَإنْ عُوفِىَ.
ــ
و [تُصادِفَ وَقْفَتُه](1) الجُمُعَةَ، ويُكْمِلَ اللهُ دِينَه. ويُقالُ: إنَّه اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أعْيادُ أهْلِ كلِّ دينٍ، ولم يَجْتَمِعْ قبلَه ولا بعدَه. فأمّا تَسْمِيَةُ فِعْل الحَجِّ قَضاءً، فإنَّه يُسَمَّى بذلك، قال اللهُ تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (2). وعلى أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الوُجُوبِ على الفَوْرِ تَسْمِيَةُ الفِعْلِ إذا أخَّرَه قَضاءً، بدَلِيلِ الزَّكاةِ، فإنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، ولو أخَّرَها لا تُسَمَّى قَضاءً، والقَضاءُ الواجِبُ على الفَوْرِ إذا أخَّرَه لا يُقالُ: قضاءُ (3) القَضاءِ. ولو غَلَب على ظَنِّه في الحَجِّ أنَّه لا يَعِيشُ إلى سَنَةٍ أُخْرَى، لم يَجُزْ له تَأْخِيرُه، وإذا أخَّرَه لا يُسَمَّى قَضاءً.
1140 - مسألة: (فإن عَجَز عنه لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، لَزِمَه أن يُقِيمَ مَن يَحُجُّ عنه، ويَعْتَمِرُ مِن بَلَدِه، وقد أجْزَأ عنه وإن عُوفِىَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وُجِدَتْ فيه شرائِطُ وُجُوبِ الحَجِّ، وكان عاجِزًا عنه لمانِعٍ مَأْيُوسٍ مِن زَوالِه، كزَمانَةٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوالُه،
(1) في م: «يصادف وقفة» .
(2)
سورة الحج 29.
(3)
في الأصل: «قضى» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو كان نِضْوَ (1) الخَلْقِ، لا يقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ إلَّا بمَشَقَّةٍ غيرِ مُحْتَمَلةٍ، والشَّيْخُ الفانِى، ونَحْوُهم، متى وَجَد مَن يَنُوبُ عنه في الحَجِّ، وما يَسْتنِيبُه به، لَزِمَه ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال مالكٌ: لا حَجَّ عليه، إلَّا أن يَسْتَطِيعَ بنَفْسِه، ولا أرَى له ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى، قال:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (2). وهو غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّها عِبادَةٌ لا تدْخُلُها النِّيابَةُ مع القُدْرَةِ، فلا تَدْخُلُها مع العَجْزِ، كالصوم والصَّلاةِ. ولَنا، حديثُ أبي رَزِينٍ (3)، حيث أمَرَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَحُجَّ عن أبيه وِيَعْتَمِرَ. وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن خَثْعَمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فرِيضَةَ الله عِلى عِبادِه في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ علي الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال:«نَعَمْ» . وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ. مُتَّفَقٌ عليه (4). وفى لَفْظٍ لمسلمٍ، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيْخٌ كبيرٌ (5) عليه فَرِيضَةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أن يَسْتَوِىَ على ظَهْرِ بَعِيرِه. فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«فَحُجِّى عَنْهُ» . وسُئِلَ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن شَيْخٍ لا يَجِدُ الاسْتِطاعةَ، قال: يُجَهَّزُ عنه.
(1) النَّضو: المهزول.
(2)
سورة آل عمران 97.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 8.
(4)
تقدم تخريجه في 6/ 260.
(5)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّ هذه عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فجاز أن يَقُومَ غيرُ فِعْلِه فيها مَقامَ فِعْلِه، كالصوم إذا عَجَز عنه افْتدَى، بخِلافِ الصلاةِ. ويَلْزَمُه أن يَسْتَنِيبَ على الفَوْرِ إذا أمْكَنَه، كما يَلْزَمُه ذلك بنَفْسِه.
فصل: ويُسْتَنابُ (1) مَن يَحُجُّ عنه مِن حيثُ وَجَب عليه، إمّا مِن بَلَدِه، أو مِن المَوْضِعِ الذي أْيسَرَ (2) فيه، كالاسْتِنابَةِ عن المَيِّتِ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فإن لم يَجِدْ مالًا يَسْتَنِيبُ به، فلا حَجَّ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ العادِمَ [إذا لم يَجِدْ](3) ما يَحُجُّ به، لا يَلْزَمُه الحَجُّ، فالمَرِيضُ أوْلَى. وإِن وَجَد مالًا، ولم يَجِدْ نائِبًا، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَنْبَنِى على الرِّوايَتَيْن في إمْكانِ السَّيْرِ؛ هل هو مِن شَرائِطِ الوجوبِ، أو مِن شَرائِطِ وجُوبِ السَّعْىِ؟ فإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ. ثَبَت الحَجُّ في ذِمَّتِه، يُحَجُّ عنه بعدَ مَوْتِه. وإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ. لم يَجِبْ عليه (4) شئٌ.
(1) بعده في م: «عنه» .
(2)
في م: «يسر» .
(3)
سقط من: م.
(4)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا اسْتَنابَ مَن حَجَّ عنه ثم عُوفِىَ، لم يَجِبْ عليه حَجٌّ آخَرُ. وهذا قولُ إسْحاقَ. وقال الشَّافعيُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وابنُ المُنْذِرِ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ هذا بَدَلُ إياسٍ، فإذا بَرَأ، تَبَيَّنّا أَنَّه لم يَكُنْ مَأْيُوسًا منه، فلَزِمَه الأصْلُ، كالآيِسَةِ تَعْتَدُّ بالشُّهُورِ، ثم تَحِيضُ، يَلْزَمُها العِدَّةُ بالحَيْضِ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كما لو لم يَبْرَأْ، أو نَقُولُ: أدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ بأمْرِ الشَّرْعِ، فلم يَلْزَمْه حَجٌّ ثانٍ، كما لو حَجَّ عن نَفْسِه. ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى إيجابِ حَجَّتَيْن عليه، ولم يُوجِبِ اللهُ عليه إلَّا حَجَّةً واحِدَةً. وقَوْلُهم: لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه. قُلْنا: لو لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه لَما أُبِيحَ له أن يَسْتَنِيبَ، فإنَّه شَرْط لجَوازِ الاسْتِنابَةِ، فأمّا الآيِسَةُ إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، فلا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِها، فإن رَأَتْ دَمًا، فليس بحَيْضٍ، ولا يَبْطُلُ به اعْتِدادُها، لكنْ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، إذا اعْتَدَّتْ سَنَةً ثم عاد حَيْضُها، لم يَبطُل اعْتِدادُها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن عُوفِىَ قبلَ فَراغِ النّائِبِ مِن الحَجِّ، فيَنْبَغِى أن لا يُجْزِئَه الحَجُّ؛ لأنَّه قَدَر علي الأصْلِ قبلَ تَمامِ البَدَلِ، فلَزِمَه، كالصَّغِيرَةِ، ومَن ارْتَفعَ حَيْضُها قبلَ إتْمامِ عِدَّتِها بالشُّهُورِ، وكالمُتَيَمِّمِ إذا رَأى الماءَ في صَلاِته. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، كالمُتَمَتِّعِ إذا شَرَع في الصَّومِ، ثم قَدَر على الهَدْىِ، والمُكَفِّرِ إذا قَدَر على الأصْلِ بعدَ الشُّرُوعِ في البَدَلِ. وإن بَرَأ قبلَ إحْرام النَّائِبِ لم يُجْزِئْه بحالٍ.
فصل: فأَمّا مَن يُرْجَى زَوالُ مَرَضِه، والمَحْبُوسُ، ونَحْوُه، فليس له أن يَسْتَنِيبَ. فإن فَعَل لم يُجْزِئْه وإن لم يَبْرأْ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: له الاسْتِنابَةُ، ويَكُونُ ذلك مُراعًى، فإن قَدَر على الحَجِّ بنَفْسِه، لَزِمَه، وإلَّا أجْزَأه ذلك (1)، كالمَأْيُوسِ مِن بُرْئِه. ولَنا، أنَّه يَرْجُو القُدْرَةَ على الحَجِّ (1) بنَفْسِه، فلم يَكُنْ له الاسْتِنابَةُ، ولا تُجْزِئُه إن فَعَل، كالفَقِيرِ. وفارَقَ المَأْيُوسَ مِن بُرْئِه؛ لأنَّه عاجِزٌ على الإِطْلاقِ، آيِسٌ مِن القُدْرَةِ على الأصْلِ، فأشْبَهَ المَيِّتَ، ولأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الحَجِّ عن الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وهو ممَّن لا يُرجَى منه الحَجُّ بنَفْسِه، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه، إلَّا إذا كان مِثْلَه.
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا القادِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلا يَجُوزُ له (1) أن يَسْتَنِيبَ في الحَجِّ الواجِبِ إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وهو قادِرٌ على الحَجِّ، لا يُجْزِئُ عنه أن يَحُجَّ غيرُه عنه. والحَجُّ المَنْذُورُ كحَجَّةِ الإِسْلامِ [في إباحَةِ الاسْتِنابَةِ عندَ العَجْزِ، والمنعِ منها مع القُدْرَةِ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واجِبَةٌ، فهى كحَجَّةِ الإِسلامِ](2).
فصل: وهل يَصِحُّ الاسْتِئْجارُ على الحَجِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وإسْحاقَ. والثّانِيَةُ، يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَجُوزُ أخْذُ النَّفَقَةِ عليه، فجاز الاسْتِئْجارُ عليه، كبناءِ المساجِدِ والقَناطِرِ. ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُها أن يَكُونَ مُسْلِمًا، فلم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، كالصلاةِ. فأمّا
(1) سقط من: م.
(2)
سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِناءُ المساجِدِ، فيَجُوزُ أن يَقَعَ قُرْبَةً وغيرَ قُرْبَةٍ، فإذا وَقَع بأُجْرَةٍ لم يَكُنْ عِبادَةً ولا قُرْبَةً، وهذا لا يَصِحُّ أن يَقَعِ إلَّا عِبادَةً، ولا يَجُوزُ الاشْتِراكُ في العِبادةِ، فمتى فَعَلَه مِن أجْلِ الأُجْرَةِ خرَج عن كَوْنِه عِبادَةً، فلم يَصِحَّ. ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ أخْذِ النَّفَقَةِ جَوازُ أخْذِ الأُجْرَةِ؛ بدَلِيلِ الإِمامَةِ والقَضاءِ، يَجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليهما مِن بَيْتِ المالِ، وهو نَفَقَةٌ في المَعْنَى، بخِلافِ الأُجْرَةِ. وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّه متى لم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، فلا يَكُونُ إلَّا نائِبًا مَحْضًا، وما يُدْفَعُ إليه مِن المالِ يَكُونُ نَفَقَةً لطَرِيقهِ، فلو ماتَ، أو أُحْصِرَ، أو مَرِض، أو ضلَّ عن الطَّرِيقِ، لم يَلْزَمْه الضمانُ لِما أنْفَقَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إنْفاقٌ بإذْنِ صاحِب المالِ، فأشْبَهَ ما لو أذِن له في سَدِّ بَثْقٍ (1) فَانْبَثَقَ ولم يَنْسَدَّ. فإذا ناب عنه آَخَرُ، فإنَّه يَحُجُّ عنه مِن حيث بَلَغ النّائِبُ الأوَّلُ مِن الطَّرِيقِ، لحُصُولِ قَطْعِ هذه المسافةِ بمالِ المَنُوبِ عنه، فلم يَحْتَجْ إلى الإِنْفاقِ دَفْعَةً أُخْرَى، كما لو حَجَّ بنَفْسِه فماتَ في الطَّرِيقِ، فإنَّه يُحَجُّ عنه مِن حيث انْتَهَى. وما فَضَل معه مِن المالِ رَدَّه،
(1) البثق: مرضع اندفاع الماء من نهر ونحوه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا أن يُؤْذَنَ له في أخْذِه، ويُنْفِقُ عليه بقَدْرِ الحاجَةِ، مِن غيرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وليس له التَّبَرُّعُ بشئٍ منه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له في ذلك. قال أحمدُ، في الذى يَأُخُذُ دَراهِمَ للحَجِّ: لا يَمْشِى، ولا يُقَتِّرُ في النَّفَقَةِ، ولا يُسْرِفُ. وقال في رجل أخَذَ حَجَّةً عن مَيِّتٍ، ففَضَلَتْ معه فَضْلَةٌ: يَرُدُّها، ولا يُناهِدُ (1) أحَدًا إلَّا بقَدْرِ ما لا يَكُونُ سَرَفًا، ولا يَدْعُو إلى طَعامِه، ولا يَتَفَضَّلُ. ثم قال: أمَّا إذا أُعْطِىَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أو كذا وكذا، فقِيلَ له: حُجَّ بهذه. فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وإن فَضَل شئٌ فهو له. وإذا قال المَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّى حَجَّةً بألْفٍ. فدَفَعُوها إلى رجلٍ، فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وما فَضَل فهو له. وإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِئْجارِ على الحَجِّ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ، فيَكُونُ الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، وأنْ يَسْتَأْجِرَ. فإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحُجُّ عنه، أو عن مَيِّتٍ، اعْتَبَرَ فيه شُرُوطَ الإِجارَةِ، وما يَأْخُذُه (2) أُجْرَةً، يَمْلِكُه، ويُباحُ له التَّصَرُّفُ فيه، والتَّوَسُّعُ في النَّفَقَةِ وغيرِها، وما فَضَل فهو له. وإن أُحْصِرَ، أو ضَلَّ عن الطَّرِيقِ، أو ضاعتِ النَّفَقَةُ منه، فهو مِن ضَمانِه، وعليه الحَجُّ. وإن مات انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كما لو ماتَتِ البَهِيمَةُ المُسْتَأْجَرَةُ، ويَكُونُ الحَجُّ أيضًا مِن المَوْضِعِ الذى بَلَغ إليه، وما لَزِمَه مِن الدِّماءِ، فعليه؛ لأنَّ الحَجَّ عليه.
(1) تناهد الرفقة في السفر: أخرجوا من النفقة بالسوية.
(2)
في م: «يأخُذُ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والنّائِبُ غيرُ المُسْتَأْجَرِ، فما لَزِمَه مِن الدِّماءِ بفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فعليه في مالِه؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في الجِنايَةِ، فكانَ مُوجبُها عليه، كما لو لم يَكُنْ نائِبًا، ودَمُ المُتْعَةِ والقِرانِ، إن لم يُؤذَنْ له فيهما، عليه؛ لأنَّه كجِنايَتِه. وإن أُذِنَ له فيهما، فالدَّمُ على المُسْتَنِيبِ؛ لأنَّه أذِنَ له (1) في سَبَبِهما، ودَمُ الإِحْصارِ على المُسْتَنِيب؛ لأنَّه للتَّخَلُّصِ مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ، فهو كنَفَقَةِ الرُّجُوعِ. فإن أفْسَدَ حَجَّه، فالقَضاءُ عليه، ويَرُدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّ الحَجَّةَ لم تُجْزِئْ عن المُسْتَنِيبِ؛ لتَفْرِيطِه وجِنايَتِه. وكذلك إن فاتَه الحَجُّ بتَفْرِيطِه. وإن فات بغيرِ تَفْرِيطٍ، احْتُسِبَ له بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفُتْ بفِعْلِه، فلم يَكُنْ مُخالِفًا، كما لو مات. وإن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، فهو عليه في مالِه، كما لو دَخَل في حَجٍّ ظنَّ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ عليه، وفاتَه.
فصل: وإذا سَلَك النّائِبُ طَرِيقًا يُمْكِنُه سُلُوكُ أقْرَبَ منه بغيرِ ضَرَرٍ، ففاضِلُ النَّفَقَةِ في مالِه. وإن تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُه تَرْكُها فكذلك. وإن أقامَ بمَكَّةَ أكْثرَ مِن مُدَّةِ القَصْرِ، بعدَ إمْكانِ السَّفَرِ للرُّجُوعِ، أنْفَقَ مِن مالِه؛ لأنَّه غيرُ مَأْذُونٍ له فيه. فإن لم يُمْكِنْه الخرُوجُ قبلَ ذلك، فله النَّفَقَةُ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه، وله نَفَقَةُ الرُّجُوعِ، وإن طالَتْ إقامَتُه بمَكَّةَ، ما لم يَتَّخِذْها دارًا، فإنِ اتَّخَذَها دَارًا، ولو ساعَةً، لم يَكُنْ له نَفَقَةٌ لرُجُوعِه؛ لأنَّه صار بنيَّةِ الإِقامَةِ مَكِّيًّا، فسَقَطَتْ نَفَقَتُه، فلم تُعَدَّ. وإن مَرِض في الطَّرِيقِ،
(1) سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعاد [فله نَفَقَةُ رُجُوعِه؛ لأنَّه لا بُدَّ له منه، وقد حَصَل بغيرِ تَفْرِيطِه، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ عليه الطَّرِيقُ](1)، أو أُحْصِرَ. وإن قال: خِفْتُ المرَضَ، فرَجَعْتُ. فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَوَهِّمٌ. وعن الإِمامِ أحمدَ، رحمه الله، في مَن مَرِض في الكُوفَةِ، فرَجَعَ: يَرُدُّ جَمِيعَ ما أخَذَ. وفى جَمِيعِ ذلك إذا أذِنَ له في النَّفَقَةِ، فله ذلك؛ لأنُّ المالَ للمُسْتَنِيبِ، فجاز ما أذِنَ فيه. وإن شَرَط أحَدُهما أنَّ الدِّماءَ الواجِبَةَ عليه على غيرِه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ ذلك مِن مُوجِباتِ فِعْلِه، أو الحَجِّ الواجِبِ عليه، فلم يَصِحَّ شَرْطُه على غيرِه، كما لو شَرَطَه على أجْنَبِيٍّ.
فصل: يَجُوزُ أن يَنُوبَ الرجلُ عن الرجلِ والمرأةِ، والمرأةُ عن المرأةِ والرجلِ في الحَجِّ، في قولِ عَوامِّ أهْلِ العِلْمِ. لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا الحسنَ بنَ صالِحٍ، فإنَّه كَرِه حَجَّ المرأةِ عن الرجلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه غَفْلَةٌ عن ظاهِرِ السُّنَّةِ، فإنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ المرأةَ الخَثْعَمِيَّةَ أن تَحُجَّ عن أبيها (2). وعليه يَعْتَمِدُ مَن أجاز حَجَّ المَرْءِ عن غيرِه. وفى البابِ حديثُ أبي رَزِينٍ (3)، وأحادِيثُ سِواه.
فصل: ولا يَجُوزُ الحَجُّ والعُمْرَةُ عن حَيٍّ إلَّا بإذْنِه، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فلم تَجُزْ عن البالِغِ العاقِلِ بغيرِ إذْنِه، كالزكاةِ. فأمّا المَيِّتُ فيَجُوزُ عنه بغيرِ إذْنٍ، واجِبًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّ
(1) سقط من: الأصل.
(2)
تقدم تخريجه في 6/ 260.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 8.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بالحَجِّ عن المَيِّتِ، وقد عَلِم أنَّه لا إذْنَ له، وما جاز فَرْضُه جاز نَفْلُه، كالصَّدَقَةِ. فعلى هذا كلُّ ما يَفْعَلُه النّائِبُ عن المُسْتَنِيب ممّا لم يُؤْمَرْ به، مثلَ أن يُؤْمَرَ بحَجًّ فيَعْتَمِرَ، أو بعُمْرَةٍ فيَحُجَّ، يَقَعُ عن المَيِّتِ؛ لأنَّه يَصِحُّ عنه مِن غيرِ إذْنِه، ولا يَقَعُ عن الحَىِّ؛ لعَدَمِ إذْنِه فيه، ويَقَعُ عمَّن فَعَلَه، لأنَّه لمّا تَعَذَّرَ وُقُوعُه عن المَنْوِىِّ عنه، وَقَع عن نَفْسِه، كما لو اسْتَنابَه رجلان، فأحْرَمَ عنهما جميعًا، وعليه رَدُّ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما أُمِرَ به، فأشْبَهَ ما لو لم يَفْعَلْ شَيْئًا.
فُصُولٌ في مُخالَفَةِ النّائِبِ:
إذا أمَرَه بحَجٍّ، فَتَمَتَّعَ أو اعْتَمَرَ لنَفْسِه مِن المِيقاتِ، ثم حَجَّ، نَظَرْتَ؛ فإن خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ منه بالحَجِّ، جاز، ولا شئَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وإن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، فعليه دَمٌ؛ لتَرْكِ مِيقاتِه، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ الحَجِّ فيما بينَ المِيقاتِ ومَكَّةَ. وقال القاضى: لا يَقَعُ فِعْلُه عن الآمِرِ، ويَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بغيرِ ما أُمِرَ به. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّه أحْرَمَ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فقد أتى بالحَجِّ صَحِيحًا مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ ما لو لم يُحْرِمْ بالعُمْرَةِ، وإن أحْرَمَ به مِن مَكَّةَ، فما أخَلَّ إلَّا بما يَجْبُرُه الدَّمُ، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُه، كما لو تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه. فإن أمَرَه بالإِفْرادِ فَقَرنَ، لم يَضْمَنْ شَيْئًا. وهو مَذْهَبُ (1) الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ (2)؛
(1) في م: «قول» .
(2)
في الأصل: «لا يضمن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه مُخالِفٌ. ولَنا، أنَّه أتى بما أُمِرَ به وزيادَةٍ، فصَحَّ [ولم يَضْمَنْ](1)، كما لو أمَرَه بشِراءِ شاةٍ بدِينارٍ، فاشْتَرى به شاتَيْن تُساوِى إحْداهما دِينارًا. ثم إن كان أمَرَه بالعُمْرَةِ بعدَ الحَجِّ، ففَعَلَها، فلا شئَ عليه، وإن لم يَفْعَلْ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِها.
فصل: فإن أمَرَه بالتَّمتُّعِ، فقَرَنَ، وَقَع عن الآمِرِ؛ لأنَّه أمَرَ بهما، وإنَّما خالَفَ في أنَّه أمَرَه بالإِحْرامِ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ، فأحْرَمَ به مِن المِيقاتِ. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَرُدُّ شَيْئًا مِن النَّفَقَةِ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وقال القاضى: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّ غَرَضَه في عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وقد خالَفَه في ذلك وفَوَّتَه عليه. فإن أفْرَدَ وَقَع عن المُسْتَنِيبِ أيضًا، ويَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أخَلَّ بالإِحْرامِ بالعُمْرَةِ مِن المِيقاتِ، وقد أمَرَه به، وإحْرامُه بالحَجِّ مِن المِيقاتِ زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به شَيْئًا.
فصل: فإن أمَرَه بالقِرانِ فأفْرَدَ أو تَمَتَّعَ، صَحَّ، ووَقَع النُّسُكان عن الآمِرِ، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ النُّسُكِ الذى تَرَكَه مِن المِيقاتِ. وفى جَمِيعِ ذلك، إذا أمَرَه بالنُّسُكَيْن، ففَعَلَ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك، ووَقَع المفْعُولُ عن الآمِرِ، وللنّائِبِ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِه.
فصل: وإنِ اسْتَنابَهُ رجلٌ في الحَجِّ، و (2) آخَرُ في العُمْرَةِ، وأذِنا
(1) سقط من: م.
(2)
في الأصل: «أو» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له في القِرانِ، ففَعَلَ، جاز؛ لأنَّه نُسُكٌ مَشْرُوعٌ. وإن قَرَن مِن غيرِ إذْنِهما، صَحَّ، ووَقَع عنهما، ويَرُدُّ مِن نَفَقَةِ كلَّ واحِدٍ منهما نصْفَها؛ لأنَّه جَعَل السَّفَرَ عنهما بغيرِ إذْنِهما. وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ على غيرِ الآمِرِ نِصْف نَفَقَتِه (1) وحْدَه. وقال القاضى: إذا لم يَأْذَنا (2) له، ضَمِن الجميعَ؛ لأنَّه أُمِرَ بنُسُكٍ مُفْرَدٍ، ولم يَأْتِ به، فكانَ مُخالِفًا، كما لو أُمِرَ بحَجٍّ فاعْتَمَرَ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، وإنَّما خالَفَ في صِفَتِه، لا في أصْلِه، أشْبَهَ مَن أُمِرَ بالتَّمتُّعِ فَقَرنَ (3). ولو أُمِرَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فقَرَنَ بينَه وبينَ النُّسُكِ (4) الآخَرِ لنَفْسِه، فالحُكْمُ فيه كذلك. ودَمُ القِرانِ علِى النّائِبِ إذا لم يُؤْذَنْ له فيه؛ لعَدَمِ الإِذْنِ في سَبَبِه، وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخرِ، فعلى الآذِنِ نِصْفُ الدمِ، ونِصْفُه على النّائِبِ.
فصل: وإن أُمِرَ بالحَجِّ، فحَجِّ، ثم اعْتَمَرَ لنَفْسِه، أو أُمِرَ بالعُمْرَةِ، فاعْتَمَرَ، ثم حَجَّ عن نَفْسِه، صَحَّ، ولم يَرُدَّ شيْئًا مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به على وَجْهِه. وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن مِيقاتٍ (5)، فأحْرَمَ مِن غيرِه، جاز؛ لأنَّهُما سَواءٌ في الإِجْزاءِ. وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن بَلَدِه، فأحْرَمَ مِن المِيقاتِ، جاز؛ لأنَّه الأفْضَلُ. وإن أمَرَه بالإِحْرامِ مِن المِيقاتِ، فأحْرَمَ
(1) في الأصل: «نفقة» .
(2)
في الأصل: «يأذن» .
(3)
سقط من: م.
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
في الأصل: «الميقات» .