الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ، وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ.
ــ
صَحَّتِ النِّيابَةُ عنه فيما بَقِىَ مِن النُّسُكِ، سَواءٌ كان إحْرامُه لنَفْسِه أو غيرِه. نَصَّ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فإذا ماتَ بعدَ فِعْلِ بعضِها قَضَى عنه باقِيَها، كالزَّكاةِ.
1143 - مسألة: (فإن ضاق مالُه عن ذلك، أو كان عليه دَيْنٌ، أُخِذَ للحَجِّ بحِصَّتِه، وحُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ)
إذا لم يُخَلِّفِ المَيِّتُ ما يَكْفِى للحَجِّ مِن بَلَدِه، حُجَّ عنه مِن حيث يَبْلُغُ. وإن كان عليه دَيْنٌ لآدَمِىٍّ، تَحاصّا، ويُؤْخَذُ للحَجِّ بحِصَّتِه، فَيُحَجُّ بها من حيث يَبْلُغ. قال الإِمامُ أحمدُ في رجلٍ أوْصَى أن يُحَجَّ عنه، ولا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ؟ قال: يُحَجُّ عنه مِن حيث تَبْلُغُ النَّفَقَةُ للرّاكِبِ مِن غيرِ مَدينَتِه. وذلك لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (1). ولأنَّه قَدَر على أداءِ بعضِ الواجِبِ، فلَزِمَه، كالزكاةِ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الحَجَّ يَسْقُطُ؛ لأنَّه قال في رجلٍ أوْصَى بحَحَّةٍ واجِبَةٍ، ولم يُخَلِّفْ ما يَتِمُّ به حَجُّهُ، هل
(1) تقدم تخريجه في 1/ 363.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُحَجُّ عنه مِن المَدِينَةِ، أو مِن حيث تَتِمُّ الحَجَّةُ؟ فقالَ: ما يَكُونُ الحَجُّ عِنْدِى إلَّا مِن حيث وَجَب عليه. وهذا تَنْبِيهٌ على سُقُوطِه عمَّن عليه دَيْنٌ لا تَفِى تَرِكَتُه به وبالحَجِّ، فإنَّه إذا أسْقَطَه مع عدَمِ المعارِضِ، فمع المُعارَضَةِ بحَقِّ الآدَمِىِّ المُؤكَّدِ أوْلَى. ويَحْتمِلُ أن يَسْقُطَ عمَّن عليه دَيْنٌ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ المُعَيَّنِ أوْلَى بالتَّقْدِيمِ لتَأكُّدِه، وحَقُّه (1) حَقُّ اللهِ تعالى، مع عدَمِ إمْكانِه على الوَجْهِ الواجِبِ.
فصل (2): وإن وَصَّى بحَجِّ تَطَوُّعٍ، ولم يَفِ ثُلُثُه بالحَجِّ مِن بَلَدِه، حُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ، أو يُعانُ به في الحَجِّ. نَصَّ عليه، وقال: التَّطَوُّعُ ما يُبالَى مِن أين (3) كان. ويُسْتَنابُ عن المَيِّتِ ثِقَةٌ بأقَلِّ ما يُوجَدُ، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بزِيادَةٍ، أو يَكُونَ قد أوْصَى بشئٍ، فيَجُوزُ ما أوْصَى به، ما لم [يَزِدْ على](4) الثُّلُثِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَحُجَّ الإِنْسانُ عن اُبَوَيْه، إذا كانا مَيِّتَيْن أو عاجِزَيْن؛ لأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم -أمَرَ أبا رَزِينٍ، فقالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ،
(1) في م: «خفة» .
(2)
في م: «مسألة» . وليس هذا من متن المقنع.
(3)
في م: «حيث» .
(4)
في الأصل: «يرد إلى» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاعْتَمِرْ» (1). وسَألَتِ امْرَأةٌ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن أبِيهَا، مات ولم يَحُجَّ؟ قال:«حُجِّى عَنْ أبِيكِ» (2). ويُسْتَحَبُّ البدَايةُ (3) بالحَجِّ عن الأُمِّ، إن كان تَطَوُّعًا أو واجِبًا عليهما. نَصَّ عليه أحمدُ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ الأُمِّ مُقَدَّمَةٌ في البِرِّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبىِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: مَن أحَقُّ النّاسِ بحُسْنِ صَحابَتِى؟ قال: «أُمُّكَ» . قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ» . قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ» . قال: ثم مَن؟ قال: «أبُوكَ» . مُتَّفَقٌ عليه (4). وإن كان الحَجُّ واجِبًا على الأبِ دُونَها، بَدَأ به؛ لأنَّه واجِبٌ، فكانَ أوْلَى مِن التَّطَوُّعِ. وقد روَى زيدُ بن أرْقَمَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا حَج الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقُبِّلَ مِنْهُ ومِنْهُما وَاسْتَبْشَرَتْ أرْوَاحُهُمَا فِى السَّمَاءِ، وَكُتِبَ عِنْدَ اللهِ بَرًّا» . وعن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبوَيْهِ، أوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا، بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأبْرَار» . وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبِيهِ أوْ أُمِّهِ، فَقَدْ قَضَى عَنْه (5) حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» . رَواهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ (6).
(1) تقدم تخريجه في صفحة 8.
(2)
تقدم تخريجه في 6/ 260.
(3)
في م: «البداءة» .
(4)
تقدم تخريجه في 7/ 94.
(5)
سقط من: الأصل.
(6)
في: باب المواقيت، من كتاب الحج. سنن الدارقطنى 2/ 259، 260. وذكر الهيثمى حديث ابن عباس وقال: رواه الطبرانى في الأوسط، وفيه جبلة بن سليمان، وهو متروك. مجمع الزوائد 8/ 146.
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا؛ وَهُوَ زَوْجُهَا، أو مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا. وَعَنْهُ، أنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأدَاءِ،
ــ
فصل: قال الشيخُ، رحمه الله:(ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الحَجِّ على المَرْأةِ وُجُودُ مَحْرَمِها؛ وهو زَوْجُها، أو مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ مُباحٍ، إذا كان بالِغًا عاقِلًا. وعنه، أنَّ المَحْرَمَ مِن شَرائِطِ لُزُومِ الأداءِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رحمه الله، في وُجُودِ المَحْرَمِ في حَقِّ المرأةِ؛ فرُوِىَ عنه، أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ على المرأةِ إذا لم تَجِدْ مَحْرَمًا. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقال أبو داودَ: قُلْتُ لأحمدَ: امرأةٌ مُوسِرَةٌ لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، هل وَجَب عليها الحَجُّ؟ قال: لا. وقال: المَحْرَمُ مِن السَّبِيلِ. وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عنه أنَّه مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ دُونَ الوُجُوبِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعلى هذه الرِّوايَةِ متى كَمَلَت لها الشَّرائِطُ الخَمْسُ، وفاتَها الحَجُّ بمَوْتٍ أو مَرضٍ لا يُرْجَى بُرْؤه، أُخْرِجَ عنها حَجَّةٌ؛ لأنَّ شُرُوطَ الحَجِّ المُخْتَصَّةَ بها (1) قد كَمَلَتْ، وإنَّما المَحْرَمُ لحِفْظِها، فهو كتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وإمْكانِ. المَسِيرِ. وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ المَحْرَمَ ليس بشَرْطٍ في الحَجِّ الواجِبِ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أحمدَ يُسْألُ: هل يَكُونُ الرجلُ مَحْرَمًا لأُمِّ امرأتِه، يُخْرِجُها إلى الحَجَّ؟ فقالَ: أمّا في حَجَّةِ الفَرِيضَةِ فأرْجُو (2)؛ لأنَّها تَخْرُجُ إليها مع النِّساءِ، ومع كلِّ مَن أمِنَتْه، وأمّا في غيرِها فلا. والمَذْهَبُ الأوَّل. وقال ابنُ سِيرينَ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ: ليس المَحْرَمُ شَرْطًا في حَجِّها بحالٍ. قال ابنُ سِيرِينَ: تَخْرُجُ مع رجلٍ مِن المسلمين لا بَأْسَ به. وقال مالكٌ: تَخْرُجُ مع جَماعَةِ النِّساءِ.
(1) في الأصل: «به» .
(2)
في الأصل: «فإنه سواء» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الشافعىُّ: تَخْرُجُ معِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ. وقال الأوْزاعِىُّ: تَخْرُجُ معِ قَوْمٍ عُدُولٍ، تَتَّخِذُ سُلَّمًا تصْعَدُ عليه وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رجلٌ إلَّا أن يَأْخُذَ برَأْسِ البَعِيرِ، ويَضَعَ (1) رِجْلَه (2) على ذِرَاعِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: تَرَكُوا القولَ بظاهِر الحديثِ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم شَرْطًا لا حُجَّةَ معه عليه، واحْتَجُّوا بأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزَّادِ والرّاحِلةِ (3)، وقال لعَدِىِّ ابنِ حاتِمٍ:«يُوشِكُ أنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ تَؤُمُّ الْبَيْتَ، لَا جِوارَ مَعَهَا، لَا تَخافُ إلَّا اللهَ» (4). ولأنَّه سَفَرٌ واجبٌ، فلم يُشْتَرَطْ له المَحْرَمُ، كالمُسْلِمَةِ إذا تَخَلَّصَتْ مِن أيْدِى الكُفَّارِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» . وعن ابنِ عباسٍ، قال:
(1) في م: «تضع» .
(2)
كذا في النسختين: الأصل، م. وفى المغنى 5/ 31:«رجلها» ولعله الصواب.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 42.
(4)
أخرجه البخارى، في: باب علامات النبوة في الإِسلام، من كتاب المناقب، صحيح البخارى 4/ 239. والترمذى، في: باب تفسير سورة الفاتحة، من أبواب التفسير. عارضة الأحوذى 11/ 72 - 74. والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 257، 378.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، [وَلَا تُسَافِرُ امْرَأةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ] (1)» . فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى اكْتُتِبْتُ (2) في غَزْوَةِ كذا، وانْطَلَقَتِ امْرِأتِى حاجَّةً، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأتِكَ» . مُتَّفَقٌ عليهما (3). وروَى ابنُ عُمَرَ، وأبو سعيدٍ نَحْوًا مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ (4). قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا أبو هُرَيْرَةَ، فيَقُولُ:«يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» . ويُرْوَى عن أبى هُرَيْرَةَ: «لَا تُسَافِرُ سَفَرًا» . أيضًا. وأمّا حديثُ أبي سعيدٍ، فيَقولُ:«ثَلَاثَة أيّامٍ» . قُلْتُ: ما تقولُ أنت؟ قال: لا تُسَافِرُ
(1) سقط من: م.
(2)
في م: «كنت» . ومعنى اكتتبت: أى كُتِبَ اسْمِى في أسماء من عين لتلك الغزوة.
(3)
الحديث الأول تقدم تخريجه في 5/ 41. والثاني أخرجه البخارى، في: باب حج النساء، من كتاب المحصر، وفى: باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة، من كتاب الجهاد، وفى: باب لا يخلون رجل بامرأة. . . .، من كتاب النكاح. صحيح البخارى 3/ 24، 4/ 72، 7/ 48. ومسلم، في: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 978. كما أخرجه الإِمام أحمد، في: المسند 1/ 222.
(4)
انظر تخريج الحديث في 5/ 41.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَفَرًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا إلَّا مع ذى مَحْرَمٍ. وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ (1) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم، قال:«لَا تَحُجَّنَّ امْرَأةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» . وهذا نَصٌّ صَرِيحٌ في الحُكْمِ. ولأنَّها أنشأتْ سَفَرًا في دارِ الإِسْلامِ، فلم يَجُزْ بغيرِ مَحْرَمٍ، كحَجِّ التَّطَوُّعِ. وحديثُهم مَحْمُولٌ على الرجلِ، بدَلِيلِ أنَّهم شَرَطُوا خُرُوجَ غيرِها معها، فجَعْلُ ذلك الغيرِ المَحْرَمَ الذى بَيَّنَه النبىُّ صلى الله عليه وسلم في أحادِيثِنا أوْلَى مِمّا اشْتَرَطُوه بالتَّحَكُّمِ مِن غيرِ دَلِيلٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الزّادَ والرَّاحِلَةَ تُوجِبُ الحَجَّ مع كَمالِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، ولذلك اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ، وإمْكانَ المَسِيرِ، وقَضاءَ الدَّيْنِ، ونَفَقَةَ العِيالِ. واشْتَرَطَ مالكٌ إمْكانَ الثُّبُوتِ على الرّاحِلَةِ، وهى غيرُ مَذْكُورَةٍ في الحديثِ. واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم شَرْطًا في مَحَلِّ النِّزاعِ مِن عندِ نَفْسِه، لا مِن كِتابٍ، ولا من سُنَّةٍ، فما ذَكَرَه النبىُّ صلى الله عليه وسلم أوْلَى بالاشْتِراطِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، فحديثُنا أصَحُّ وأخَصُّ وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ.
(1) في: أول كتاب الحج. سنن الدارقطنى 2/ 223.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحديثُ عَدِىٍّ يَدُلُّ على وُجُودِ السَّفَرِ، لا على جَوازِه، ولذلك لم يَجُزْ (1) في غيرِ الحَجِّ المَفْرُوضِ، ولم يَذْكُرْ فيه خرُوجَ غيرِها معها. وأمّا الأسِيرَةُ إذا تَخَلَّصَتْ مِن أيْدِى الكفَّارِ، فإنَّ سَفَرَها (2) سَفَرُ ضَرُورَةٍ، لا يُقاسُ عليه حالَةُ الاخْتِيارِ، ولذلك تَخْرُجُ فيه وَحْدَها؛ ولأنَّها تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بتَحَمُّلِ الضَّرَرِ المُتَوَهَّمِ، فلا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذلك مِن غيرِ ضَرَرٍ أصْلًا.
فصل: والمَحْرَمُ زَوْجُها، أو من تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ. مُبَاحٍ؛ كأبِيها، وابنِهَا، وأخِيهَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، ورَبِيبِها
(1) في م: «يجزه» .
(2)
في الأصل: «سفر» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورابِّها (1)؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله وِالْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثةَ أيّامٍ فَصَاعِدًا، إلَّا وَمَعَهَا أبُوهَا، أو ابْنُهَا، أوْ زَوْجُهَا، أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا (2)» . رَواه مسلم (3). وكذلك مَن تَحْرُمُ عليه بالمُصاهَرَةِ بسَبَبٍ مُباحٍ؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ، أشْبَهَ التَّحْرِيمَ بالنَّسَبِ. قال أحمدُ: ويَكُونُ زَوْجُ أُمِّ المرْأةِ مَحْرَمًا لها، يَحُجُّ بها، ويُسافِرُ الرجلُ مع أمِّ وَلَدِ جَدِّه، وإذا كان أخُوها مِن الرَّضاعَةِ خَرَجَتْ معه. وقال في أُمِّ امْرَأتِه: يَكُونُ مَحْرَمًا لها في حَجِّ (4) الفَرْضِ دُونَ غيرِه. قال الأثْرَمُ: كأنَّه ذَهَب إلى أنَّها لم تُذْكَرْ في قولِه تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} (5). الآية. فأمّا مَن تَحِلُّ له في حالٍ، كزَوْجِ أُختِها، فليس بمَحْرَمٍ لها. نَصَّ عليه. لأنَّه ليس بحَرامٍ عليها على التَّأْبِيدِ، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها. وليد العَبْدُ مَحْرَمًا لسَيِّدَتِه.
(1) الرابّ: زوج الأم يربى ابنها من غيره.
(2)
سقط من: م.
(3)
في: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 977.
كما أخرجه أبو داود، في: باب في المرأة تحج بغير محرم، من كتاب المناسك. سنن أبي داود 1/ 401. والترمذى، في: باب كراهية أن تسافر المرأة وحدها، من أبواب الرضاع. عارضة الأحوذى 5/ 117. وابن ماجه، في: باب المرأة تحج بغير ولى، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 968.
(4)
سقط من: م.
(5)
سورة النور 31.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: هو مَحْرَمٌ لها. وحَكاه بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ؛ لأنَّه يُباحُ له النَّظَرُ إليها، فكانَ مَحْرَمًا لها، كذِى رَحِمِها. ولَنا، ما روَى سعيدٌ في «سُنَنِه» بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:«سَفَرُ المَرْأةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» (1). ولأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، ولا تَحْرُمُ، عليه على التَّأْبِيدِ، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، وقِياسُه على ذى الرَّحِمِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَأْمُونٌ عليها، بخِلافِ العَبْدِ، ولا يَلْزَمُ مِن إباحَةِ النَّظَرِ إلَيها أن يَكُونَ مَحْرَمًا لها (2)، فإنَّه يَجُوزُ النَّظَرُ إلى القَواعِدِ مِن النِّساءِ، ويَجُوزُ لغَيْرِ أُولِى الإِرْبَةِ النَّظَرُ إلى الأجْنَبِيَّةِ، وليس مَحْرَمًا لها.
فصل: وأمُّ (3) المَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ، والمَزْنِىِّ بها، وابنتُهما (4)، فليس بمَحْرَمٍ لهما. وعنه، أنَّه مَحْرَمٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ تَحْرِيمَهما (5) بسَبَبٍ غيرِ مُباحٍ، فلم يَثْبُتْ به حُكْمُ المحْرَمِيَّةِ، كالتَّحْرِيمِ الثّابِتِ باللِّعانِ،
(1) عزاه الهيثمى للبزار والطبرانى في الأوسط وقال: فيه بزيع بن عبد الرحمن، ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد 3/ 214.
(2)
سقط من: م.
(3)
في م: «أما» .
(4)
في م: «ابنتها» .
(5)
في م: «تحريمها» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وليس له (1) الخَلْوَةُ بهما، والنَّظَرُ إليهما لذلك. والكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ للمُسْلِمَةِ، وإن كانَتِ ابْنَتَه. قال الإِمامُ أحمدُ، في يَهُودِىٍّ أو نَصْرانِىٍّ أسْلَمَتِ ابْنَتُه: لا يُزَوِّجُها، ولا يُسافِرُ بها، ليس هو لها بمَحْرَمٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: هو مَحْرَمٌ لها؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ. ولَنا، أنَّ إثْباتَ المَحْرَمِيَّةِ يَقْتَضِى الخَلْوَةَ بها، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ لكافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، كالحَضانَةِ للطِّفْلِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها أن يفْتِنَها عن دِينِها كالطِّفْلِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالمُحَرَّمَةِ باللِّعانِ، وبالمَجُوسِىِّ مع ابْنَتِه، ولا يَنْبَغىِ أن يَكُونَ في المَجُوسِىِّ خِلافٌ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها، ويَعْتَقِدُ حِلَّها. نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ (2).
(1) سقط من: الأصل.
(2)
في م: «المحرم» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُشْتَرطُ في المَحْرَمِ أن يَكُونَ بالِغًا عاقِلًا. قِيلَ لأحمدَ: فيَكُونُ الصَّبِىُّ مَحْرَمًا؟ قال: لا، حتى يَحْتَلِمَ؛ لأنَّه لا يَقُومُ بنَفْسِه، فكيفَ تَخْرُجُ معه امْرَأةٌ. وذلك لأنَّ المقْصُودَ بالمحْرَمِ حِفْظُ المرأةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مِن غيرِ البالِغِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى حِفْظٍ، فلا يَقْدِرُ على حِفْظِ غيرِه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ونَفَقَةُ المَحْرَمِ في الحَجِّ عليها. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه مِن سَبِيلِها، فكانَ عليها نَفَقَتُه، كالرّاحِلَةِ. فعلى هذا يُعْتَبَرُ في اسْتِطاعَتِها أن تَمْلِكَ زادًا وراحِلَةً لها ولمَحْرَمِها. فإنِ امْتَنَعَ مَحْرَمُها مِن الحَجِّ معها، مع بَذْلِها له نَفَقَتَه، فهى كمَن لا مَحْرَمَ لها. وهل يَلْزَمُه إجابَتُها إلى ذلك؟