الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإنِ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ، فعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَإنْ لَبِس ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
ــ
فإنِ اسْتَدامَ لُبْسَه، فعليه الفِدْيَةُ) إذا أحْرَمَ وعليه قمِيصٌ أو سَراوِيلُ أو جُبَّةٌ، خَلَعَه ولم يَشُقَّه، ولا فِدْيَةَ عليه. وبه قال أكْثرُ أهْلِ العِلْم. وقال بعضُهم: إنَّه يَشُقُّ ثِيابَه؛ لئَلَّا يَتَغَطَّى رأْاسُه حينَ ينزِعُ القَمِيصَ منه. ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أمَيَّةَ، أن رَجلًا أتى النبىَّ صلى الله عليه وسلم، وهو بالجِعْرانَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بالعُمْرَةِ، وعلىَّ هذه الجُبَّةُ. فأمَرَه النبىُّ صلى الله عليه وسلم بخَلْعِها (1). ولو وَجَب شَقُّها، أو وَجَبَتْ عليه فِدْيَة لأمَرَ بها؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. فإنِ اسْتدامَ لُبْسَه، فعليه الفِديَةُ؛ لأنَّ خَلْعَه واجِبٌ؛ لأمْرِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم به، ولأنَّه مَحْظُورٌ مِن مَحْظُوراتِ الإحرامِ، فوَجَبَ عليه دَمٌ لفِعْلِه، كما لو حَلَق رَأْسَه.
1234 - مسألة: (وإن لَبِس ثَوْبًا كان
(2) مُطيَّبًا، فانْقَطَعَ رِيحُ الطّيبِ منه، وكان بحيثُ إذا رُشَّ فيه الماءُ فاحَ رِيحُه، فعليه الفِدْيَةُ) لأنَّه
(1) تقدم تخريجه في صفحة 139.
(2)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُطَيَّبٌ، بدَلِيلِ أنَّ رائِحَتَه تَظْهَرُ عندَ رَشِّ الماءِ، والماءُ لا رائِحَةَ له، وإنَّما
فَصْلٌ: وَكُلُّ هَدْىٍ أَوْ إِطْعَام، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِم، إِلَّا فِدْيَةَ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوَهَا، إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِى الْحِلِّ، فيُفَرِّقُهَا حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا. وَدَمُ الإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ.
ــ
هو مِن الطِّيبِ الذى فيه، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو ظَهَرَتْ بنَفْسِها.
فصلْ: قال رحمه الله: (وكلُّ هَدْىٍ أو إطْعام، فهو لمساكِينِ الحَرَمِ، إذا قَدَر على إيصالِه إليهم، إلَّا فِدْيَةَ الأذَى واللُّبْسِ ونَحْوَها، إذا وُجدَ سَبَبُها في الحِلِّ، فيُفَرِّقُها حيثُ وحدَ سَبَبُها. ودَمُ الإحْصارِ يُخْرِجُه حيثُ أُحْصِرَ) الهَدايا والضَّحايا مُخْتَصَّةٌ بمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (1). وكذلك جَزاءُ المَحْظُوراتِ، إذا فَعَلَها في الحَرَمِ. نَصَّ عليه أحمدُ، رحمه الله، فقالَ: أمّا إذا كان بمَكَّةَ، أو كان مِن الصَّيْدِ، فكلُّه بمَكَّةَ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (2). وذَكَر القاضى في قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفدِى حيثُ قَتَلَه، كحَلْقِ الرَّأُسِ. وهذا يُخالِفُ نصَّ الكِتابِ،
(1) سورة الحج 33.
(2)
سورة المائدة 95.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومَنْصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وما وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ أو فَواتٍ فهو لمساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ، أشْبَهَ دَمَ القِرانِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ، في مَن فَعَل المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه: إنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ.
فصل: وما وَجَب نحْره بالحَرَمِ، وَجَب تَفْرِقَةُ لَحْمِه به. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها في الحَرَمِ، جاز تَفْرِقَةُ لَحْمِها في الحِلِّ. ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فاخْتَصَّ بالحَرَمِ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَبْحِه بالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، ولا يَحْصُلُ بإعْطائِه غيرَهم. والطَّعامُ كالهَدْىِ في اخْتِصاصِه بفُقَراءِ الحَرَمِ، فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: الهَدْىُ بمَكَّةَ، وما كان مِن طَعام أو صِيام، فحيثُ شاء. ويَقْتَضِيه مَذْهبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما: الهَدْىُ والإطْعامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاء. ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المساكِينِ، فاخْتصَّ بالحَرَمِ، كالهَدْىِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَساكِين الحَرَمِ مَن كان فيه مِن أهْلِه، ومَن وَرَد إليه مِنِ الحاجِّ وغيرِهم، وهم الذين تُدْفَع إليهم الزكاة لحاجَتِهم (1). فإن دَفَع إلى فَقِيرٍ في ظَنِّه، فبان غَنِيًّا، خُرِّجَ فيه وَجْهان، كالزكاةِ. وللشافعىِّ فيه قَوْلان. وما جَاز تَفْرِقَتُه بغيرِ الحَرَم، لم يَجُزْ دَفْعُه إلى فقَراءِ أهْلِ الذِّمَّةِ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وجَوًّزه أصحابُ الرَّأُىِ. ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فلم يَجُزْ الدَّفْعُ إليه، كالحَرْبىِّ.
فصل: فإن عَجَز عن إيصالِه إلى فقَراء الحَرَمِ، جاز ذَبْحُه وتَفْرِيقُه في غيرِه، لقَوْلِه سُبْحانَه:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (2). فإن مُنِع النّاذِرُ الوُصُولَ بنَفْسِه، وأمْكَنَه تَنفِيذُه، لَزِمَه. وقال ابن عَقِيلٍ:
(1) في م: «لخاصتهم» .
(2)
سورة البقرة 286.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُخَرَّجُ في الهَدْىِ المَنْذُورِ إذا عَجَز عن إيصالِه رِوايَتان، كدِماءِ الحَجِّ. والصَّحِيحُ الجَوازُ.
فصل: فأمّا فِدْيَة الأذَى، إذا وُجِدَ سَبَبُها في الحِل، فيَجُوزُ في المَوْضِع الذى حَلَق فيه. نصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: لا يَجُوزُ إلَّا في الحَرَمِ؛ لقَوْلِه تعالى: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . ولَنا، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ كَعْبَ بنَ عُجْرةَ بالفِدْيَةِ بالحُدَيْبيِة، وهى مِن الحِلِّ، ولم يَأمُرْه ببَعْثِه إلى الحَرَمِ (1). وروَى الأثْرَم والجُوزْجانىُّ، في كِتابَيْهما، عن أبى أسْماءَ،
(1) حديث كعب بن عجرة تقدم في 2/ 145.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ جعْفَرٍ، رَضِىَ الله عنهما، قال: كُنْتُ مع عثمانَ وعلىِّ وحُسَيْنِ بنِ علىٍّ، رَضِىَ الله عنهم، حُجّاجًا، فاشْتَكَى حُسَيْنُ بنُ علىٍّ بالسُّقْيَا، فأوْمَأ بيَدِه إلى رَأْسِه فحَلَقه علىًّ، ونَحَر عنه جَزُورًا بالسُّقْيا. وهذا لفظُ رِوايَةِ الأثْرَمِ. ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ. والآيَةُ وَرَدَتْ في الهَدْىِ. وحُكْمُ اللُّبْسِ والطِّيبِ حُكْمُ الحَلْقِ إذا وُجِدَ في الحِلِّ. ذَكَرَه القاضى قِياسًا عليه، وقال: فيه وفى الحَلْقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْدِى حيثُ وُجِدَ سَبَبُه، والثّانِيَةُ، مَحِلُّ الجمِيعِ الحَرَمُ. حَكاهما ابنُ أبى موسى في «الإرْشاد» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا دَمُ الإحْصارِ، فيُخْرِجُه حيث إحْصِر؛ مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ. نَص عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. فإن كان قادِرًا على أطرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْره فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه. والثّاني، يَنْحَره في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه (1). وعن أحمدَ، رحمه الله: ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِه إلَّا في الحَرَم، فيَبْعَثُه إلى الحَرَمِ، ويُواطِى رجلًا على نَحْرِه في وَقتِ يَتَحَلَّلُ. وهذا يُرْوَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، لأنَّه أمْكَنَه النَّحْرُ في الحَرَمِ، أشبهَ ما لو حُصِرَ فيه. قال شيخُنا (2): وهذا، والله أعْلَمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، أمّا الحَصْرُ العامُّ فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذرِ الحِل، لِتَعَذرِ وُصُولِ الهَدْىِ إلى مَحلهِ، ولأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم وأصْحابَه نَحَرُوا هَداياهم بالحُدَيْبِيةِ، وهى مِن الحِلِّ. قال
(1) انظر ما أخرجه البيهقى، في: باب المحصر يذبح حيث أحصر، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 317.
(2)
في: المغنى 5/ 197.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البخاريُّ، ومالكٌ (1): إن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابَه حَلَقُوا، وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ، قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ. ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودَ له. ويروَى أن النبى صلى الله عليه وسلم نَحَر هَدْيَه عندَ الشجَرَةِ التى كانَتْ تَحتَها بَيْعَةُ الرضْوانِ. وهي مِن الحِلِّ بِاتِّفاقِ أهْلِ السيرِ والنقْلِ. وقد دَلَّ عليه قَولُه سُبْحانَه:{وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (2). ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نحْرِه، كالحَرَمِ. فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يبلُغ الْهَدْىُ مَحِلهُ} . وقال: {ثم مَحِلهَآ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق} . ولأنَّه ذبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كجَزاءِ الصَّيْدِ. قُلْنا: الآيةُ في حَقِّ غيرِ المُحْصَر، وَلا يُمْكِنُ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِل، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، وكلُّ منهما يَنْحَرُ في مَوْضع تَحَلُّلِه. وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى:{حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} . أى حتى يُذْبَحَ. وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضع حِلِّه؛ اقْتِداءً بالنبىِّ صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه البخارى، في: باب ما يلبس المحرم. . . .، وباب متى يحل المعتمر، وباب من قال ليس عل المحصر بدل، من كتاب الحج. صحيح البخارى 2/ 169، 170، 3/ 7، 12. ومالك، في: باب ما جاء في من أحصر بعدو، من كتاب الحج. الموطأ 1/ 360.
كما أخرجه مسلم، في: باب بيان جواز التحلل بالإحصار، من كتاب الحج. صحح مسلم 2/ 903. وأبو داود، في: باب الإحصار، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 431. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 327.
(2)
سورة الفتح 25.