الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَا تَلْبَسُ الْقُفازَيْنِ وَالْخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ.
ــ
فصل: ويُستحَبُّ للمَرْأةِ عندَ الإحْرامِ ما يُسْتَحَبُّ للرجلِ؛ مِن الغُسْلِ، والطِّيبِ. قالَتْ عائِشَةُ رَضِىَ اللهُ عنها، كُنّا نَخْرُجُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ والطِّيبِ عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا، سال على وَجْهِها، فيراها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلا يُنْكِرُ عليها (1). والشّابَّةُ والكَبِيرَةُ سَواءٌ في هذا، فإنَّ عائِشَةَ كانَتْ شابَّةً. فإن قِيلَ: أليس قد كُرِهَ ذلك في الجُمُعَةِ؟ قُلْنا: لأنَّها في الجُمُعَةِ تَقْرُبُ مِن الرِّجالِ، فيُخافُ الافْتِتانُ بها، بخِلافِ مَسْألَتِنا، ولهذا يَلْزَمُ الحَجُّ النِّساءَ، ولا تَلْزَمُهُنَّ الجُمُعَةُ. وكذلك يُسْتَحَبُّ لها قِلَّةُ الكَلامِ، إلا فيما يَنْفَعُ، والاشْتِغالُ بالتَّلْبِيَةِ وذِكْرِ اللهِ تعالى.
1213 - مسألة: (ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن، ولا الخَلْخالَ، ولا تَكْتَحِلُ بالإِثمِدِ)
القُفّازان شئٌ يُعْمَلُ لليَدَيْن، يُدْخِلُهما فيهما مِن
(1) تقدم تخريجه في صفحة 142.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَرْقٍ، يَسْتُرُهما مِن الحَرِّ، مثْلَ ما يُعْمَلُ للبُزاةِ، يَحْرُمُ على المَرْأةِ لُبْسُه في حالِ إحْرامِها. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وإسْحاقُ. وكان سعدُ بنُ أبِى وَقّاصٍ يُلْبِسُ بَناتِه القُفّازَيْن وهُنَّ مُحْرِماتٌ. ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:«إحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا» (1). ولأنَّه عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُه بغيرِ المَخِيطِ، فجاز سَتْرُه به، كالرِّجْلَيْن. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم، قال:«لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ» . رَواه البخاريُّ (2). وحديثُهم المُرادُ به الكَشْفُ، فأمّا السَّتْرُ بغيرِ المَخِيطِ، فيَجُوزُ للرجلِ، ولا يَجُوزُ بالمَخِيطِ.
(1) تقدم تخريجه في صفحة 235.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 355.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا الخَلْخالُ، وما أشْبَهَه مِن الحَلْىِ، كالسِّوارِ، فظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا أنَّه لا يَجُوزُ لُبْسُه. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقد قال أحمدُ: المُحْرِمَةُ، والمُتوَفَّى عنها زَوْجُها، يَتْرُكان الطِّيبَ والزِّينَةَ، ولهما ما سِوَى ذلك. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمَةِ الحَرِيرَ والحَلْىَ. وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ. ورُوِىَ عن قَتادَةَ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أن تَلْبَسَ المَرْأةُ الخاتِمَ والقُرْطَ وهى مُحْرِمَةٌ، وكَرِهَ السِّوارَيْن والخَلْخالَيْن والدُّمْلُجَيْن (1). وظاهِرُ المَذْهَبِ الرُّخْصَةُ فيه. وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وهو الصَّحِيحُ. قال أحمدُ، في رِوايةِ حَنْبَلٍ: تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ. وقال: عن نافِعٍ، كان نِساءُ ابنِ عُمَرَ وبَناتُهُ يَلْبَسْنَ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ وهُنَّ مُحْرِماتٌ، لا يُنْكِرُ عبدُ اللهِ ذلك.
(1) الدُّمْلُج، والدُّمْلُوج: سوار يحيط بالعضد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عُمَرَ (1)، وفيه:«وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِن ألْوانِ الثِّيَابِ؛ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْيٍ» قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَجُوزُ المَنْعُ منه بغيرِ حُجَّةٍ. ويُحْمَلُ كَلامُ أحمدَ في المَنْعِ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الزِّينَةِ، وشِبْهِه بالكُحْلِ بالإِثْمِدِ. ولا فِدْيَةَ فيه، كما لا فِدْيَةَ في الكُحْلِ. فأمّا لُبْسُ القُفّازَيْن، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّها لَبِسَتْ ما نُهِيَتْ عن لُبْسِه في الإحْرامِ، فَلزِمَتْها الفِدْيَةُ، كالنِّقابِ (2). وقال القاضى: يَحْرُمُ عليها شَدُّ يَدَيْها بخِرْقَةٍ؛ لأنَّة سَتْرٌ ليَدَيْها بما يَخْتَصُّ بها، أشْبَهَ القُفّازَيْن، وكما لو شَدَّ الرجلُ على جَسَدِه شَيئًا. وإن لَفَّتْ يَدَيْها مِن غيرِ شَدٍّ، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ هو اللُّبْسُ، لا تَغْطتُهما، كبَدَنِ الرجلِ.
فصل: والكُحْلُ بالإِثْمِدِ في الإِحْرامِ مَكْرُوهٌ للمَرْأةِ والرجلِ، وإنَّما
(1) حديث ابن عمر تقدم تخريجه في صفحة 358.
(2)
في م: «بالنقاب» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خُصَّتِ المَرْأةُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّها مَحَلُّ الزِّينَةِ، والكراهَةُ في حَقِّها أكْثَرُ مِن الرجلِ. يُرْوَى هذا عن عطاءٍ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بكلِّ كُحْلٍ ليس فيه طِيبٌ. ورَخّصَ فيه مالكٌ في الحَرِّ يَجِدُه (1) المُحْرِمُ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بما لم يُرَدْ به الزِّينَةُ. قِيلَ له: الرجالُ والنِّساءُ؟ قال: نعم. وَوَجْهُ كَراهَتِه ما رُوِىَ عن جابرٍ، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قَدِم مِن اليَمَنِ، فوَجَدَ فاطِمَةَ ممَّن حَلَّ، فلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا، واكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلك عليها، فقالَتْ: أبِى أمَرَنى بهذا. فقالَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ» . رَواه مسلمٌ وغيرُه (2). وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانَتْ مَمْنُوعَةً مِن ذلك. ورُوِىَ عن عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لامْرَأةٍ: اكْتَحلِى
(1) أى في عينيه. انظر المغنى 5/ 156.
(2)
هذا من حديث جابر الطويل، والحديث أخرجه مسلم، في: باب حجة النبى صلى الله عليه وسلم، من كتاب الحج. صحيح مسلم 886/ 2 - 892. وأبو داود، في: باب صفة حجة النبى صلى الله عليه وسلم، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 440 - 443. والنسائي، في: باب الأذان لمن يجمع بين الصلاتين. . . .، من كتاب الأذان. وباب الكراهية في الثياب المصبغة، من كتاب المناسك. المجتبى 13/ 2، 14، 111/ 5. وابن ماجه، في: باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 1024/ 2 - 1026. والدارمى، في: باب في سنة الحاج، من كتاب المناسك. سنن الدارمى 45/ 2 - 49.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الِإثْمِدِ أو الأسْوَدِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الكُحْلَ بالإثْمِدِ مَكْرُوهٌ، ولا فِدْيَةَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ورَوَتْ شُمَيْسَةُ، عن عائِشَةَ، قالَتْ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَىَّ وأنا مُحْرِمَة، فسَألْتُ عائِشَةَ، فقالَتْ: اكْتَحِلِى بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الإثْمِدِ (1). أما إَّنه ليس بِحَرام، ولكنَّه زِينَةٌ، [فنحنُ نكرَهُه] (2). قال الشافعيُّ: إن فَعَلا فلا أعْلَمُ عليهما فيه فِدْيَةً بشئٍ.
فصل: فأمّا الكحْلُ بغيرِ الإثْمِدِ والأسْوَدِ، فلا كَراهَةَ فيه، إذا لم يَكُنْ مُطَيَّبًا؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ عائِشَةَ، وقولِ ابنِ عُمَرَ. وقد روَى مسمٌ (3)، عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ، قال: خَرَجْنا مع أبان بنِ عثمان، حتى إذا كُنّا بِمَلَلٍ (4)، اشْتَكَى عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْه، فأرْسَلَ إلى أبانَ بنِ عثمانَ لِيَسْألَه، فقالَ: اضْمِدْهما بالصَّبِرِ، فإنَّ عثمانَ حَدَّثَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،
(1) أخرجه البيهقى، في: باب المحرم يكتحل بما ليس بطيب، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 63.
(2)
في م: «فيجب تركه» .
(3)
في: باب جواز مداواة المحرم عينيه، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 863.
كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يكتحل المحرم، من محاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 426. والترمذى، في: كتاب ما جاء في المحرم يشتكى. . . .، من أبواب الحج. عارضة الأحوذى 4/ 176. والبيهقى، في: باب المحرم يكتحل بما ليس. . . .، من كتاب الحج. السنن الكبري 5/ 62.
(4)
ملل: موضع على ثمانية عَشَرَ ميلًا من المدينة.