الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِىِّ، وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ، وَالنَّظَرُ فِى الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا.
ــ
في الرجلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْه وهو مُحْرِمٌ، يُضَمِّدُهما بالصَّبِرِ. ففيه دَلِيلٌ على إباحَةِ ما أشْبَهَه، ممّا ليس فيه زِينَة ولا طِيبٌ. وكان إبراهيمُ لا يَرَى بالذَّرُورِ (1) الأحْمَرِ بأْسًا.
فصل: وإذا أحْرَمَ الخُنْثَى المُشْكِلُ، لم يَلْزَمْهُ اجْتِنابُ المَخِيطِ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ كَوْنَه رجلًا. وقال ابنُ المُبارَكِ: يُغَطِّى رَأْسَه ويُكَفِّرُ. قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشُّكِّ، فإن غَطَّى وَجْهَهُ وجَسَدَه، لم يَلْزَمْه فِدْيَةٌ لذلك. وإن جَمَع بينَ تَغْطِيَة وَجْهِه بنِقابٍ أو بُرْقُعٍ، وغَطَّي رَأْسَه، أو لَبِس المَخِيطَ، لَزِمَتْه الفِدْيَةُ؛ لأنُّه لا يَخْلُو أن يَكُونَ رَجُلًا أو امْرأةً، واللهُ أعْلَمُ.
1214 - مسألة: (ويَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْلِيِّ، والخِضابُ بالحِنّاءِ، والنَّظَرُ في المِرْآةِ لهما جَمِيعًا)
لا بَأسَ بما صُبغَ بالعُصْفُرِ؛ لأنَّه
(1) الذرور: ما يذر في العين وعلى الجرح من دواء يابس.
(2)
في: المغنى 5/ 161.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليس بطِيبٍ، ولِا بَأسَ باسْتِعْمالِه وشَمِّه. هذا قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ جَعْفرٍ، وعَقِيلِ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وكَرِهَه مالكٌ، إذا كان يَنْتَفِضُ (1) في جَسَدِه، ولم يُوجِبْ فيه فِدْيَةً. ومَنَع منه الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وشَبَّهُوه بالمُوَرَّسِ والمُزَعْفَرِ؛ لأنَّه صِبْغٌ طيِّبُ الرّائِحَةِ. ولَنا، أنَّ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال في المُحْرِمَةِ:«وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِنْ ألْوَانِ الثِّيابِ؛ مِن مُعَصْفرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْىٍ» . رَواه أبو داودَ (2). وعن عائِشَةَ، وأَسماءَ، وأزْواجِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَهُنَّ كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ (3). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِف لهم مُخالِفًا، ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم يُكْرَهِ المَصْبُوغُ به، كالسَّوادِ.
(1) في الأصل: «ينفض» .
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 358.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 265.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأمّا الوَرْسُ والزَّعْفرانُ، فإنَّه طِيبٌ. ولا بَأسَ بالمُمَشَّقِ، وهو المصْبُوغُ بالمَغْرَة (1)؛ لأنَّه مَصْبُوغٌ بطِينٍ، وكذلك سائِرُ الأصْباغِ، سِوَى ما ذَكرْنا؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ إلَّا ما وَرَد الشَّرْعُ بتَحْرِيمِه، أو ما كان في مَعْناه. وليس هذا كذلك. فأمّا المصْبُوغُ بالرَّياحِينِ، فهو مَبْنىٌّ على الرَّياحِينِ في نَفْسِها، فما مُنِعَ المُحْرِمُ مِن اسْتِعْمالِه مُنِعَ لُبْسَ المصْبُوغِ به، إذا ظَهَرَتْ رائِحَتُه، وإلَّا فلا. إلَّا أنَّه يُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُعَصْفَرِ في غيرِ الإحْرامِ، فكذلك فيه، وقد ذَكَرْنا ذلك في الصلاةِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ أن تَخْتَضِبَ بالحِنّاءِ عندَ الإحْرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن تَدْلُكَ المَرْأةُ يَدَيْها في حِنّاءٍ (2). ولأنَّه مِن الزِّينَةِ، فاسْتُحِبَّ عندَ الإِحْرامِ، كالطِّيبِ، ولا بَأْسَ بالخِضابِ في حالِ إحْرامِها. وقال القاضى: يُكْرَهُ؛ لكَوْنِه مِن الزِّينَةِ، فأشْبَهَ الكُحْلَ بالإثْمِدِ. فإن فَعَلَتْ، ولم تَشُدَّ يَدَيْها بالخِرَقِ، فلا فِدْيَةَ عليها. وبه قال
(1) المَغرَة: الطين الأحمر يُصبغ به.
(2)
أخرجه البيهقى، في: باب المرأة تختضب قبل إحرامها وتمتشط بالطيب، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 48.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وكان مالكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ يَكْرهان الخِضابَ للمُحْرِمَةِ، وألْزَماها الفِدْيَةَ. ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، أنَّه قال: كانَتْ عائِشَةُ، وأزْواجُ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، يَخْتَضِبْن بالحِنّاءِ، وهُنَّ حُرُمٌ. ولا بَأْسَ بذلك للرجلِ فيما لا تَشَبُّهَ فيه بالنِّساءِ؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، وليس ههُنا دَلِيلق يَمْنَعُ، مِن نَصٍّ، ولا إجْماعٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
فصل: ولا بَأْسَ بالنَّظرَ في المِرْآةِ للحاجَةِ، كمُداواةِ جُرْح، أو إزالةِ شَعَرةٍ نَبَتَتْ في عَيْنِه، ونحوِ ذلك ممّا أباحَ الشَّرْعُ له فِعْلَه. وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّهما كانا يَنْظران في المِرْآةِ وهما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحْرِمان. ويُكْرَهُ أن يَنظرُ فيها لإزالَةِ شَعَثٍ، أو تَسْوِيَةِ شَعَرٍ، أو شئٍ مِن الزِّينَةِ. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. قال أحمدُ، رحمه الله: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ في المِرْآةِ، ولا يُصْلِحُ شَعرًا، ولا يَنْفُضُ عنه غُبارًا. وقال أيضًا: إذا كان يُرِيدُ زِينَةً، فلا. قِيلَ: فكيف يُرِيدُ زِينَةً؟ قال: يَرَى شَعَرَةً فَيُسَوِّيها. رُوِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ لأنَّه قد رُوِىَ في حديثٍ: «إنَّ المُحْرِمَ الأشْعَثَ الأغْبَرَ» . وفى آخَرَ: «إنَّ اللهَ يُبَاهِى بِأهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِى، انْظُرُوا إلَى عِبَادِى، قَدْ اتُوْنِى شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ» (1). أو كما جاء. ولا فِدْيَةَ بالنَّظَرَ في المِرْآةِ بحالٍ، وإنَّما ذلك أدَبٌ لا شئَ على فاعِلِه. لا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شيئًا.
فصل: وللمُحْرِمِ أن يَحْتَجِمَ، ولا فِدْيَةَ عليه، إذا لم يَقْطَعْ شَعَرًا، في قولِ الجُمْهُورِ؛ لأنَّه تَداوٍ بإخْراجِ دَمٍ، أشْبَهَ الفَصْدَ، وَبَطَّ الجُرْحِ (2). وقال مالكٌ: لا يَحْتَجِمُ إلَّا مِن ضَرُورَةٍ. وكان الحسنُ يَرَى في الحِجامَةِ
(1) ضاحين: بارزين للشمس.
والحديث أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 2/ 224، 305.
(2)
بطَّ الجُرح: شقه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَمًا. ولَنا، أنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم، احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عليه (1). ولم يَذْكُرْ فِدْيَةً. ولأنَّه لا يَتَرَفَّهُ بذلك، أشْبَهَ شُرْبَ الأدْوِيَةِ. وكذلك الحُكْمُ في قَطْعِ العُضْوِ عندَ الحاجَةِ، والخِتانِ، كلُّ ذلك مُباحٌ مِن غيرِ فِدْيَةٍ، فإن احْتَاجَ في الحِجامَةِ إلى قَطْع شَعَرٍ، فله قَطْعُه؛ لِما روَى عَبْدُ اللهِ اينُ بُحَيْنَةَ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ بِلَحْىِ جَمَلٍ (2)، في طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأسِه. مُتَّفَقٌ عليه (3). ومِن ضَرُورَةِ
(1) أخرجه البخارى، في: باب الحجامة للمحرم، من كتاب المحصر وجزاء الصيد، وفى: باب الحجامة والقئ للصائم، من كتاب الصوم، وفى: باب الحجم في السفر والإحرام، من كتاب الطب. صحيح البخارى 3/ 19، 43، 7/ 161. ومسلم، في: باب جواز الحجامة للمحرم، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 862، 863.
كما أخرجه أبو داود، في: باب المحرم يحتجم، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 426. والترمذى، في: باب كراهية الحجامة للصائم، من أبواب الصوم، وفى: باب ما جاء في الحجامة للمحرم، من أبواب الحج. عارضة الأحوذى 3/ 305، 4/ 69. والنسائي، في: باب الحجامة للمحرم، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 152. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الحجامة للصائم، من كتاب الصيام، وفى: باب الحجامة للمحرم، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 1/ 537، 2/ 1029. والدارمى، في: باب الحجامة للمحرم، من كتاب المناسك. سنن الدارمى 2/ 37. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 215، 346، 344، 333، 315، 292، 286، 248، 244، 236، 222، 221، 351، 372، 374.
(2)
لحى جمل: موضع بين مكة والمدينة. فتح البارى 4/ 51.
(3)
أخرجه البخارى، في: باب الحجامة للمحرم، من كتاب المحصر وجزاء الصيد، وفى: باب الحجامة على الرأس، من كتاب الطب. صحيح البخارى 3/ 19، 7/ 162. ومسلم، في: باب جواز الحجامة للمحرم، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 863.
كما أخرجه النسائي، في: باب حجامة المحرم وسط رأسه، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 153. وابن ماجه، في: باب موضع الحجامة، من كتاب الطب. سنن اين ماجه 2/ 1152. والإمام أحمد، في: المسند 345/ 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك قَطْعُ الشَّعَرِ. ولأنَّه يُباحُ حَلْقُ الشَّعَرِ لِإزَالَةِ أذَى القَمْلِ، فكذلك هذا، وعليه الفِدْيَةُ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ} (1) الآية. ولأنَّه حَلَق شَعَرًا لإِزالَةِ ضَرَرٍ غيرِه، فَلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو حَلَقَه لإِزالَةِ قَمْلِهِ.
فصل: ويَجْتَنِبُ المُحْرِمُ ما نَهاه اللهُ تَعالى عنه، بقَوْلِه:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (2). وهذا صِيغَتُه صِيغَةُ النَّفْىِ، والمُرادُ به النَّهْىُ، كقَوْلِه تعالى:{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} (3). والرَّفَثُ الجِمَاعُ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: الرَّفَثُ، غِشْيانُ النِّساءِ، والتَّقْبِيلُ، والغَمْزُ، وأن يَعْرِضَ لها بالفُحْشِ مِن الكَلامِ.
(1) سورة البقرة 196.
(2)
سورة البقرة 197.
(3)
سورة البقرة 233.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ لَغا الكَلامِ. وأنْشَدَ قولَ العَجَّاجِ (1):
* عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ *
وقِيلَ: الرَّفَثُ هو ما يُكْنَى عنه مِن ذِكْرِ الجِماعِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه أنْشَدَ بَيْتًا فيه التَّصرِيحُ بما يُكْنَى عنه مِن الجِماعِ وهو مُحْرِمٌ (2)، فقِيلَ له في ذلك، فقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما رُوجِعَ به النِّساءُ. وفى لَفْظٍ: ما قِيلَ مِن ذلك عندَ النِّساءِ. وفى الجُمْلَةِ، كلُّ ما فُسَر به الرَّفَثُ يَنْبَغِى للمُحْرِمِ أن يَجْتَنِبَه، إلَّا أنَّه في الجِماعِ أظْهَرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن تَفْسِيرِ الأئِمَّةِ، ولأنَّه قد جاء في مَوْضعٍ آخَرَ، وأُرِيدَ به الجماعُ، وهو قَوْلُه تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (3). أمّا الفُسُوقُ: فهو السِّبابُ؛ لقولي النبىِّ صلى الله عليه وسلم. «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ» .مُتَّفَقٌ عليه (4). وقِيلَ: الفُسُوقُ المعاصِى. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ،
(1) ديوان العجاج 296. وفى اللسان (ل غ ا) 15/ 250، أنه لرؤبة. قال: ونسبه ابن برى للعجاج.
(2)
البيت في الفلائق 4/ 114، واللسان (رف ث) 2/ 154، والتاج (رف ث) 5/ 263 (الكويت). وانظر تفسير الطبرى 4/ 125 - 134.
(3)
سورة البقرة 187.
(4)
تقدم تخريجه في 3/ 39.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابنِ عُمَرَ، وعطاءٍ، وإبراهيمَ. وقالوا أيضًا: الجِدالُ المِراءُ. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه: هو أن تُمارِىَ صاحِبَك حتى تُغْضِبَه. والمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِن ذلك كلِّه، قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدتْهُ أُمُّهُ» . مُتَّفَقٌ عليه (1). وقال مُجاهِدٌ، في قَوْلِه:{وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} . أى: لا مُجادَلَةَ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ له قِلَّةُ الكَلامِ، إلَّا فيما يَنْفَعُ؛ صِيانَةً لنَفْسِه عن اللَّغوِ والوُقُوعِ في الكَذِب وما لا يَحِلُّ، فإنَّ مَن كَثُرَ كَلامُه كَثُرَ سَقَطُه. وعن أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» . مُتَّفَقٌ
(1) أخرجه البخارى، في: باب فضل الحج المبرور، وباب قول الله عز وجل {وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، من كتاب الحج. صحيح البخارى 2/ 164، 3/ 14. ومسلم، في: باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 983، 984.
كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة، من أبواب. الحج. عارضة الأحوذى 4/ 26. والنسائى، في: باب فضل الحج، من كتاب الجج. المجتبى 5/ 85. وابن ماجه، في: باب فضل الحج والعمرة، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 965. والدارمى، في: باب فضل الحج والعمرة، من كتاب المناسك. سنن الدارمى 2/ 31. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 229، 248، 410، 484، 494.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه (1). وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ، تَرْكُه مَا لَا يَعْنِيهِ» (2). قال أبو داودَ: أُصُولُ السُّنَنِ أرْبَعَةُ أحاديثَ، هذا أحَدُها. وهذا في حالِ الإحْرام أشَدُّ اسْتِحْبابًا؛ لأنَّه حالُ عِبادَةٍ واسْتِشْعارٍ بطاعَةٍ، فهو يُشْبِهُ الاعْتِكاَفَ. وقد احْتَجَّ أحمدُ، رحمه الله، على ذلك، بأنَّ شُرَيْحًا، رحمه الله، كان إذا أحْرَمَ كأنَّه حَيَّةٌ صَمّاءُ. فيُسْتَحَبُّ للمُحْرِمِ أن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبيَةِ، وذِكْرِ اللهِ تعالى، وقِراءةِ القرْآنِ، أو أمْرٍ بمَعْرُوفٍ، أو نَهْى عن مُنْكَرٍ، أو تَعْلِيمِ جاهِلٍ، أو يَأْمُرَ بحاجَتِه، أو يَسْكُتَ، فإن تَكَلَّم بما لا إثْمَ فيه، أو أنْشَدَ شِعْرًا لا يَقْبُحُ، فهو مُباحٌ، ولا يُكْثِرُ، فقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان على
ناقَةٍ له (3) وهو مُحْرِمٌ، فجَعَلَ يَقُولُ:
كأنَّ راكِبَها غُصْنٌ بِمَرْوَحَةٍ
…
إذا تَدَلَّتْ به أو شارِبٌ ثَمِلُ (4)
(1) أخرجه البخارى، في: باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، وباب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه. . . .، من كتاب الأدب، وفى: باب حفظ اللسان. . . .، من كتاب الرقاق. صحيح البخارى 13/ 8، 39، 125. ومسلم، في: باب الحث على إكرام الجار. . . .، من كتاب الإيمان، وفى: باب الضيافة ونحوها، من كتاب اللقطة. صحيح مسلم 1/ 68، 3/ 1353. أخرجه أبو داود، في: باب في حق الجوار، من كتاب الأدب. سنن أبي داود 2/ 632. والترمذى، في: باب حدثنا سويد. . . .، من أبواب القيامة. عارضة الأحوذى 9/ 309. والإمام مالك، في: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب، من كتاب صفة النبى صلى الله عليه وسلم. الموطأ 2/ 929. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 174، 267، 433، 31/ 4، 6/ 69، 384، 385.
(2)
تقدم تخريجه في 7/ 628.
(3)
سقط من: م.
(4)
المروحة: المفازة، وهى الموضع الذى تحترقه الريح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهُ أكْبَرُ، الله أكْبَرُ (1). وهذا يدُل على الإباحَةِ. والفَضِيلَةُ ما ذَكَرْناه أوَّلًا، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: ويَجُوزُ للمُحْرِمِ أن يَتَّجِرَ، ويَصْنَعَ الصنَّائِعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: كان ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فلَمّا جاء الإسْلامُ كأنَّهم كَرِهُوا ذلك، حتى نَزَلَتْ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (2). يَعْنِى في مَواسِمِ الحَجِّ (3).
(1) أخرجه البيهقي، في: باب لا يضيق على واحد منهما أن يتكلم بما لا يأثم فيه من شعر أو غيره، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 68.
(2)
سورة البقرة 198.
(3)
أخرجه البخارى، في: باب التجارة أيام الموسم. . . .، من كتاب الحج، وفى: باب ما جاء في قول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} . . . .، وباب الأسواق التى كانت في الجاهلية. . . .، من كتاب البيوع، وفى: باب تفسير سورة البقرة، من كتاب التفسير. صحيح البخارى 2/ 222، 223، 3/ 69، 81، 82، 6/ 34.