الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعْهُمَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
ــ
نَصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هذه الأشْياءِ، وألْحَقَ بها أهْلُ العِلْمِ ما في مَعْناه، مِثْلَ الجُبَّةِ، والدُّرّاعَةِ (1)، والتُّبّانِ، وأشْباهِ ذلك. فلا يَجُوزُ للمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِه بما عُمِل على قَدْرِه، ولا سَتْرُ عُضْوٍ مِن أعْضائِه بما عُمِلَ على قَدْرِه، كالقَمِيصِ للبَدَنِ، والسَّراوِيلِ لبعضِ البَدَنِ، والقُفَّازَيْن، لليَدَيْن، والخفَّيْن للرِّجْلَيْن، ونحوِ ذلك. وليس في هذا اخْتِلافٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لايَجُوز لُبْسُ شئٍ مِن المَخِيطِ عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وأجْمَعُوا على أن المرادَ بهذا الذُّكُورُ دُونَ الإِناثِ.
1189 - مسألة: (إِلَّا أن لا يَجِدَ إزارًا، فلْيَلْبَسْ
(2) سَراوِيلَ، أو لا يَجِدَ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ (2) خُفَّيْن، ولا يَقْطَعْهما، ولا فِدْيَةَ عليه) إذا لم يَجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، فله أن يَلْبَسَ سَراوِيلَ، وإذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْن، فله لبْسُ الخفَّيْن. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. والأصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال:
= الدارمى 2/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 3، 4، 29، 32، 41، 47، 54، 63، 65، 66، 73، 77، 74، 81، 111، 119، 139.
(1)
الدراعة: جبة مشقوقة المقدم.
(2)
في م: «فيلبس» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَمِعْتُ النبىَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بعَرَفاتٍ، يَقُولُ:«مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِم» مُتَّفَقٌ عليه (1). ولا فِدْيَةَ عليه في لُبْسِهما عندَ ذلك في قولِ عَطاء، وعِكرِمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا مالكًا، وأبا حنيفةَ، قالا: على مَن لبِس السَّراوِيلَ الفِدْيَةُ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ الذى قَدَّمْناه، ولأنَّ ما وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بلُبْسِه مع وُجُودِ الإِزارِ، وَجَبَتْ مع عَدَمِه، كالقَمِيصِ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، وهو صَرِيحٌ في الإِباحَةِ، ظاهِرٌ في إسْقاطِ الفِدْيَةِ؛ لأنَّه أمَرَ بلُبْسِه، ولم يَذْكُرْ فِدْيَة، ولأنَّه يَخْتَصُّ لُبْسُه بحالَةِ عَدَمِ غيْرِه، فلم تَجِبْ به فِدْيَةٌ، كالخُفَّيْنِ المَقْطُوعَيْن. وحديثُ ابنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بحديثِ ابنِ عباسٍ. وأمّا القَمِيصُ فيُمْكِنُه أن يَأْتَزِرَ به مِن غيرِ لُبْسٍ، ويَحْصُلُ به السَّتْرُ، بخِلافِ السَّراوِيلِ.
(1) أخرجه البخارى، في: باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد نعلين، من كتاب الحج، وفى: باب السراويل، من كتاب اللباس. صحيح البخارى 3/ 20، 7/ 187. ومسلم، في: باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، ومالا يباح. . . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 835. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما يلبس المحرم، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 1/ 424. والترمذى، في: باب ما جاء في لبس السراويل، من أبواب الحج. عارضة الأحوذى 4/ 57. والنسائي، في: باب الرخصة في لبس السراويل لمن لا يجد الإزار، وباب الرخصة في لبس الحفين في الإحرام لمن لا يجد نعلين، من كتاب مناسك الحج، وفى: باب لبس السراويل، من كتاب الزينة. المجتبى 5/ 101، 103، 8/ 181، 182. وابن ماجه، في: باب السراويل والحفين للمحرم إذا لم يجد إزارًا أو نعلين، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 977. والدارمى، في: باب ما يلبس المحرم من الثياب، من كتاب المناسك. سنن الدارمى 2/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 215، 221، 228، 279، 285، 337.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا لَبِس الخُفَّيْن، مع عَدَمِ النَّعْلَيْن، لم يَلْزَمْه قَطْعُهما، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. يُرْوَى ذلك عن علىِّ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ. والرِّوايَةُ الأُخْرَى، أَّنه يَقْطَعُهما حَتَّى يَكُونا أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن. فعلى هذه الرِّوايَةِ، إن لَبسَهما مِن غيرِ قَطْعٍ افْتَدَى. وبه قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:«فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عليه. وهو مُتَضَمِّنٌ لزِيادَةٍ على حديثِ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. قال الخَطّابِيُّ (1): العَجَبُ مِن أحمدَ في هذا، فإنَّه لا يكادُ يُخالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُه، وقَفتْ سُنَّة لم تَبْلُغْه. ووَجْهُ الأُولَي حديثُ ابنِ عباس، وجابِرٍ:«وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفيْنِ» (2). مع
(1) في: معالم السنن 176/ 2، 177.
(2)
حديث ابن عباس تقدم قبل قليل.
وحدث جابر أخرجه مسلم، في: باب ما يباح للمحرم. . . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 836. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 323، 395.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولِ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: وقَطْعُ الخُفَّيْنِ فَسادٌ، يَلْبَسُهما كما هما. مع مُوافَقَةِ القِياسِ، فإنَّه مَلْبُوسٌ أُبِيحَ مع عَدَمِ غَيْرِه، أشْبَهَ السَّراوِيلَ، ولأن قَطْعَه لا يُخْرِجُه عن حالَةِ الحَظْرِ، فإنَّ لُبْسَ المَقْطُوع مُحَرَّمٌ مع القُدْرَةِ على النَّعْلَيْن، كلُبْسِ الصحِيحِ، وفيه إتْلاف مالِه، وقد نَهَى النبىُّ صلى الله عليه وسلم عن إضاعَتِه. فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد قِيلَ: إنَّ قَوْلَه: «فَلْيَقْطَعْهُمَا» . مِن كَلام نافِعٍ. كذلك رُوِىَ في «أمالِى أبى القاسِمِ ابنِ بِشْران (1)» بإسْنادٍ صَحِيحٍ، أنَّ نافِعًا قال بعدَ رِوايَتِه للحديثِ: ولْيَقْطَعِ الخُفَّيْنِ أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن. وروَى ابنُ أبِى موسى، عن صَفِيَّةَ بنتِ أبِى عُبَيْدٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ للمُحْرِمِ أن يَلْبَسَ الخُفَّيْن، ولا يَقْطَعَهما. وكان ابنُ عُمَرَ يُفْتِى بقَطْعِهما. قالَتْ صَفِيَّةُ: فلما أخْبَرْتُه بهذا رَجَع (2). وروَى أبو حَفصٍ، بإسْنادِه،
(1) أبو القاسم عبد الملك بن عمد بن عبد الله بن بشران الأموى، المحدث الثقة، توفى سنة ثلاثين وأربعمائة، ونسخة أماله في الظاهرية. تاريخ التراث العربى 1/ 1/ 478.
(2)
أخرجه أبو داود، في: باب ما يلبس المحرم، من كتاب المناسك. سنن أبى داود 425/ 1. والبيهقى، في: باب ما تلبس المرأة المحرمة من الثياب، من كتاب الحج. السنن الكرى 52/ 5. والإمام أحمد، في: المسند 35/ 6. والحديث في هذه المصادر عن الترخيص للمحرمة أن تلبس خفيها ولا تقطعهما.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «شرحه» عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه طاف وعليه خُفّان، فقالَ له عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: والخُفّانِ مع القَباءِ! فقالَ: قد لَبِسْتُهما مع مَن هو خيْرٌ مِنْكَ (1). يَعْنِي رسولَ صلى الله عليه وسلم. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأمْرُ بقَطْعِهما مَنْسُوخًا، فإن عَمْرَو بنَ دِينارٍ روَى الحديثَيْن جَمِيعًا، وقال: انْظُرُوا أيَّهما كان قَبْلُ. قال الدّارَقُطنِيُّ (2): قال أبو بَكْرٍ النَّيْسابُورىُّ: حديثُ ابنِ عُمَرَ قَبْلُ؛ لأنَّه قد جاء في بعضِ رِواياتِه، قال: نادَى رجلٌ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو في المَسْجِدِ، يعنى بالمَدِينَةِ، فكأنَّه كان قبلَ الإحْرامِ. وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، يَقُولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَخطُبُ بِعَرَفاتٍ يَقُولُ:«مَنْ تمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» (3)، فيَدُلُّ على تَأخُّرِه عن حديثِ ابن عُمَرَ، فيَكُونُ ناسِخًا له، لأنَّه لو كان القَطْعُ واجبًا لبَيَّنَه للنّاسِ، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن. وقْتِ الحاجَةِ إليه، والمَفْهُومُ مِن إطْلاقِ لُبْسِهما لُبْسُهُما على حالِهما، مِن غيرِ قَطْعٍ. قال شيخُنا (4): والأوُلَى قَطْعُهما؛ عَمَلًا بالحديثِ الصَّحِيحِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأخْذًا بالاحْتِياطِ. والذى قالَه صَحِيحٌ.
(1) أخرجه الإِمامِ أحمد في: المسند 1/ 192.
(2)
انظر: سنن الدارقطنى 2/ 130.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 247.
(4)
في: المغنى 5/ 122.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن لَبِس (1) المَقْطُوعَ مع وُجُودِ النَّعْلِ، لم يَجُزْ له، وعليه الفِدْيَةُ. نَصَّ عليه. وبه قال مالكٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لو كان لُبْسُه مُحَرَّمًا وفيه فِدْيَةٌ لَما أُمِرَ بقَطْعِه؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم شَرَط لإباحَةِ لُبْسِهما عَدَمَ النَّعْلَيْن، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع وُجُودِهما، ولأنه مَخِيطٌ لِعُضْوٍ على قدْرِه، فوَجَبَ على المُحْرِمِ الفِدْيَة بلُبْسِه، كالقُفّازَيْن.
فصل: وقِياسُ قولِ أحمدَ في اللَّالِكَةِ (2)، والجُمْجُمِ (3)، ونحوِهما، أنَّه لا يَلْبَسُهما، فإنَّه قال: لا يَلْبَسُ النَّعْلَ التى لها قَيْدٌ. وهذا أشَدُّ منها. وقد قال في رَأْسِ الخُفِّ الصَّغِيرِ: لا يَلْبَسُه. وذلك لأنَّه يَسْتُرُ القَدَمَ، وقد عُمِل لها على قَدْرِها فأشْبَهَ الخُفَّ، فإن عَدِم النَّعْلَيْن، فله لُبْسُ ذلك، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أباحَ لُبْسَ الخُفِّ عندَ ذلك، فما دُونَ الخُفِّ أوْلَى.
فصل: فأمّا النَّعْلُ فيُباحُ لُبْسُها كيفما كانَتْ، ولا
(1) في م: «وجد» .
(2)
اللالكة: النعال المصنوعة من الجلد المدبوغ.
(3)
الجمجم: المداس.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجِبُ قَطْعُ شَئٍ منها؛ لأنَّ إباحَتَها وَرَدَت مُطْلَقًا. ورُوِيَ عن أحمدَ في القَيْدِ في النَّعْلِ: يَفْتَدِى؛ لأنَّنا لا نَعْرِفُ النِّعالَ هكذا. وقال: إذا أحْرَمْتَ فاقْطَعِ المَحْمَلَ الذى على النِّعالِ، والعَقِبَ الذى يُجْعَلُ للنَّعْلِ، فقد كان عطاءٌ يَقُولُ: فيه دَمٌ. وقال ابنُ أبِى موسى في «الإرْشادِ» : في القَيْدِ والعَقِبِ الفِدْيَةُ. والقَيْدُ: هو السَّيْرُ المُعْتَرِضُ على الزِّمامِ. قال القاضى: إنَّما كَرِهَهما إذا كانا عَرِيضَيْن. وهذا هو الصَّحِيحُ، فإنَّه لم يَجِبْ قَطْعُ الخُفَّيْن السّاتِرَيْن للقَدَمَيْن والسَّاقَيْن، فقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أوْلَى أن لا يَجِبَ. ولأن ذلك مُعْتادٌ في النَّعْلِ، فلم يَجِبْ إزالَتُه، كسائِرِ سُيُورِها، ولأنَّ قَطْعَ القَيْدِ والعَقِبِ رُبَّما تَعَذَّرَ معه المَشْىُ في النَّعْلَيْن؛ لسُقُوطِهما بِزَوالِ ذلك، فلم يَجِبْ، كقَطْع القِبالِ (1).
فصل: فإن وَجَد نَعْلًا لم يُمْكِنْه لُبْسُها، فله لُبْسُ الخُفِّ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُه كالمَعْدُومِ، فأشْبَهَ ما لو كانَتِ النَّعْلُ
(1) القبال من النعل: الزمام الذى يكون بين الإصبع الوسطى والتى تليها.