الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ،
ــ
مَوْضِعِه) يَعْنِى إذا كان مَسْكَنُه أقْرَبَ إلى مَكَّةَ مِن المِيقاتِ، كان مِيقاتُه مَسْكَنَه. هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن مُجاهِدٍ، قال: يُهِلُّ مِن مَكَّةَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال في حديثِ ابنِ عباسٍ:«فَمَنْ كَانَ دُونهُنَّ مُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ» . وهذا صَرِيحٌ، فالعَمَلُ به أوْلَى.
فصل: إذا كانْ مَسْكَنُه قَرْيَةً، فالأفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن أْبْعدِ جانِبَيْها. وإن أحْرَمَ مِن أقْرَبِ جانِبَيْها، جاز. وهكذا القولُ في المواقِيتِ التى وَقَّتَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إذا كانت قَرِيبَةً. والحِلَّةُ (1) كالقَرْيَةِ، فيما ذَكَرْنا. وإن كان مَسْكَنُه مُنْفَرِدًا، فمِيقاتُه مَسْكَنُه أو حَذْوُه، وكلُّ مِيقاتٍ فحَذْوُه بمَنْزِلَتِه. ثم إن كان مَسْكَنُه في الحِلِّ، فإحْرامُه منه للحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا، وإن كان في الحَرَمِ، فإحْرامُه للعُمْرَةِ مِن الحِلِّ؛ لِيَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كالمَكِّىِّ، وأمّا الحَجُّ فيَنْبَغِى أن يَجُوزَ له الإِحْرامُ مِن أىِّ الحَرَمِ شاء، كالمَكِّىِّ.
1150 - مسألة: (وأهْلُ مَكَّةَ إذا أرادُوا العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ، وإن
(1) الحلة، بكسر الحاء: القوم النازلون، وتطلق على البيوت مجازًا، وهي مائة بيت فأكثر. المصباح المنير 1/ 179.
وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ.
ــ
أرادُوا الحَجَّ، فمِن مَكَّةَ) أهْلُ مَكَّةَ، مَن كان بها؛ سَواءٌ كان مُقِيمًا بها، أو غيرَ مُقِيمٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن أتَى على مِيقاتٍ كان مِيقاتًا له؛ لِما ذَكَرْنا، فكذلك كلُّ مَن كان بمَكَّةَ فهى مِيقاتُه للحَجِّ. وإن أرادَ العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ولذلك أمَرَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبى بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أن يُعْمِرَ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، مِن التَّنْعِيمِ (1). وكانت بمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، وهذا لقولِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى أَهْلُ
(1) أخرجه البخارى، في: باب كيف تهل الحائض والنفساء. . . .، وباب طواف القارن، من كتاب الحج، وفى: باب حجة الوداع، من كتاب المغازى. صحيح البخارى 2/ 172، 191، 192، 5/ 221. ومسلم، في: باب بيان وجوه الإحرام. . . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 874 - 881. وأبو داود، في: باب في إفراد الحج، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 412 - 414. والنسائي، في: باب في المهلة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 128، 129. والإمام أحمد، في: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» (1). يَعْنى للحَجِّ. وقال أيضًا: «وَمَنْ كَانَ أهْلُهُ دُونَ المِيقَاتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ (2)، حَتَّى يَأْتِىَ ذلِكَ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ» . وهذا في الحَجِّ. فأمّا في العُمْرَةِ فمِيقاتُها في حَقِّهم الحِلُّ، مِن أىِّ جَوانِبِ الحَرَمِ شاءَ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، حينَ أعْمَرَها مِن التَّنْعِيم، وهو أدْنَى الحِلِّ. قال ابنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (3). وقال ابنُ عباسٍ: يا أهْلَ مَكَّةَ، مَن أتَى منكم العُمْرَةَ، فَلْيَجْعَلْ بينَه وبينَها بَطْنَ مُحَسِّرٍ (4). يَعْنِى إذا أحْرَمَ بها مِن ناحِيَةِ المُزْدَلِفَةِ. وإنَّما لَزِم الإِحْرامُ مِن الحِلِّ ليَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، فإنَّه لو أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لَمَا جَمَع بينَهما فيه؛ لأنَّ أفْعالَ العُمْرَةِ كلَّها في الحَرَمِ، بخِلافِ الحَجِّ، فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى الخُرُوجِ إلى عَرَفَةَ؛ ليُجْمَعَ له الحِلُّ والحَرَمُ. ومِن أىِّ الحِلِّ أحْرَمَ، جازَ. وإنَّما أعْمَرَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، مِن التَّنْعِيمَ؛ لأنَّه أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ.
= المسند 3/ 309، 394 عن جابر، وفى: 6/ 243 عن عائشة.
(1)
تقدم تخريجه في صفحة 104.
(2)
في الأصل: «يمشى» .
(3)
أخرجه أبو داود في المراسيل 121.
(4)
بطن مُحَسَّر: هو وادى المزدلفة. معجم البلدان 1/ 667.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد رُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، في المَكِّىِّ: كلَّما تَباعَدَ في العُمْرَةِ فهو أعْظَمُ للأجْرِ، علىْ قَدْرِ تَعَبِها. وأمّا إذا أرادَ المَكِّى الإِحْرامَ بالحَجِّ، فمِن مَكَّةَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمَّا فَسَخُوا الحَجَّ، أمرَهُم فأحْرَمُوا مِن مَكَّةَ. قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه: أمَرَنا النبىُّ صلى الله عليه وسلم أنْ نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنا مِن الأبطَحِ. رَواه مسلمٌ (1). وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بينَ قاطِنِى مَكَّةَ وغيرِهم مِمَّن هو بها، كالمُتَمتِّعِ إذا حَلَّ، ومَن فَسَخ حَجَّهُ بها. ونُقِلَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمه اللهُ تعالى، في مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أنَّه يُهِلُّ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فإنْ لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا أوَّلًا، وقد دُلَّتْ عليه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ أن الدَّمَ يَسْقُطُ عنه إذا خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ، ولا يَسْقُطُ إذا أحْرَمَ مِن مَكَّةَ. وهذا في غيرِ المَكِّيِّ، أمّا المَكِّيُّ فلا يَجِبُ عليه دَمُ مُتْعَةٍ بحالٍ؛ لقولِه تعالى:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (2). وذَكَر القاضى، في مَن دَخَل مَكَّةَ يَحُجُّ عن غيرِه، ثم أرادَ أن يَعْتَمِرَ بعدَه لنَفْسِه، أو بالعَكْسِ،
(1) في: باب بيان وجوه الإحرام. . . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 882. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 318، 378.
(2)
سورة البقرة 196.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو دَخَل بعُمْرَةٍ لنَفْسِه، ثم أرادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لغيرِه، أو دَخَل بعُمْرَةٍ لغيرِه، ثم أرادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لنَفْسِه، أنَّه في جَمِيعِ ذلك يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فيُحْرِمُ منه، فإن لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ. قال: وقد قال الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا اعْتَمَر عن غيرِه، ثم أرادَ الحَجَّ لنَفْسِه، يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، أو اعْتَمَرَ عن نَفْسِه يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فإن دَخَل مَكَّةَ بغَيْرِ إحْرامٍ، ثم أرادَ الحَجَّ يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ. واحْتَجَّ له القاضِى، بأنَّه جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ، غيرَ مُحْرِمٍ لنَفْسِه، فَلزِمَه دَمٌ إذا أحْرَمَ دُونَه، كمَن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ. وعلى هذا لو حَجَّ عن شَخْصٍ واعْتَمَرَ عن آخَرَ، أو اعْتَمَرَ عن إنْسانٍ ثم حَجَّ أو اعْتَمَرَ عن آخَرَ، فكذلك. والذى ذَكَرَه شيخُنا (1) رَحِمَه اللهُ تعالى، أنَّه لا يَلْزَمُه الخُرُوجُ إلى الِمِيقاتِ في هذا كلِّه. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، رَحِمَه اللهُ تعالى؛ لِما ذَكَرْنا؛ لأنَّ كلَّ مَن كان بمَكَّةَ، كالقاطِنِ بها، وهذا قد حَصَل بمَكَّة حَلالًا، على وَجْهٍ مُباحٍ، فأشْبَهَ المَكِّىَّ. وما ذَكَرَه القاضى تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ، والمَعْنَى الذى ذَكَرَه لا يَصِحُّ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه لا يَلْزَمُ أن يَكُونَ مُرِيدًا للنُّسُكِ لنَفْسِه حالَ مُجاوَزَتِه المِيقاتَ؛ لأنَّه قد يَبْدُو له بعدَ ذلك. الثّانِى، أنَّ هذا لا يَتَناوَلُ مَن أحْرَمَ عن غيرِه. الثّالِثُ، أنَّه لو وَجَب بهذا الخُرُوجُ إلى المِيقاتِ، للَزِمَ المُتَمَتِّعَ والمُفْرِدَ؛ لأنَّهما جاوزَا المِيقاتَ غيرَ
(1) انظر المغني 5/ 61.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُريدَيْن للنُّسُكِ الذى أحْرَما به. الرّابعُ، أنَّ المَعْنَى في الذى تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، أنَّه فَعَل ما لا يَحِلُّ له فِعْلُه، وتَرَك الإِحْرامَ الواجِبَ عليه في مَوْضِعِه، فأحْرَمَ مِن دُونِه.
فصل: ومِن أىِّ الحَرَمِ أحْرَمَ بالحَجِّ، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن الإِحْرامِ به منه (1) الجَمْعُ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، وهو حاصِلٌ بالإِحْرامِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كان مِن الحَرَم، فجاز، كما يَجُوزُ الإحْرامُ بالعُمْرَةِ مِن أىِّ مَوْضِعٍ كانَ مِن الحِلِّ، وكَذلك قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه في حَجَّةِ الوَداعِ:«إذَا أرَدْتُمْ أنْ تَنْطَلِقُوا إلَى مِنًى، فأَهِلُّوا مِنَ الْبَطْحَاءِ» (2). ولأنَّ ما اعْتُبِرَ فيه الحَرَمُ اسْتَوَتِ البَلْدَةُ وغيرُها فيه، كالنَّحْرِ.
فصل: وإن أحْرَمَ بالحَجِّ مِن الحِلِّ الذى يَلِى المَوْقِفَ، فعليه دَمٌ؛
(1) في م: «عنه» .
(2)
أخرجه مسلم، في: باب بيان وجوه الإحرام، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 882. والبيهقي، في: باب ما يستحب من الإهلال عند التوجه. . . .، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 31. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 318، 319.