الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيُحْرِمُ الصَّبِىُّ الْمُمَيِّزُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ،
ــ
يَسْقُطْ بفَواتِ القُدْرَةِ بعدَه.
فصل: والحُكْمُ في الكافِرِ يُسْلِمُ، والمَجْنُونِ يُفِيقُ، حُكْمُ الصَّبِىَّ يبلُغُ في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ هَذَيْن لا يَصِحُّ منهما إحْرامٌ، ولو أحْرَما لم يَنْعَقِدْ إحْرامُهما؛ لأنَّهُما مِن غيرِ أهلِ العِباداتِ، وحُكْمُهما حُكْمُ مَن لم يُحْرِمْ.
1134 - مسألة: (ويُحْرِمُ الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ بإذْنِ وَلِيِّه، وغيرُ المُمَيِّزِ يُحْرِمُ عنه وَلِيُّه، ويَفْعَلُ عنه
(1) ما يَعْجزُ عنه مِن عَمَلِه) حَجُّ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، وإن لم يَكُنْ مُمَيِّزًا أحْرَمَ عنه وَلِيُّه، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا بذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ورُوِىَ عن عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ إحْرامُ الصَّبِيِّ، ولا يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرامِ وَلِيِّه؛ لأنَّ الإِحْرامَ سَبَبٌ يلْزَمُ به حُكْمٌ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِىِّ، كالنَّذْرِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ صَبِيًّا،
(1) سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، ألِهذا حَجٌّ؟ قال:«نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ» . رَواه مسلمٌ وغيرُه مِن الأَئِمَّةِ (1). وروَى البخارىُّ (2) عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ، قال: حُجَّ بي مع النبىِّ صلى الله عليه وسلم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين. ولأنَّ أبا حنيفةَ قال: يَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ. ومَن اجْتَنَبَ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ كان إحْرامُه صَحِيحًا. والنَّذْرُ لا يَجِبُ به شئٌ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
والكَلامُ في حَجِّ الصّبِىِّ في فُصولٍ أرْبَعَةٍ؛ في الإِحْرامِ عنه أو منه، وفيما يَفْعَلُه بنَفْسِه أو بغيرِه، وفى حُكْمِ جِناياتِه على إحْرامِه، وفيما يَلْزَمُه مِن القَضاءِ والكَفّارَةِ.
الفَصْلُ الأوَّلُ في إحْرامِه: فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، ولا يَصِحُّ
(1) أخرجه مسلم، في: باب صحة حج الصبي، وأجر من حج به، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 974. وأبو داود، في: باب في الصبي يحج، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 403. والنسائي، في: باب الحج بالصغير، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 91، 92. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 219، 288، 244، 343، 344.
(2)
في: باب حج الصبيان، من كتاب الحج. صحيح البخارى 3/ 24.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه عَقْدٌ يُؤَدِّى إلى لُزُومِ مالٍ، فلم يَنْعَقِدْ مِن الصَّبِىِّ بنَفْسِه، كالبَيْعِ. وإن كان غيرَ مُمَيِّزٍ، فأحْرَمَ عنه مَن له وِلايَةٌ على مالِه، كالأبِ والوَصِىِّ وأمِينِ الحاكِمِ، صَحَّ. ومَعْنَى إحْرامِه عنه، أنَّه يَعْقِدُ له الإِحْرامَ، فيَصِحُّ للصَّبِىِّ دُونَ الوَلِىِّ، كما يَعْقِدُ له النِّكاحَ. فعلى هذا يَصِحُّ عَقْدُ الإِحْرامِ عنه، سَواءٌ كان الوَلِىُّ مُحْرِمًا أو حَلالًا، ممَّن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ أو غيرِه. فإن أحْرَمَتْ عنه أُمُّه، صَحَّ؛ لقولِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم:«وَلَكِ أجْرٌ» . ولا يُضافُ الأجْرُ إليها إلَّا لكَوْنِه تَبَعًا لها في الإِحْرامِ. قال الإمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: يُحْرِمُ عنه أبواه (1) أو وَلِيُّه. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وقال: المالُ الذي يَلْزَمُ بالإِحْرامِ لا يَلْزَمُ الصَّبِىَّ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن أدْخَلَه
(1) في م: «أبوه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الإِحْرامِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وقال القاضي: ظاهِرُ كَلام أحمدَ أنَّه لا يُحْرِمُ عنه إلَّا وَلِيُّه؛ لأنَّه لا وِلايةَ للأُمِّ على مالِه، والإِحْرامُ يَتَعَلَّقُ به إلْزامُ مالٍ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ ذِى وِلايَةٍ، كشِراءِ شَئٍ له. فأمّا غيرُ الأُمِّ والوَلِىَّ مِن الأقارِبِ؛ كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، فيُخَرَّجُ فيهم وَجْهان، بِناءً على القولِ في الأُمِّ. أمّا الأجانِبُ فلا يَصِحُّ إحْرامُهم عنه، وَجْهًا واحِدًا.
الفَصْلُ الثَّانِي: أنَّ كلَّ ما أمْكَنَه فِعْلُه بنَفْسِه، لَزِمَه فِعْلُه، ولا يَنُوبُ عنه غيرُه فيه، كالوُقُوفِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، ونحْوِهما، وما عَجَز عنه عَمِلَه الوَلِيُّ عنه. قال جابِرٌ: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُجّاجًا، ومعنا النِّساءُ والصِّبْيانُ، فأحْرَمْنا عن الصِّبْيانِ. رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» . ورَواه ابنُ ماجه (1)، وفيه: فَلبَّيْنا عن الصِّبْيانِ، ورَمَيْنا عنهم. ورَواه التِّرْمِذيُّ (2)، قال: فَكُنَّا نُلَبِّى عن النِّساءِ، ونَرْمِى عن
(1) في: باب الرمى عن الصبيان، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 1010.
(2)
في: باب حدثنا محمَّد بن إسماعيل. . . .، من أبواب الحج. عارضة الأحوذى 4/ 156.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصِّبْيانِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَى الرَّمْىَ عن الصَّبِىِّ الذي لا يَقْدِرُ على الرَّمْىِ، كان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذلك. وبه قال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يُحَجِّجُ (1) صِبْيانَه وهم صِغارٌ، فمَن اسْتَطاعَ منهم أن يَرْمِىَ رَمَى، ومَن لم يَسْتَطِعْ أن يَرْمِىَ رَمَى عنه. وعن أبي إسْحاقَ، أنَّ أبا بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، طاف بابْنِه في خِرْقَةٍ. رَواهما الأثْرَمُ (2). قال الإِمامُ أحمدُ: يَرْمِى عن الصُّبِىِّ أبُوه أو وَلِيُّه. قال القاضي: إنْ أمْكَنَه أن يُناوِلَ (3) النّائِبَ الحَصَا ناوَلَه، وإن لم يُمْكِنْه اسْتُحِبَّ أن تُوضَعَ الحَصَاةُ في يَدِه، ثم تُؤْخَذَ منه فتُرْمى عنه. وإن وَضَعَها في يَدِ الصَّغِيرِ ورَمَى بها، فجَعَلَ يَدَه كالآلَةِ فحسنٌ. ولا يَجُوزُ أن يَرْمِىَ عنه (4) إلَّا مَن قد رَمَى عن نَفْسِه؛
(1) في م: «يحج» .
(2)
الأوَّل أخرجه أبو داود في مسائل أحمد: 116. وأخرج الثاني عبد الرَّزاق، في: باب أي حين يكره الطواف. . . .، من كتاب المناسك. المصنف 5/ 70.
(3)
في الأصل: «يناوله» .
(4)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَنُوبَ عن الغيرِ وعليه فَرْضُ نَفْسِه، كالحَجِّ. وأمّا الطَّوافُ، فإنَّه إن أمْكَنَه المَشْىُ مَشَى، وإلَّا طِيفَ به مَحْمُولًا، أو راكِبًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبي بكرٍ، ولأنَّ الطَّوافَ بالكَبِيرِ مَحْمُولًا لعُذْرٍ يَجُوزُ، فالصَّغِيرُ أوْلَى. ولا فَرْقَ بينَ أن يَكُونَ الحامِلُ له حَلالًا أو حَرامًا، ممَّن أسْقَطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه أو لم يُسْقِطْه؛ لأنَّ الطَّوافَ للمَحْمُولِ لا للحامِلِ، ولذلك صَحَّ أن يَطُوفَ راكِبًا على بَعِيرٍ. وإن طِيفَ به مَحْمُولًا أو راكِبًا، وهو يَقْدِرُ على الطَّوافِ بنَفْسِه، ففيه رِوايَتان، نَذْكُرُهما فيما بعدُ، إن شاء اللهُ تعالى (1). ومتى طاف بالصَّبِىِّ اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِن الطّائِفِ. فإن لم يَنْوِ الطَّوافَ عن الصَّبِىِّ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه لمّا لم تُعْتَبَرِ النِّيَّةُ مِن الصَّبِىِّ اعْتُبِرَت مِن غيرِه، كما في الإِحْرامِ. فإن نَوَى الطَّوافَ عنه وعن الصَّبِىِّ، احْتَمَلَ وُقُوعُه عن نَفْسِه، كالحَجِّ إذا نَوَى عنه وعن غيرِه، واحْتَمَلَ أن يَقَعَ عن الصَّبِىِّ، كما لو طاف بكَبِيرٍ، ونَوَى كلُّ واحِدٍ عن نَفْسِه؛ لكَوْنِ المَحْمُولِ
(1) انظر ما يأتي في 9/ 105.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أوْلَى، واحْتَمَلَ أن يَلْغُوَ لعَدَمِ التَّعْيِينِ؛ لكَوْنِ الطَّوافِ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ. وأمّا الإِحْرامُ فإنَّ الصَّبِىَّ يُجَرَّدُ كما يُجَرَّدُ الكَبِيرُ. وقد رُوىَ عن عائشةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها كانت تُجَرِّدُ الصِّبْيانَ إذا دَنَوْا مِن الحَرَمِ (1). قال عَطاءٌ: يَفْعَلُ بالصَّغِيرِ كما يَفْعَلُ بالكَبِيرِ (2)، ويَشْهَدُ به المَناسِكَ كلَّها إلَّا (3) أنَّه لا يُصَلَّى عنه.
الفَصْلُ الثَّالِثُ في مَحْظُوراتِ الإِحْرامِ: وهي قِسْمان؛ ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كاللِّباسِ والطِّيبِ، وما لا يَخْتَلِفُ، كالصَّيْدِ وحَلْقِ الشَّعَرِ. فالأوَّلُ، لا فِدْيَةَ على الصَّبِىِّ فيه؛ لأنَّ عَمْدَه خَطَأٌ. والثاني، عليه فيه الفِدْيَةُ، وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، ويَمْضِى في فاسِدِه. وفى وجُوبِ القَضاءِ عليه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ؛ لِئَلَّا تَجبَ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ على غيرِ مُكَلَّفٍ. والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّه إفْسادٌ مُوجِبٌ للبَدَنَةِ، فأوْجَبَ القَضاءَ، كَوَطْءِ البالِغِ. فإن قَضَى بعدَ البُلُوغِ بَدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ. فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ قبلَها، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ. وهل تُجْزِئُه عن القَضاءِ؟ يُنْظرُ، فإن كانَتِ الفاسِدَةُ قد أدْرَكَ فيها شَيْئًا مِن الوُقُوفِ بعدَ بُلُوغِه، أجْزَأ عنهما جميعًا، وإلَّا لم يُجْزِئْه، وكذلك حُكْمُ العَبْدِ، واللهُ أعْلَمُ.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في الجزء الملحق 407.
(2)
في م: «الكبير» .
(3)
في م: «لا» .