الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ زَوجِهَا، فَإِنْ فَعَلَا، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ، وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنٍ، لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا.
ــ
1136 - مسألة: (وليس للعَبْدِ الإِحْرامُ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، ولا للمَرْأةِ الإِحْرامُ نَفْلًا إلَّا بإذْنِ زَوْجِها)
فإن شَرَعا فيه بغيرِ إذْنٍ (فلهما تَحْلِيلُهما، ويَكُونان كالمُحْصَرِ) وإن كان بإذْنٍ (لم يَجُزْ تَحْلِيلُهما) وجُمْلَتُه أنَّه ليس للعَبْدِ الإِحْرامُ [بدُونِ إذْنِ](1) سَيِّدِه؛ لأنَّه تَفُوتُ به حُقُوقُ سَيِّدِه الواجِبَةُ عليه بالْتِزامِ ما ليس بواجِبٍ، فإن فَعَل، انْعَقَدَ إحْرامُه صَحِيحًا؛ لأنَّها عِبادَة بَدَنِيَّةٌ، فأشْبَهَتِ الصلاةَ والصومَ. ولسَيِّدِه تَحْلِيلُه، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّ في بَقائِه عليه تَفْوِيتًا لحَقِّهِ بغيرِ إذْنِه، فلم يَلْزَمْ ذلك لسَيِّدِه، كالصومِ المُضِرِّ ببَدَنِه. والثانيةُ، ليس له تَحْلِيلُه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ (2) التَّحَلُّلَ مِن تَطَوُّعِ نَفْسِه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِه. والأوَّلُ أصَحُّ. وإنَّما لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ نَفْسِه؛ لأنَّه الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ باخْتِيارِه، فنَظِيرُه أن يُحْرِمَ عبدُه بإذْنِه، وفى مَسْألتنا يَفُوتُ حَقُّه الواجِبُ بغيرِ اخْتِيارِه. فأمّا إن أحْرَمَ بإذْنِ سَيِّدِه،
(1) في م: «إلا بإذن» .
(2)
في م: «يمكن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يَكُنْ له تَحْلِيلُه. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: له ذلك؛ لأنَّه مَلَّكَه مَنافِعَ نَفْسِه، فكانَ له الرُّجُوعُ فيها، كالمُعِيرِ يَرْجِعُ في العارِيَّةِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ عَقَده (1) بإذْنِ سَيِّدِه، فلم يَكُنْ لسَيِّدِه فَسخُه، كالنِّكاحِ، ولا يَلْزَمُ عليه العارِيَّةُ، لأنَّها ليست لازِمَةً. ولو أعارَه شَيْئًا ليَرْهَنَه، فرَهَنَه، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه. فإن باعَه سَيِّدُه بعدَ ما أحْرَمَ، فحُكْمُ مُشْتَرِيه في تَحْلِيلِه حُكْمُ بائِعِه؛ لأنَّه اشتراه مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، أشْبَهَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ والمُسْتَأْجَرَةَ. فإن عَلِم المُشْتَرِى بذلك، فلا خِيارَ له، كما لو اشترَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه، وإن لم يَعْلمْ فله الفَسْخُ، لأنَّه يَتَضَرَّرُ بمُضِىِّ العَبْدِ في حَجِّه لفَوَاتِ منافِعِه، إلَّا أن يَكُونَ إحْرامُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ونَقُولُ: له تَحْلِيلُه. فلا فَسْخَ له؛ لأنَّه يُمْكِنُه دَفْعُ الضَّرَرِ عنه. ولو أذِنَ له سَيِّدُه في الإِحْرامِ، وعَلِم العَبْدُ برُجُوعِه قبلَ إحْرامِه، فهو كمَن لم يُؤْذَنْ له، وإن لم يَعْلَمْ ففيه وَجْهان، بِناءً على الوَكِيلِ؛ هل يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ قبلَ العِلمِ؟ على رِوايَتَيْن.
(1) سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا نَذَر العَبْدُ الحَجَّ، صَحَّ نَذْرُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فصَحَّ نَذْرُه، كالحُرِّ. ولسَيِّدِه مَنْعُه مِن المُضِىِّ فيه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ سَيِّدِه الواجِبَ، فمُنِعَ منه، كما لو لم يَنْذُرْ. ذَكَرَه القاضي، وابنُ حامِدٍ. ورُوِىَ عن أَحمدَ، أَنَّه قال: لا يُعْجِبُنى مَنْعُه مِن الوَفاءِ به. وذلك لِما فيه مِن أداءِ الواجِبِ، فيَحْتَمِلُ أن ذلك على الكَراهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ؛ لِما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لأنَّه واجِبٌ، فلا يَمْلِكُ مَنْعَه منه، كسائِرِ الواجباتَ. والأوَّلُ أوْلَى. فإن أُعْتِقَ، لَزِمَه الوفاءُ به بعدَ حَجَّةِ الإِسْلامِ. فإن أحْرَمَ به أوَّلًا انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، كالحُرِّ إذا نَذَر حَجًّا.
فصلٌ في جِناياتِه: وما جَنَى على إحْرامِه لَزِمَه حُكْمُه. وحُكْمُه فيما يَلْزَمُه حُكْمُ الحُرِّ المُعْسِرِ، فَرْضُه الصيامُ. وإن تَحَلَّلَ بحَصْرِ عَدُوٍّ، أو حَلَّلَه سَيِّدُه، فعليه الصيامُ، لا يَتَحَلَّلُ قبلَ فِعْلِه، كالحُرِّ، وليس لسَيِّدِه أن يَحُولَ بينَه وبينَ الصومِ. نَصَّ عليه، لأنَّه صومٌ واجِبٌ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ. فإن مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له في إهْدائِه، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهو كالواجِدِ (1) للهَدْىِ، لا يَتَحَلَّلُ إلَّا به. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه. ففَرْضُه الصيامُ. وإن أذِنَ له سَيِّدُه في تَمَتُّعٍ أو قِرانٍ، فعليه الصيامُ بَدَلًا عن الهَدْىِ الواجِبِ بهما. وذَكَر القاضي، أنَّ على سَيِّدِه تَحَمُّلَ ذلك عنه؛ لأنَّه بإذْنِه، فكانَ على مَن أذِنَ فيه، كما لو فَعَلَه النّائِبُ بإذْنِ المُسْتَنِيبِ. قال شيخُنا (2): وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ الحَجَّ للعَبْدِ، وهذا مِن مُوجِباتِه، فيَكُونُ عليه، كالمَرْأةِ إذا حَجَّت بإذْنِ زَوْجِها، ويُفارِقُ مَن يَحُجُّ عن غيرِه؛ فإنَّ الحَجَّ للمُسْتَنِيبِ، فمُوجِبُه عليه. وإن تَمَتَّعَ أو قَرَن (3) بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالصيامُ عليه بغيرِ خِلافٍ، وإن أفْسَدَ حَجَّهُ، فعليه أن يَصُومَ لذلك؛ لأنَّه لا مالَ له، فهو كالمُعْسِرِ الحُرِّ.
(1) في م: «كالواجب» .
(2)
في: المغنى 5/ 49.
(3)
في م: «قارن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن وَطِئَ قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، فَسَد نُسُكُه، ويَلْزَمُه المُضِىُّ في فاسِدِه، كالحُرِّ، لكن إن كان الإِحْرامُ مأَذُونًا فيه، فليس لسَيِّدِه إخْراجُه منه؛ لأنَّه ليس له مَنْعُه مِن صَحِيحِه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن فاسِدِه، وإن كان بغيرِ إذْنِه، فله تَحْلِيلُه منه؛ لأنَّ له تَحْلِيلَه مِن صَحِيحِه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالفاسِدُ أوْلَى، وعليه القَضاءُ؛ سَواءٌ كان الإحْرامُ مَأْذُونًا فيه، أو غيرَ مَأْذُونٍ. ويصِحُّ القَضاءُ في حالِ رِقِّه؛ لأنَّه وَجَب فيه، فصَحَّ، كالصلاةِ والصيامِ. ثم إن كان الإِحْرامُ الذي أفْسَدَه مَأْذُونًا فيه، فليس له مَنْعُه مِن قَضائِه؛ لأنَّ إذْنَه في الحَجِّ الأوَّلِ إذْنٌ في مُوجِبِه ومُقْتَضاه، ومِن مُوجِبِه القَضاءُ لِما أفْسَدَه. فإن كان الأوَّلُ غيرَ مَأذُونٍ فيه، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ مَنْعَه مِن قَضائِه؛ لأنَّه واجِبٌ، وليس للسَّيِّدِ مَنْعُه مِن الواجِباتِ، واحْتَمَلَ أنَّ له مَنْعَه منه؛ لأنَّه يَمْلِكُ مَنْعَه مِن الحَجِّ الذي شَرَع فيه بغيرِ إذْنِه، فكذلك هذا. فإن أُعْتِقَ قبلَ القَضاءِ، فليس له فِعْلُه قبلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لأنَّها آكَدُ. فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ، في الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ، وبَقِىَ القَضاءُ في ذِمَّتهِ، وإن عَتَق في أثناءِ الحَجَّةِ الفاسِدَةِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأدْرَكَ مِن الوُقُوفِ ما يُجْزِئُه، أجْزَأه القَضاءُ عن حَجَّةِ الإسْلامِ؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لو كان صَحِيحًا أجْزَأه، فكذلك قَضاؤه. [فإن أُعْتِقَ بعدَ ذلك](1) لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لم (2) يُجْزِئْه، فكذلك القَضاءُ. والمُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ وأُمُّ الوَلَدِ والمُعْتَقُ بَعْضُه، حُكْمُه حُكْمُ القِنِّ فيما ذَكَرْناه.
(1) في الأصل: «وإلا» .
(2)
في الأصل: «لا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن أحْرَمَتِ المَرْأةُ بحَجًّ أو عُمْرَةٍ تَطَوُّعًا، فلِزَوْجِها تَحْلِيلُها ومَنْعُها منه، في ظاهِرِ المَذْهَب. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضي: ليس له تَحْلِيلُها؛ لأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها منه، كالمَنْذُورِ. قال: وحُكِىَ من أحمدَ، في امْرَأةٍ تَحْلِفُ بالصومِ أو بالحَجِّ: لها أن تَصومَ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، قد ابْتُلِيَتْ، وابْتُلِىَ زَوْجُها. ولَنا، أنَّه تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ غَيرِها منها (1)، أحْرَمَت به (2) بغيرِ إذْنِه، فمَلَكَ تَحْلِيلَها، كالأمَةِ إذا أحْرَمَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والمَدِينَةِ تُحْرِمُ بغيرِ إذْنِ غَرِيمِها على وَجْهٍ يَمْنَعه إيفاءَ دَيْنِه الحالِّ عليها. ولأنَّ العِدَّةَ تَمْنَعُ المُضِىَّ في الإِحْرامِ لحَقَّ اللهِ عز وجل، فحَقُّ الآدَمِىَّ أوْلَى؛ لأنَّ حَقَّه أضْيَق؛ لشُحِّه وحاجَتِه، وكَرَمِ اللهِ وغِناه. وكَلام أحمدَ لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ النِّزاعِ، بل قد خالَفَه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أَنَّه في الصومِ، وتَأْثِيرُ الصومِ في مَنْعِ حَقِّ الزَّوْجِ يَسِيرٌ؛ لكَوْنِه في النَّهارِ دونَ اللَّيْلِ. الثّانى، أنَّ الصومَ إذا وَجَب صار كالمَنْذورِ، والشُّرُوغ هَهُنا على وَجْهٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، فلم يَكُنْ له حرْمَةٌ بالنِّسْبَةِ إلى صاحِبِ الحَقِّ.
(1) في م: «منه» .
(2)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كانَتْ حَجَّةَ الإِسْلامِ، لكن إن (1) لم تَكْمُلْ شُرُوطُها لعَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، فله مَنْعُها مِن الخُرُوجِ إليها والتَّلَبُّس بها؛ لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ عليها. فإن أحْرَمَت بها بغيرِ إذْنٍ، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها؛ لأنَّ ما أحْرَمَت
(1) سقط من: م.